ads980-90 after header
الإشهار 1

صناعة الموت ، بين أبناء الدولة وطموح مُجتمع..؟

الإشهار 2




العرائش أنفو


صناعة الموت ، بين أبناء الدولة وطموح مُجتمع..؟

 

بقلم : يونس القادري

 

إن موضوع الباعة المتجولين يُعد من الظواهر الإجتماعية المثقلة بالإيحاءات المريرة ، فهو يشكل إستمرار لظاهرة الفقر  المُتنتشر على نطاق واسع في المجتمعات العالم الثالتية وتشكل عائق أمام الدولة والمجتمع بما تطرحه من إنعكاسات خطيرة على المستوى الإقتصادي والإجتماعي و الأمني ، رغم أنّ الكثير من الشباب والرجال والنساء وحتى الأطفال وجدوا فيها وسيلة للعيش والإستمرار في البقاء ومواجهة تحديات الحياة المتمثلة في إنسداد الأفق الإقتصادي وشُح فرص العمل في القطاعات الإقتصادية المهيكلة ،  فضلا عن إرتفاع مستويات المعيشة مما إضطر الكثيرين من أبناء هذه الأوطان قسرا لا أبطال للبحت عن منافد لكسب لقمة العيش عبر تحوليهم لباعة متجولين…إنّ كل عملية تحول تعد نصرا بالنسبة لهم بل نصرا لروح التحدي البشري والإصرار على البقاء والمقاومة وتجسيد للشجاعة والإبتكار في التغلب على القيود البيروقراطية التي يرفضها الأغنياء المتوجسون والمنتفعين إداريا وسياسيا من إستغلال هذه الفئات ، عبر فرض قيود تجعل حياة هؤلاء جحيم ينضاف إلى معاناتهم اليومية في الركض من أجل تحقيق الحد الأدنى للعيش ، ومن هذا المنظور الوجداني تبدو أي سياسة للتعامل مع هذه الظاهرة الإجتماعية ذات الأبعاد والتأثيرات الإقتصادية والأمنية غير سياسية ومزاجية تفتقد للعقلانية والفاعلية ، مما يجعل الباب مفتوح أمام إنزلاقات لا يحمد عقبها على المستويات الحيوية السالفة الذكر ذات تأثير مباشر على تماسك المجتمع وقدرتها على مواجهة تحدياته المتعددة…

 

لكن تبقى ظاهرة الباعة المتجولين نفسها لا تخلو أيضا من الأنانية ، لأن المسؤوليات والأعباء التي يتحملها الأخرون المنتمون إلى القطاعات المهيكلة  تدعوهم إلى اليأس والإحباط من جدوى إلتزاماتهم الضريبية لصالح الدولة والمجتمع ،  ومن هذا المنظور وجب التحجج بأن السياسات التعامل مع الظاهرة لا تأخد بعين الإعتبار تأثيراتها في أولئك الذين ينتمون لخارج منظومة الإقتصاد المهيكل ، رغم أنهم إفراز طبيعي لفشل تلك المنظومة على إحتوائهم ودمجهم.. فالسياسات المعتمدة في هذا الباب غالبا ما تعتمد منطق المقاربة الأمنية التي تكاد لا تهتم بظروف الإقتصادية والإجتماعية التي دفعتهم دفعا للإقدام على الإنخراط في تلك النشاطات الإقتصادية غير شرعية ولا قانونية من وجهة نظر الدولة والفاعلين المتعددين ،  فأليس بالإمكان إعتبار ظاهرة الباعة المتجولين ردة فعل مضادة على فشل التدابير الإقتصادية والتنموية ؟  وألا يمكن إعتبارها صيغة ثأر وإنعتاق من فشل السياسات العمومية التنموية والإقتصادية التي طالما تم تأطيرها بشعارات محاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الإجتماعي الذي طال ولازال يطال فئات عريضة من الشعب المغربي ؟

 

 فالأخر أي الدولة والفاعلين الإقتصاديين يرونّ في الظاهرة تحريف للموارد عن وجهتها الحقيقية بينما يرها الباعة المتجولين وسيلة لمحاربة صعوبات الحياة الإجتماعية والإقتصادية ، بل منفد يُجنبهم الإلتجاء إلى وسائل أخرى أكثر إنحرافا من قبيل الإنخراط في الجريمة أو الإقدام على الهجرة أو الموت البطيئ تحت وطأة الفقر والتهميش الإقتصادي والإجتماعي.. وإن كان هذا الموقف يعتبر صراع مع القيم القانونية المعمول بها وتقويض فعاليتها ، فهي تبقى مبررة نظرا لواقع الفشل العام في تحقيق النتائج المرجوة من سياسات التي تم إعتمادها عبر سنوات في كل المناحي والمجالات الاستراتجية للدولة ، ومن هذا المنظور أيضا ينبغي لسياسة التعامل مع الظاهرة أن تحمي أولئك الذين لا يمتكنون قهرا من الإنخراط في الدورة الإقتصادية النظامية للدولة والمجتمع ،  فالظاهرة لها علاقة وطيدة بالتوازنات الإقتصادية والإجتماعية وبالقيم الإنسانية المرتبطة بحق العيش الكريم والبقاء ، مع أنّ الردود الأفعال إزاء التأثيرات الإفتراضية للظاهرة يمكن أن تحرف السياسة التعامل معها إن لم نقول أنها إنحرفت مرارا وتكرار على مستوى التخطيط والتنزيل ، إنّ التعامل معها يخضع لمنطق قدرة ضغط الأطراف المتفاعلة معها على مركز صناعة القرار الإقتصادي والإداري ، كما أنّ الظاهرة تخضع للتقلبات السياسية قبل أن تخضع للدراسة والتحليل …بمعنى أن إنتقال العديد من المواطنين من حالة البطالة إلى حالة البطالة المقنعة المتجسدة في إنخراطهم في أنشطة إقتصادية غير مهيكلة ، ماهي إلا عملية إقتصادية بسيطة،  غير أن تأثيراتها اللاحقة تتسم حتما بالتعقيد ، لهذا ينبغي للسياسات العامة التي تتخدها الدولة بشأن تقديم إجابات عن هذه الظاهرة الإجتماعية بوضع الاعتبار في  توازن بين هواجس الدولة الإقتصادية والأمنية ، وكذا الأخد  بالأوضاع الإجتماعية والإقتصادية لهذه الفئات الإجتماعية الهشة والمقصية…

 

 لأنّ الفاعل السياسي والإداري يتعمال مع هذه الظاهرة كمعطى إنتخابي إحصائي لا كمعطى إجتماعي،  وهو الأمر الذي يعكس تباين في السياسات العامة للدولة التي طالما تميزت بعدم القدرة على التجاوب الحقيقي مع أصل المشكل ، وإكتفت فقط بالإجابة على نتائجها الإقتصادية والأمنية ،  فهل يعكس هذا التباين في السياسات إستجابات معقدة وغامضة لظروف متباينة ..؟؟

 

 أشك في هذا أو بالأحرى أرى أن الغموض الذي تكتنفه سياسة التعامل مع هذه الظاهرة الإجتماعية يعكس سياقات منحرفة عن الصواب ، تتأثر للأسف بنزوات وسياقات سياسية وإدارية مريضة تجاوزتها الطبيعة والتاريخ ، تتسم بقلة الخبرة والمعرفة بأصل المشكل وحلوله الأمثل ، فكل ما تم إنتاجه من سياسات في هذا الباب لا تعدوا إلا أن تكون حل مؤقت للمشكل دائم سيكون له ما بعده على واقع الدولة والمجتمع والاقتصاد والأمن..

 

فلقد شهدت تلك السياسات تجاذبات بين قيم متنافسة بدلا من التركيز على معطيات واقعية التي تحتم إتخاذ قرارات جريئة ، فالجدال القائم حول هذا الموضوع لم يستطيع إلى حدود الساعة للوصول إلى قرارات ثابت بشأن قضايا إدماج هؤلاء في الحياة الإقتصادية بطرق تضمن لهم الكرامة والعيش الكريم ، حتى نستطيع تجنب ما يقع من إنزلاقات قد تؤدي إلى تكرار أحداث أليمة و مأسوية تهز مشاعر المغاربة ، فكل يوم يمر دون الإستجابة لهذه المطالب الإجتماعية يجعلنا في كل يوم نؤرخ في هذا الوطن لحالة وفاة غير عادلة وغير مبررة ،  ل” بائعة الخبز” و “بائع السمك” وأخرون لم تصلنا صراخاتهم في مختلف بقاع الوطن..

 

وحفظ الله وطننا من كل سوء

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5