ads980-90 after header
الإشهار 1

اللغة و الهوية الجزء الأول

الإشهار 2

العرائ أنفو
اللغة و الهوية

الجزء الأول

تمهيد
اللغة ليست وسيلة في حد ذاتها تمكن التواصل و التفاهم و التبادل التجاري و الاقتصادي و البحث العلمي و منه يصبح تجاوز عجز اللغة العربية و شقيقتها الأمازغية في مواكبة التطور الحداثي ، اللجوء الى اعتماد اللغات “الحية” و خاصة بالنسبة لنا في المغرب اللغة الفرنسية ذات النطق “السهل” و الخط اللاتيني “المبسط” و أنها أي الفرنسية الى جانب الإنجليزية تعدا لغتا العصر الحديث و التطور الحضاري.
و السؤال الذي يطرح نفسه دائما و منذ بداية القرن الفائت بخصوص اللغة العربية ،هل المشكل يكمن في اللغة العربية كونها عاجزة على التطور الحضاري و مواكبة متطلبات العصر الحديث العلمية و الفكرية أم أن المشكل هو أساسا سيادة الحكم الاستبدادي و السيطرة الاستعمارية هما اللذين أدخلا المجتمع في دوامة الجهل و التقهقر الاجتماعي و الاقتصادي عوض التنوير و تعميم و صيانة التعليم؟
.اننا لسنا ضد اللغات المتداولة ، الحية منها و غير الحية ، و خاصة التي تهيمن على المشهد العلمي و الاقتصادي ما دام العالم أصبح عبارة عن حديقة بسبب الثورة التكنولوجية و و إشاعة وسائل التواصل الإعلامي و الاقتصادي و العلمي. أننا بحاجة أكيدة و ملحة مواكبة التطورات التي يعرفها العصر الحديث. الا أننا نرى بالضبط ، أن ولوج الحداثة و التطور الحضاري داخل عالم تتصارع فيه المصالح ، أن أقوى سلاح بين أيدينا هو تطوير مضمون لغتنا الأصل كونها زيادة أنها وسيلة التواصل ، أنها روح هويتنا التي بها نكون أو لا نكون.

1 – علاقة اللغة بالهوية
لا يمكن دخول عالم الحداثة في غياب اثبات هويتنا الثقافية. لأنه في غياب الهوية الثقافية المنسجمة مع الذات و الموضوع ، نتج عن ذلك انفصام في الشخصية الفردية و الجماعية. الأمر الذي يؤدي بالفرد و الجماعة الى كل أنواع العاهات. و ما ينطبق على الفرد و محيطه ينطبق على عموم مكونات المجتمع.
اللغة ليست وسيلة تواصل تقني ، انها الأرضية الثابتة التي ترص عليها ركائز و أعمدة الكيان الثقافي و الحضاري لشعب معين . و هي التي توفر التوازن السكولوجي الذي بدونه لا يمكن للتطور الثقافي الحضاري الحدوث . بذون الاعتماد على اللغة الأم التي تطعم الروح و الجسد ، و اعتماد لفة أخرى كوسيلة لبناء ثقافة شعبية ، لا يمكن لهذا المنحى سوى توفير الاستلاب الثقافي عبر الذيلية لثقافة و حضارة غريبة عن التربة الطبيعية للفرد و المجتمع.
ا – اللغة العربية
اللغة العربية و ان كانت تحمل اسم عرب فهي أساسا لغة حضارة و ثقافة و ليست لغة عرق بشري في حد ذاته. البشرية في كل بقاع تواجدها اختلطت أجناسها لحد لا يمكن ارجاع الثقافة و اللغة المؤطرة لها الى عرق محدد ذوون غيره. لذا فاللغة العربية ليست لهجة قبائل قريش ، كما صورته النظرة الأرستقراطية ابان عصر التدوين . كما أن الانتقادات التي بدأت و اجهضت مثل التي قدمها طه حسين في أطروحته عام1924 حول الشعر الجاهلي يؤكد ما أشرنا اليه. كما أن الكتابات التي بدأت تراجع التراث و تظهر مكامن الاختلال و الشوائب التي تتخلله لما بدا التقهقر الحضاري و معه تدني الثقافة و العلوم. و اللغة العربية التي واكبت فترة الازدهار الحضاري الثقافي و العلمي ، واكبت أيضا ظروف التقهقر و التخلف و المسؤول عن ذلك هم الأقوام و الشعوب التي اعتمدت تلك اللغة و ليست اللغة المتداولة هي المسؤولة عن الشعوذة و الجهل و الثقافة المترتبة عنهما.
اعتمدت اللغة العربية في البداية على لهجة قريش البسيطة . لكن مع انتشار الدعوة الإسلامية احتضنتها الشعوب و الأمم ذات الحضارات العريقة في بلاد ما بين النهرين و فارس و الشام و مصر و المغرب و الأندلس و غيرها فطورتها و جعلت منها صرحا ثقافيا و فكريا من أهم ما أنتجته الحضارة الإنسانية.
فهل يحق لنا و نحن نبحث عن مخرج ننفلت منه من التخلف الذي سببه الجهل و الاستبداد الذي خيم منذ قرون تقديم لغة ثقافتنا كبشا نضحي به و الارتماء في أحضان ثقافة أخرى كونها لغة العصر ؟ اللغة العربية لما كان مضمونها متنور أمكنت تطوير كل الميادين الفكرية و الفنية و العلمية . كما أنها كانت الرافعة التي اعتمد عليها الشعوب المتكلمة بها لمواجهة المستعمر الغاشم و عبر نبراسها تم شق طريق التحرير . الا أن هذا المد التحرري أصابه النكوص . فهل المشكل مشكل لغة أم غياب الإرادة السياسية في بناء المجتمع الديمقراطي و بث روح العدالة الاجتماعية و تعميم التعليم و إعطائه محتوى علمي و فكري يتماشى و متطلبات العصر. كما فعل اليابانيين و الروس و الصينيين مثلا. هل لغتهم أنضج و أمثن من اللغة العربية أم أنهم تشبثوا بلغتهم الحضارية و قاموا يبنوا سرح دولتهم القوية ؟ اللغة أساسا ، هي مضمون و ليس وعاء فقط كما يمكن تصوره. فلما كان مضمون اللغة العربية في مستوى عال من المعرفة ثمت ترجمة و تطوير كل العلوم و الفنون من فلسفة و حكمة و رياضيات و كمياء و بيطرة وهندسة و موسيقى . الشي الذي هو في متناولها اليوم ان أعيد لها الاعتبار و تحديث مختلف الميادين التي تستعمل فيها اللغة.
ب – اللغة العربية و الحداثة
اللغة العربية في تركيبها و سلسة نطقها و سهولة كتابتها و امكانياته النحوية و تفتحها لاستيعاب المصطلحات العلمية و الفكرة لباقي اللغات الأخرى يؤهلها أكثر من غيرها من اللغات ، مواكبة التطور العصري العلمي التكنولوجي و العقلي . لما نراجع كتابات الفارابي و ابن سينا و ابن طفيل و ابن رشد أو ابن خلدون و غيرهم كثيرون من القدامى و المحدثين نجد لغتهم العربية تحتوي على مصطلحات العلوم التي سادت في زمانهم، بل طورها و زادوا من عندهم. لحد أن النهضة التي عرفتها أروبا كان احدي أهم روافضها المنتوجات العربية ، فكرية كانت أم علمية. دخلت المجتمعات الأوروبية الحداثة بعد أن تم فتح العقول لنور العلم أثناء عصر الأنوار. حيث تمت سيادة العقل على المعتقدات الخرافية و حورب الجهل و معه الاستبداد و كانت النخبة المثقفة هي رائدة ذلك التحول مدعة في هذا من قبل الطبقة البرجوازية الناشئة لمواجهة الارستقراطية المستبدة بالسلطة. (يتبع)

محمد المباركي
4 مارس 2019

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5