ads980-90 after header
الإشهار 1

السينما ولحظة التساؤل عن اللغة والواقع 2/2

الإشهار 2

 

العرائش أنفو



السينما ولحظة التساؤل عن اللغة والواقع 2/2

محمد الشريف الطريبق

 

 

 

 

اهتمامي بدراسة الحوار ليس في أفق دراسة أكاديمية، ولكن للإجابة على أسئلة عملية، الشيء الذي أدى بي إلى الرجوع إلى الواقع والتصنت إليه، بطريقة أخرى للطريقة التي نعبر بها عن أحاسيسنا، والطريقة التي تجعل بعض المعاني بين السطور، والعودة كذلك إلى الأغنية الشعبية، والملحون، وفن الزجل لأن ذلك ما يشكل معجم الدارجة المغربية. وكنت، وما زلت، وأنا أتنقل أو في مدينتي دائما أسجل بطرق مختلفة (ساعدني في ذلك كثيرا ظهور الهواتف الذكية) بعض التعابير التي تثير انتباهي، وخصوصا عندا تأتي مكثفة وملحنة دون قافية لأضعها، في أغلب الحالات على لسان الشخصيات، العملية التي تصبح أكثر وضوحا عندما أكون أهيئ فيلما. فهنا أضطر للاستشارة، وإعداد النص مع الممثلين ثم إعادة كتابته، حيث يهمني أن يحس الممثل بالراحة داخل الحوار، وأن يكون النص مصاغا بطريقة تجعله قادرا على تَمثُله وتمثيله، والمهم في النهاية أن يكون الحوار رغم الوقت الذي تطلبه في الكتابة والمجهود الذي أخذه أن يبدو بديهيا.
في «بلكون اتلنتيكو» مثلا، بعد أن جمعت المادة أي مختلف المواقف، ومقاطع الحوارات، الأمر الذي تطلب ما يقرب من سنة (1999)، قررت أن أحرر الفيلم بالفرنسية لا جريا على عادة الزملاء، ولكن قلت مع نفسي أن البعد الكوميدي يجب أن ينبني على الموقف وتركيبة بناء الحوار، وإن كان الفيلم كوميديا فيجب أن يكون كذلك في حالة الترجمة. الفرنسية أو أي لغة أخرى هنا بالنسبة لي، وفي حالات أفلام أخرى، آلية لضبط الحوار وضمان خضوعه لبناء داخلي ليس إلا. مسار كتابة هذا الشريط تبلور جزئيا كإجابة عن الكوميديا المغربية التلفزيونية التي كانت تعتمد على استعادة بعض المقاطع من لغة اليومي، والتي عندما تترجمها إلى أي لغة أخرى، لا تؤدي نفس الوظيفة، ولا تخلق نفس التأثير، ولا تنبني على الموقف الدرامي، وفي الحقيقية، لا تنطلق من فهم ولو عام لمفهوم الموقف الكوميدي، الذي هو بالنسبة للشخصية موقف درامي، ومضحك بالنسبة للجمهور بالتالي تصب هذه المسلسلات الكوميدية في نوع من التهريج ليس إلا.
جعلتنا الدراما والفيلم المغربي، نؤمن بقناعة في لحظة ما أن اللهجة المغربية غير صالحة لتعبير عن المشاعر وخصوصا الحب منها إلى درجة أنه حتى في اليومي الناس تفضل
« je t’aime»
او ‘’I love you’’ على « كنبغيك» أو «Tu m’as manqué» على « توحشتك»، أو «قطعت من جنابي بالوحش» مثلا. لكن هذا الموقف العام لا يخص السينما فقط، ولكنه يعبر عن كيف نرى ذواتنا ويعبر في نفس الآن عن كسل في الاجتهاد والبحث، خصوصا للذين يضطرون لاستعمال هذه اللغة أو اللهجة.
أكون حريصا بقدر الإمكان، وأنا أصور، على أن تكون النبرة سليمة، واحترام بينة الجملة. أكتب الحوار ليس بهاجس التعبير فقط، ولكن أيضا بهاجس البحث عن موسيقى معينة تجعل المشهد ينساب بسلاسة. الارتجال في بعض الحالات، يؤدي إلى مشكلين، أولا أن تركيبة الحوار تصبح غريبة، وثانيا تصبح النبرة فيها نوع من النشاز بالمفهوم الموسيقي، فتصبح مثلا جملة عادية تقال بنبرة استفهامية،  أو بصيغة التعجب، لأن الممثل في حالة الارتجال يكون ضائعا بين تذكر النص، وتقمص الشخصية وضبط الحركة.
من ناحية البناء الدرامي تأخذ الأشياء منحى آخر، حيث أنني رغم حرصي في مراحل معينة على العودة إلى الأصول، ومحاولة قراءة وفهم الدارما بشكل عام، والاطلاع على استعمالاتها المختلفة من خلال الأفلام والأعمال المسرحية، أجدني أسير في اتجاه يستعمل بعض عناصر الدراما، ولكن أذهب بشكل عفوي أكثر إلى المفهوم الذي جاءت به الموجة الفرنسية (dédramatisation)، وأبحث في الكتابة عن تركيبة سردية للفيلم تشبه إيقاع الحياة.
في الحقيقة أعشق قراءة السير الذاتية، وخصوصا المذكرات إن توفرت أو نشرت، لأنها تركيبة فيها شحنة كبيرة من الحميمة وتأخذك بالشيء القليل، وتعيد الاعتبار لتفاصيل اليومي دون تضخيم أو مبالغة، الشيء الذي يخلق المتعة التي أجدها كذلك في قراءة الرسائل (لن أفوت الفرصة للإشارة إلى كتاب أثر في كثيرا، ولم تستطع كل الاقتباسات أن ترقى إلى مستوى العلاقات الخطيرة لمؤلفه لاكلو)، وبالتالي تجدني بشكل غير واع في كل مرة أكتب في سير النوايا، أي كلمة المخرج التي أكتبه لمرافقة السيناريو. أكتب أن العمل الذي أقترحه يقتبس بنية المذكرات الشخصية، خصوصا أن «زمن الرفاق» كان مقتبسا أصلا من مذكرات عزيز قنجاع و»أفراح صغيرة» الذي حاولت أن أكتبه كذلك كمذكرات متخيلة، بينما استقيت مادته من مجموعة من الحوارات مع نساء كن في سن الشخصيات في منتصف الخمسينات من القرن الماضي.
مع العلم أني أضع كقانون شخصي أنني لن استعمل التعليق رغم أنه هناك أفلاما كثيرة أحبها لهدا السبب ك»الإنجليزيتان والقارة» للمخرج الفرنسي فرونسوا تروفو أو « 2046» لــوون كار واي وأخرى كثيرة.
أريد أن يكون السرد خطيا بدون أي عودة للوراء أي فلاش باك، لشرح أو تصوير رؤى الشخصيات، أو أحلامها كما قلت سابقا بدون تعليق، وهي في الحقيقية خطية غير مطلقة، لأنه رغم هذا الاختيار فإن الجانب العجائبي، يمكن أن يكون متضمنا في اليومي، وأن ننزاح عن الواقع دون أن نغادره، على أن منطق الخطاطة السردية يمكن أن تجعلنا نشك في واقعية المشهد، أو كونه حلم شخصية ليس إلا، رغم أنه يأتي مندمجا مثلا في متتالية سردية، وهو الشيء الذي تناولته بالتفصيل في مقالي حول فيلم «بترسون» لجيم جارموش. أجد الحياة جميلة، وبليغة، وشاعرية، ولا تحتاج إلى نضيعها في خطاطات، وحبكات درامية تجعل الأفلام تتشابه. نطالب المخرج بأشياء لا نضعها موضع السؤال، ونحن ننسى أو نتناسى أنها فرضت من خلال الأفلام التجارية عموما.
ماذا كان سيكون شكل السينما، لو لم تكن أوروبا دخلت في حربين عالميتان، دمرت بنيتها التحية السينمائية، وأوقفت صناعتها السينمائية لسنوات، فضلا عن هجرة عدد كبير من السينمائيين على مرحلتين، واندماجها في هذه الآلة العسكرية السينمائية؟
كنت قد شاهدت فيلم «نهلة» للجزائري فاروق بلوفة على VHS مسجل عند بثه على القناة الثانية، وارتبطت به لأشاهده لمرات عديدة، لأنه كان قريبا من الصورة التي يمكن أن يكون عليه الفيلم الذي كنت أحلم به آنذاك، والذي سيصبح بعد سنين «زمن الرفاق» مرورا بـ «بين قوسين «.
جاء فيلم «نهلة» كإجابة عن سؤال تلك العفوية، التي كنت أتساءل عن كيفية تحقيقها في الفيلم. إنه فيلم لا يخضع إلى منطق الفيلم الروائي بحيث أنك وأنت تشاهده للمرة الألف، لا يمكن البتة أن تتوقع المشهد الموالي، مع حرية تامة في المزج بين أسلوب يقع بين الوثائقي والروائي وبين مشاهد تبدو مرتجلة، وأخرى ليست كذلك، الشيء الذي أتاحه سيناريو لا يتماهى مع منطق الحبكة الدرامية، ويسرد الأحداث بمنطقها، ولا يُرغم الحكاية على التماهي مع خطاطة سابقة الوجود.
يحكي الفيلم قصة «العربي» الصحفي الجزائري، الذي يتواجد بلبنان لإنجاز تحقيق صحفي عن المقاومة الفلسطينية، فيتورط في علاقات، ويصبح شاهدا على مجموعة من الوقائع التي سيصبح طرفا فيها لمرحلة ما قبل الحرب الأهلية، والتناقضات التي كان يعرفها المجتمع اللبناني خصوصا في علاقته مع القضية الفلسطنية في هذه المرحلة. وقائع و أحداث تجعل من شخصية «نهلة» المغنية الصاعدة محورها، التي رغم كل الآمال المعقودة عليها، ورغما موهبتها وجمالية صوتها، سينتهي بها الأمر في النهاية إلى الإرتماء في أحضان البترودولار، بعد حيرة، شخصية نهلة التي هي تلك المرآة المتعددة الأوجه، والعاكسة لكل تناقضات الشخصية التي تحوم حولها وانشطار المجتمع اللبناني في لتلك الفترة خصوصا مع وجود المقاومة الفلسطينية.
يحكى الفيلم وهو لا يملأ كل الفراغات، ولا يقدم حكيا جاهزا يقدم شرحا مفصلا لغموضه ومناطقه المظلمة، الشيء الذي يجعل الحياة تتسرب إلى الفيلم، ويعطينا الإحساس بنوع من العفوية، بعيدا عن محاولة إبهارنا، لأن الفيلم لا ينطلق من أي يقين وفهم لمنطق الواقع الذي يتناوله، بل يصبح هو في حد ذاته وسيلة للفهم، كمسار للفهم، الشيء الذي يمحي المسافة بينه وبين المشاهد.
تأتي المشاهد وكأنها لحظة خالدة لحظة منفصلة عن الحكي، بمتعة خالصة، لا تجعلنا في سباق مع الزمن، ننتظر ما سيحصل فيما بعد، مشاهد توجد لذاتها، تتخلى مؤقتا عن وضيفتها كوحدات سردية، لتعود إليها عندما ننتقل إلى مشاهد أخرى، وليس من خلال متتالية من المشاهد تربطها علاقة السببية، أي أن الفيلم تم تصوُره روائيا، ولكن بمنطق الفيلم الوثائقي، وبجمالية استعجالية متوترة، قد نجدها عند جون كسافيتس Jean Cassavettes مثلا. فالفيلم يحتفظ داخل بنيته الداخلية بالمسار الذي اتبع في إنجازه، وكأنه في مستوى ما وثائقي عن صانعيه، وعن العلاقات التي تجمعهم أثناء إنجازه. هناك إحساس مثلا بأن لحظة هيكلة بناء الفيلم تمت، وتمت صياغة الحكاية في حد ذاتها في ظلمة صالة المونتاج، بين أنامل مفيدة تلاتلي موضبة الفيلم والمخرج بطبيعة الحال، دون إمكانية العودة للتصوير.
يشكل هذا الفيلم الوحيد لمخرجه فاروق بلوفة بالنسبة لي مرجعا أساسيا، من ناحية بنية الفيلم التي تُمكن من إعادة خلق فوضى الحياة بترتيب غير مفتعل، كما يذكر بما كانت عليه. لا يصبح الفيلم مرتبا بشكل دقيق، بل يبدو غير واقعي لأنه لا يشبه الحياة، أو أنه يتوقف مترددا وسط الطريق، بين الحياة وصداها. وهي نفس الفوضى التي نجدها في بعض أفلام شاهين، إلا أن الأخير كان يصور أفلامه بتهيئ دقيق، ويرفض أي شكل من الارتجال، ولا يترك مجالا للصدفة حسب قوله. الفوضى التي تحسها في فيلم مثلا “العصفور” أو “حدوثه مصرية” أو لنقل كل أفلام مرحلة السيرة الذاتية، هي ليست ناتجة عن مسار إنجاز الفيلم، ولكنها فوضى محسوبة بدقة، وليست فوضى تنتج من المغامرة ، والمخاطرة كما في فيلم “نهلة”. كما أن العبرة ليست بالنتائج، لأن المسارين لا ينتجا نفس الإحساس عند المتلقي. وهنا تحضرني قولة فرانسوا تريفو عن رائعة جون رنوار « قواعد اللعبة « ‘’la règle du jeu’’ إنك وأنت تشاهد الفيلم تحس وكأنك تحضر لحظة التصوير. وبالصدفة فإن فيلم «قواعد اللعبة» صُور في ظروف خاصة مرتبطة بظروف بداية اندلاع الحرب العالمية الثانية، واجتياح الجيش الألماني لفرنسا، ومن الناحية السينمائية الفيلم صور بسيناريو غير مكتمل حيث اضطر المخرج إلى الارتجال. نحن في سنة 1939 وتعرض للمنع من طرف السلطات الفرنسية ذاتها عند خروجه للقاعات، نظرا لكونه كان قاسيا وفيه تحميل البورجوازية مسؤولية ما كانت تستعد القارة الأوربية لعيشه كأكبر حدث في القرن.
بين رفض الحكاية كما في شعارات زمن البدايات، والوعي بأهميتها مازال هناك في الحقيقة، وبشكل ما، رفض لها، ولكنه يتخفى ويأخذ طرق ملتوية، بين التطهير والاحتفاظ بالقليل، وبين البحث عن نفس آخر، يجعل الحكاية مبررا ليس إلا، أو حكاية تضمن التنقل من مكان إلى آخر، من مشهد إلى آخر. لا شيء يضيع وأنه من المستحيل مع اللحظات الأولى لتعلم أو اللحظات الأولي التي نكتشف فيها الأشياء واللغة لتعبير عن غيابها. أليس الفن شكل من أشكال رفض الموت، وفهم الحياة، لماذا نريده راكضا كوجبة سريعة بمذاق مبالغ فيه، كقناع يخفي حقيقتها ،بلا إحساس ولا مشاعر.
التجربة، والوعي لا يعفي من البحث، ولا بد في كل عمل، أن نبدأ من حيث بدأنا العمل السابق، وربما بثقة أقل. و أن أي عمل سينمائي نشاهده، هو لحظة التساؤل عن اللغة والواقع، مهما كانت بساطته وسذاجته. لماذا الحكاية ولماذا السرد ولماذا الحبكة ؟ إن السينما في الوضع الحالي، وفي شروط نمط الانتاج، تجعلها بعيدة عن الابداع، حتى في الشق الذي نعتبره سينما المؤلف. فليس صدفة أن تغيب كلمة الابداع عن أدبيات السينما باللغة الفرنسية، ولا نتحدث إلا عن الصرامة، والاختيارات الفنية، والكيفية التي يقتنص بها المؤلف الواقع بكل أبعاده. ربما تحضر كلمة الابداع في سينما التجريبية. بين الفكرة وتحقيقها، تمر سنون تجعل العمل في صيغته النهائية لا يشبه المنطلقات. لكن داخل هذه المتاهة، متاهة البحث عن التمويل، وإعادة الكتابة، وتحيين العمل، ومساءلته ليلائم متطلبات السوق، يجب العودة إلى حيث كانت البداية للحفاض على القليل من الإبداع.

 

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5