ثلاثون ثانية ليست كافية للإقناع

العرائش أنفو
30 ثانية ليست كافية للإقناع
محمد الشربف الطريبق
من المستحيل أن تشاهد مسلسلا في القنوات العربية أو القنوات الوطنية دون أن تشاهد ضِعفه من الإشهار إلى درجة تنسيك أحداث الحلقة التي أنت بصدد مشاهدتها، لمنتجات لا تجمعها أية علاقة بينها ولا وبين العمل الدرامي الذي تأتي هذه الإشهارات في بدايته وفي وسطه وبينه وبين الجينيريك وفي أخره وداخله وخلاله.
من المفروض أن القنوات الوطنية الحكومية معفاة من الاعتماد على الإشهار لتمويل برامجها لأنها مدعمة من الطرف الدولة، وفي هذا السياق كان قرار الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي حكيما عندما قرر أن يسحب الإشهار من القنوات العمومية بغض النظر عن خلفياته، والمصالح التي كان يدافع عنها.
لقد وصل حضور الإشهار في التلفزيون مع الأعمال الدرامية في السنوات الأخيرة، وخصوصا في شهر رمضان إلى مستوى الذروة، بدون مراعاة لأية أخلاقيات. وأنا أشاهد هذا الكم الهائل من الإشهار أتساءل ببداهة، لماذا لا تؤسس هذه الشركات الكبرى وهي معروفة ومحدودة قنواتها الخاصة، وأن تخوض مغامرة إنتاج أعمال درامية، أو غيرها من البرامج على مقاس خطاباتها الإشهارية، لتمرير الدعاية لمنتجاتها كما تشاء ودون حسيب أو رقيب حسب القوانين، وأن تظل القنوات الوطنية كخدمة عمومية أي كوسيلة لتثقيف المواطن وتربيته والترفيه عليه وإخباره.
أعتقد أن حضور الإشهار في القنوات الوطنية، بالشكل الذي هو عليه الآن يخل بالتعاقد الأخلاقي بين المتفرج وقنواته، لأن المتفرج عندما يختار أن يشاهد قناة معينة، فهو لا يفعل ذلك لمشاهدة الوصلات الإشهارية التي تبثها، ولكن لمتابعة إحدى البرامج التي يحبها أو الإطلاع على الأخبار الوطنية إلى غير ذلك، والتلفزيون عندما يستغل هذا الارتباط فإنه كما قلت يخل بهذا التعاقد ولا يكون عند ثقة الجمهور.
لقد تطورت هيمنة الإشهار على التلفزيون المغربي خصوصا في هذا الشهر الكريم، إلى درجة أن بعض البرامج لا توجد إلا كحامل للإشهار أو ذريعة لوجوده ليس إلا وبالتالي تتطلب استدعاء نوعية معينة من المشتغلين في المجال الفني، وإلى درجة أن هذه البرامج ذاتها تتحول إلى وصلة إشهارية، برامج أصبحت تصنع رموز من شخصيات لايسمح لها تكوينها وتربيتها أن تكون كذلك، ولتتحول القناة إلى وسيلة لاغتناء هؤلاء، والدعاية لهم، وكذلك وسيلة لرفع سومتهم في السوق.تستدرجنا بعض الوصلات الإشهارية، وهي في البداية لا تعلن عن المنتوج التي تقوم بالدعاية له، وتوهمك بكتابة وإخراج، من المفروض أن يكونا لحملة لأحدى المنظمات الإنسانية أو لحملة التضامن أو دعاية لإحدى القضايا الوطنية، ولكنك في الأخير تصطدم بأنها دعاية لأحدى منتجات الاستهلاك اليومي، التي يمكن الاستغناء عنها وإلا لما كانت ستقام لها حملات دعائية تكلف أموال ضخمة من حيث الإنتاج وشراء فضاء البث على إحدى القنوات. أتذكر هنا قولة للمخرج الفرنسي السويسري جون لوك كودار حيث يقول: الإشهار لا يمكن أن تتجاوز مدته أكثر من 30 ثانية لأنه بعد ثلاثين ثانية يجب أن نقول الحقيقة للناس.
أعتقد أن الاعتماد الكلي للقنوات الوطنية على الإشهار فيه قتل للإبداع الدرامي والموسيقي وتنميط للفن المغربي بشكل عام وفيه قتل للبعد المُواطن لهذه القنوات، وتشويش على كل المجهود التي تقوم به. ربما بالنسبة لأي فنان الإشهار فرصة لا تعوض لربح سريع بالمقارنة مع أي عمل سينمائي أو مسرحي، الشيئ الذي من المفروض أن يجعل هذا الفنان يختار أعماله ويعفيه من بعض المشاريع التي يشك في جديتها لكن عندما يتجاوز الواحد العتبة، يصعب العودة إلى الخلف ومقاومة الإغراءات المالية إلى أن يتحول الفنان إلى ناطق رسمي لإحدى الماركات حيث لا يستطيع الذهن أن يفصل الفنان عن المُشهر وتنتصر في النهاية كفة المُشهر لتغيب العلاقة الإنسانية وتعوضها علاقة تجارية محضة. الإشهار المبالغ فيه، فيه قتل لإنسانية الفنان، واستغلال لا أخلاقي لحب الناس لفنانيهم، وفي الحقيقة قتل لعفوية الفن، وصدقه وصدق حتى الخطاب ألإشهاري ذاته، لأن الشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده.
