العرائش بين الأطماع العثمانية والإسبانية (تابع) (2)

العرائش أنفو
العرائش بين الأطماع العثمانية والإسبانية (تابع) (2)
بقلم المؤرخ عبد الحميد بريري
لعبت العرائش دورا مهما في ميدان الجهاد البحري خاصة عندما بدأت تتوافد على المغرب أفواج الأندلسيين المطرودين من وطنهم ، فاتخذها كل من كانت له رغبة في الانتقام أو العودة الى وطنهم المغصوب وبمعية المغاربة والمسلمين من مختلف العالم الاسلامي في اطار التضامن الاسلامي والدفاع عن قضايا الأمة ، قاعدة بحرية يهاجمون منها الشواطيء الأندلسية وجزر الكنرياس والسفن المسيحية المارة بالسواحل الأطلسية .
يقول الدكتورمحمد رزوق نقلا عن خوان لويس دو روخاس<<فقد تجمع عدد كبير من الموريسكيين بتطوان والقصر الكبير والعرائش لكي يكون على مقربة من اسبانيا،وقد أكد هذه الحقيقة الدوق دي مدينا سيدونيا >> بوجود 10000 موريسكي سنة 1613 بمدينة تطوان وحدها . وفي العرائش سنة 1610 كان يتواجد بها 150 موريسكيا .
كما ساعدهم على ذلك ملوك المغرب الذين لم يأل جهدهم قدر المستطاع وحسب الظروف العصيبة التي كان يمر منها المغرب في هذه الفترة منهم عبد الملك السعدي الذي << … أمر بانشاء السفن في العرائش وسلا وصار أهل الأندلس يسافرون في البحرمع أهل المغرب وضيقوا بالنصارى أشد تضييق وكثرت الغنائم …>> .كلها أمور شكلت لدى فليبي الثاني هاجسا يشغل باله وانشغالا استراتيجيا الى ان صرح وقال العرائش وحدها تساوي افريقيا كلها . لم يتسرع العاهل الاسباني في استعمال القوة والاستيلاء على مدينة احلامه وهزيمة ابن أخته لم تنس بعد ، ففضل القنوات الدبلوماسية عبر سفرائه الأب مرين وبيروبنيغاش ، وأنطونيو داشالدانيا ،وبلستار بولو ،وفرانسيسكوداكوستا .
لكن المنصور لم يتردد من اظهار بعض الأساليب التي تجعل فليبي الثاني يطمئن لوعود المنصور، ومن ذلك احدى رسائله الى العاهل الاسباني ؛<< …وكذلك تأمروا لأصحابكم يقبضون لأصحابنا البريجة مثل ماأمرنا نحن للقائد ابراهبم يقابض لأصحابكم العرائش >> . لكن المنصور لا يعني من كلامه هذا انه ملتزم فعليا باعطاء العرائش مقابل البريجة لأنه يعلم علم اليقين أن ذلك انتحارا سياسيا . وأن الابقاء على الوعود ربحا للوقت حتى تزول اسبابها التي هي : الخطر العثماني واحتجازالمطالبان بالعرش مولاي الشيخ ومولاي الناصر. وبالفعل ما ان زال الأول وانزال الناصر والقضاء على ثورته حتى قلب ظهره لوعوده وتحول في سياسته الخارجية مع فليبي الثاني اذ تقرب المنصور الى ملكة انجلترا مباشرة بعد هزمها الاسبان في معركة الأرمادا البحرية واستكمال تحصين العرائش وتشكيل الأسطول الأمامي . ولم يكتف المنصور بهذا الرد السياسي ، وانما بالعمل العسكري بحيث هاجمت سفنه سنة 1593 م جزر الكانارياس وعادت بغنائم وسبي من الجانب الاسباني .
ورغم هذا فالملكين لم يقطعا حبل الاتصال وبقيت رسائل الود والمجاملة ترد بينهما . وقد أورد الدكتورالحسين بوزينب مقتطفات من رسائل المفاوضات حول تسليم العرائش في مقاله نقلا عن صاحب كرونيكا المنصور ومتتبع هذه المفاوضات أنطونيو دا سالدانيا عندما اقترب الخطر العثماني من المغرب <<…أرسل الأب مرين الى لشبونة حيث كان يوجد الملك فليب وطلب منه أن يبلغه استعداده لخوض غمار مخاطر الحرب قبل أن يستأنف السلام مع الأتراك ، ويذكره بأن أهم مسرح للحرب هو في البحر وأن الهدف هو العرائش . لذلك كان يجدر بالملك فليب أن يكثر من قواته حتى لايجرؤ التركي على المجيء ، لأن كليهما كان معرضا للخطر نفسه …>> .
وبما أن تسليم العرائش كان له مصلحة أخرى لدى المنصورألا وهو احتجاز المعارضين يذكر شالدانيا مقتطف من رسالة مطمئنة حول أخبارهما << …ان مولاي الشيخ يحاول ان يدخل الدين المسيحي… وان مولاي الناصر سيحول من لشبونة الى قشتالة وسيحبس في مكان بعيد عن البحر ، بحيث لايضرن الشريف في شيء . ولكن على المنصور أن يحاول تسليم العرائش لجلالته ، لأنه بهذا ستحبط كل مشاريع الأتراك وستتوطد الصداقة بين صاحب الجلالة الملك فليب والشريف … >> .
وفي رسالة أخرى تبرز مدى المناورة والدهاء السياسي الذي طبع سياسة المنصور الخارجية في موضوع تسليم العرائش حين ربح الوقت واستكمل تحصين العرائش مدة زمن المفاوضات ، في مقابل رغبة ملحة من طرف فليبي لتسلم العرائش مقابل البريجة في ماي 1586 << … شرع الملك فليب في سنة 1586م في الاصرار بشكل كبير على تسليمه العرائش ، الأمر الذي كان يقابله الشريف السعدي بدهائه . وكما صرح بلتسار بولو للأب مرين ، فان اسبانيا كانت تنتظر بفارغ الصبر خلال شهر ماي ، وهوالوقت الذي اعتبر، حسب ما فهم من الأب مرين ،موعدا لهذا التسليم مقابل البريجة … كان فرانسيسكو دا كوسطا قد كتب الى الملك فليب الثاني في موضوع العرائش ، أنه كان يعتبر أمر تسليم العرائش من قبل الشريف السعدي بمثابة سخرية لا يجب أن تحمل على محمل الجد ، لأنه لم يسلمها عندما كانت تفتقر الى التحصين والدفاع وكان يتخوف من احتلالها من قبل الأتراك ، فكيف سيفعل ذلك الآن بعد تحصينها كما يجب ؟ وأخيرا، خرج الأب مرين من مراكش وكله أمل . غير أنه مرض في الطريق ومات واصطحب معه الى الحياة الأخرى كل الاتفاقات المزعومة حول تسليم العرائش …>> .
(يتبع)
المراجع :
1- الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب خلال القرن 16/ 17 د/ محمد رزوق مطابع افريقيا الشرق سنة 1989
2- تاريخ الدولة السعدية المؤرخ المجهول ص : 533
3 – التاريخ العربي مجلة علمية محكمة ( مقال تحت عنوان من العرائش إلى فضالة أربعة عقود ونصف من الإستراتيجية الإسبانية في احتلال مراسي مغربية 1578/ 1624 د/ الحسين بوزينب العدد13 شتاء 1420/ 2000
