الشيخ عبدالسلام بن مشيش : الرجل الصالح في عهد الدولة الموحدية (الجزء الثاني)

الشيخ عبدالسلام بن مشيش : الرجل الصالح في عهد الدولة الموحدية(الجزء الثاني)
بقلم المؤرخ عبد الحميد بريري

مذهبه العقدي والأخلاقي :
تربى هذا الجيل من المغاربة على العقيدة الأشعرية وهي في العموم ومن حيث المبدأ العقيدة الإسلامية التي جاء بها القرأن والسنة التي تبتعد عن تجسيم الذات الإلهية وتنزيهها عن كل وصف مادي وهو ما عليها أغلب علماء الأمة . وقد أعطاها زخما وقوة بالمغرب مِؤسس الدولة الموحدية والقائم بأمرها المهدي بن تومرت . ويجمع بعض المؤرخين أن المهدي بن تومرت بمذهبه القائم على التوحيد والنهي على المنكر هو الذي رسخ العقيدة الإسلامية في نفوس المغاربة ولا زال أثارها إلى اليوم .
دخل المغرب قادما من الشرق و هو ينهى الناس عن المنكر كلما مر على قرية من قرى المغرب الأقصى . ولقيت دعوته استجابة واسعة خاصة في سكان الجبال وعليها قامت الدولة الموحدية . كانت له طريقة خاصة لتحفيظ مبادئ مذهبه باللغة الأمازيغية التي كانت لسان أغلب سكان المغرب ” أنه كان يسند إلى كل فرد من مجموعة ما كلمة في جملة تكون بمثابة الإسم له ويطالب بحفظها ، وفي كل يوم تقع مناداة جميع الأفراد فيفوه كل واحد منهم باسمه في ترتيب لا يتغير حسب نظام الكلمات في تلك الجملة لا تمضي أيام قلائل حتى تكون الجملة محفوظة عن ظهر قلب ” (4) . و بفرض الموحدين هذا المذهب قطع الطريق على انتشار الملل والنحل التي عرفها الشرق الإسلامي ولا يزال المغرب اليوم يتبنى مذهب اهل السنة والجماعة عقيدة وشريعة . ” والواقع ان فرض العقيدة التومرتية بنزعتها العقلية الجافة داخل المجتمع المغربي ، حيث أفرز ذلك التيار تطورا على مستوى السلوك والممارسة …” (5)
في هذه الظروف ، وبعد ترسخ هذه القيم في المجتمع المغربي وتمثلها في السلوك والأفعال حتى قال المؤرخون ” … وقد بلغوا في الرقي الخلقي إلى درجة عظيمة ” حيث ” إن الرجل كان يسقط منه الدينار فلا يأخذه احد ، ويبقى في مكانه إلى أن يرجع إليه صاحبه . وكان القضاة يجلسون للحكم الشهر وأكثر فلا يأتي إليهم احد ” (6).
اتخذ الشيخ عبدالسلام بن مشيش لنفسه طريقا ولم يسلك طريقة ولا تركها ولم يلزم بها أحدا (7)، رغم وجود طرق التصوف المنتشرة بالمشرق التصوف الفلسفي والنظريات الإشراقية وإنما اختار لنفسه طريق الزهد السني الذي يستند على الكتاب والسنة كالجنيد والفضيل ابن عياض وعبدالقادر الجيلالي .
يحكي أبو الحسن الشاذلي تلميذ الشيخ عبدالسلام بن مشيش :
” دخل رجل على أستاذي فقال له : وظف لي وظائف وأورادا . فغضب الشيخ منه وقال له :
رسول أنا . اوجب الواجبات ؟
الفرائض معلومة والمعاصي مشهورة ، فكن للفرائض حافظا ، وللمعاصي رافضا ، واحفظ قلبك من إرادة الدنيا ، وحب النساء ، وحب الجاه ، وايثار الشهوات ، واقنع من ذلك كله بما قسم الله لك . إذا خرج لك مخرج الرضا ، فكن لله فيه شاكرا ، إذا خرج لك مخرج السخط ، فكن عنه صابرا ، وحب الله قطب تدور عليه جميع الخيرات ، وأصل جامع للأنوار والكرامات . ” (8)
من خلال هذا النص يمكن إثبات تأثير مذهب المهدي في المجتمع المغربي أنذاك وشيخنا أحد أفراده والحرص الذي كان عند المهدي لتعليم العقيدة الأشعرية للمغاربة وترسيخها في قلوبهم في إطار الإصلاح الديني الذي جاء به وبانتقاد الفقهاء وتعصبهم للفروع دون الرجوع إلى المصادرالأولى للتشريع الإسلامي التي هي الكتاب والسنة والإجماع .
مذهب المهدي قبل أن يتبلور إلى مذهب سياسي كان يتكون من شقين شق عقائدي وشق أخلاقي . العقيدة عنده تنبني على توحيد الله في الذات والصفات وعدم تجسيمها وأخلاقي يقوم بالأساس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .(9)
الشيخ عبدالسلام من خلال ماثوراته هاته ، نستنبط توحيده الخالص بأن الإله هو الله ارسل رسول يبلغ عنه الأوامر والنواهي لتحقيق الألوهية والربوبية له ، فالله هو الحاكم وهو الذي يضع الشرائع والأحكام وعلى المسلم الإمتثال لأوامر الله واجتناب نواهيه ثم ينتقل بوصاياه إلى الرجل الذي سأله وظائف وأوراد بالتزهد في الدنيا وخص بالذكر جانب النساء والجاه وحبهما وكل ما يثير الشهوات ، والرضا بقدر الله بالشكر إن كنت عنه راضيا وبالصبر إن كان شرا ، وبمحبة الله التي تجلب الخير وأساس لكل نور يقذفه الله في قلب المؤمن وكل كرامة يجريها على يديه . فهو هنا قد نهى عن منكر وأمر بمعروف أي استنكر على السائل أن يوظف له وظائفا واورادا لأنه ليس برسول بأن يلزمه بواجبات مبرزا له الطريق الصحيح الذي يجب أن يسلكه وكل ما وصاه به له أصل في كتاب الله وسنة نبيه . وقد عمل الشيخ عبدالسلام على تطبيق مبدأ النهي عن المنكر والأمر بالمعروف في حياته حتى أودى بها عندما قام إلى الدعي ابن أبي الطواجن ينهاه عن بدعته في الدين بالحجة والبرهان وهذا ليس ببعيد عن هذا الجيل الذي عرف بالصلاح والإصلاح وهو الذي عرف مستوى علميا ومعرفيا متفوقا .
إذن هذا هو الشيخ عبدالسلام بن مشيش الرجل الصالح المصلح الذي نهج لنفسه طريق توحيد الله وتخلقه باخلاق الزهد والامر بالمعروف والنهي عن المنكر في وسط راق متحضر صنع أمجاد الامة الاسلامية في غربها.رحمه الله وأكرم مثواه .
(5) نصوص جديدة ودراسات في تاريخ الغرب الإسلامي مرجع سابق ص :12
(6) تاريخ المغرب لمحمد بن عبدالسلام ابن عبود ص 147 : الجزء الأول
(7) القطب الشهيد سيدي عبد السلام بن بشيش للدكتور عبدالحليم محمود شيخ الأزهر صدر سنة 1394 / 1974 ص : 28
(8 ) القطب الشهيد سيدي عبد السلام بن بشيش مرجع سابق ص :58 .
(9) الفلسفة الالهية عند محمد بن تومرت تاليف الدكتور عبد الحميد درويش النساج مكتبة الثقافة الدينية ط 1 القاهرة سنة 2010 ص 320
