العرائش أنفو الشعر موطن الكينونة

العرائش أنفو
الشعر موطن الكينونة
بقلم المصطفى سكم
يشكل العدم والفراغ كانطولوجيا لذات مهزومة مأزومة رحلة ضياعها في كون بدون علامات فارقة وموجهة، فتغدو الذات جسدا نمطيا آليا بدون روح خلاقة يتمظهر فيه الوجود الإنساني في بعده الأونطي خارج موطن الكينونة. بل ويتشظى غبارا تتلاعب به الريح، وتلقي به في زمن فيزيائي، يكتوي بعقاربه بعيدا عن تاريخه وهويته، وما يمكن أن يكونه مادام الوعي بالكينونة المتحققة فعلا في الوجود قد تعرض للمحو اغترابا أو استلابا أو تشيئا. خاصة حين تتوقف مقولات العقل والمنطق ومسار الحركة وصيرورة التطور عند عتبة اللامعنى واللامعقول والطفرة والصدفة فينهار الوجود الإنساني كوجود من اجل ذاته بانهيار زمن اليقين المطلق لذات هي أسيرة حسابات الحياة الضيقة والسندوتشات السريعة وسلطة الحشد تحيى وجودها الزائف في سلوكيات زائفة وعلامات تعبيرية أكثر زيفا
يتأكد هذا الوجود الزائف في آلات جسدية تعاني من مسخ القول وعسر الهضم، جراء تعليم استهلاكي مأزوم أضحى حقل تجارب وخطط لاقتصاد سياسي ينزع الفرد من مسار بحثه عن تفرده وممكناته وإمكاناته المنفتحة والارتقاء بالتجاوز المبدع. ولعل مقدمة ذلك ورافعته يكمنان في تحرير الذوات من أسر الطوق وشحذ ممكنات الجسد لتشتعل بنية اشتغاله العضوية والروحية في جدليتهما الخلاقة ونزع طابع الميتافيزيقا على العقل والمخيلة كجوهرين مستقلين ومنحهما أدوارهما كآلتين لفهم الوجود وإعادة صناعته كوجود ممكن نسبق وجوده ونحياه في المخيلة ويؤسسه القول كوجود إنساني لحقيقة أنطولوجيا الإنسان كحرية وحب وكرامة وعدل ومساواة وإنصاف.
لذا يشكل الشعر ملتقى تقاطع مساري الوجود واللاوجود ، الوجود كواقع معطى زائف ينبغي إدراكه وفهمه، واللاوجود كوجود من أجل ذاته لم يتحقق بعد وهو ما ينبغي أن تكون عليه كينونة الإنسان في عالم الإستيطيقا. إن القول الشعري ينحت المعنى المستحيل كعالم ممكن بالكلمات، علامات الشاعر في كون التيه صوب الحقيقة والذوق فيفصلها عن أشيائها المألوفة الاعتيادية أو البلاغية الكلاسيكية بما يجعل من الروح الشعرية قوة منفتحة حية ومجددة ، تنهل من الحرية وتعيد تأسيسها باستمرار بما تقتضيه ضرورة التجاوز كشرط إنساني. وبما أن الروح الشعرية جنون واختراق للامألوف وتوالد لا متناهي للمعنى يجعل دائما القصيدة الشعرية غير مكتملة فإن ذاك يتطابق مع الإنسان الذي هو دائما على عتبة الكينونة لن يكونها بشكل نهائي إلا بالموت
