ads980-90 after header
الإشهار 1

رواية المشي على الريح لعبد الحميد البجوقي واسترجاعات رؤى التقرير الاستشراقي الافريقاني

الإشهار 2

العرائش أنفو

رواية المشي على الريح لعبد الحميد البجوقي واسترجاعات رؤى التقرير الاستشراقي – الافريقاني

عــزيـز قــنجاع

ان ادب المنفى ادب مكوكب بروحية توحي بالكونية والانسانية فعلاقة البجوقي الاسترجاعية بادب المنفى تتاسس بناء على تجربة سياسية ناضلت ضد آلة تنضيد الانسان والامم والشعوب ، فهو ادب ان اردنا القول بلغة سياسية ادب منشق ضدي معارض للاداء العام الوطني و الرسمي، منظورا من داخل انشاء يساري ويمتاح من الوضوح الغير مكلف للصياغات حول قضايا تُستشف اهميتها من الاقرار القوي لسياق احتدامي مع قضايا حارقة، فتعكس لنا رواية المشي على الريح بشكل تاكيدي الموقع الامتيازي لتجربة فردية غنية للكاتب
تنتقل رواية المشي على الريح وهي الرواية الاخيرة من مشروع عبد الحميد البجوقي الرامي لتاسيس ادب المنفى لتسيح على اقاليم وخرائطيات جديدة تحاول القبض على نظام عالمي للحواجز والحدود وقوات الشرطة والجمارك . والاتجار بالبشر وتشييئه، ويحضر الافارقة لاجؤون مشردون من ارضهم متعبون ومعرضون للمضايقات باستمرار، فجاء يطفو على سطح رواية “المشي على الريح : الموت في المنفى ” خاصية الحدس المتعاطف و المثقف.
فاذا كانت اسبانيا هي الاطار المشهدي للجزء الاول ” المورو خايمي” والجزء الثاني ” عبسليمو النصراني ” من ثلاثية المنفى، فان الاطار المشهدي الحقيقي للجزء الثالث ” المشي على الريح ” هو المغرب. فثلثي احداث الرواية تدور فوق الاراضي المغربية، التي جاءت هنا المحرق الذي يمثل المغرب كعنصر من الجغرافية السياسية للنزاع الحدودي حول قضايا الهجرة.
فاذا كانت الرواية تدور احداثها على ارض المغرب فالغائب الاكبر فيها هو المغرب ومعه المغربي، وحضوره في ثنايا الرواية والطريقة التي مُثل بها تندرج ضمن التصنيف التنميطي للمغربي ، مغربي يتحرك في مجال ضبابي سديمي بلا ملامح ، وحتى هو اي المغربي يحضر في الرواية انسان بلا ملامح، ومتأخرا تأخرا فائقا بل انه بطريقة ما مشلول ، لدرجة انها اي الرواية صورت وجود المهاجرين الافارقة على ارض المغرب كشأن داخلي من شؤون الافريقين والغرب، ولا دخل للمغاربة بموضوع هذا الحضور الا من زاوية سأعالجها بعد قليل، حتى ان المغربي يبدو في الرواية عبارة عن سردية خارجية عرضية، ويبدو الافريقي الوحيد الجدير بان يسرد ويصاغ انشائيا. فهادي “كاميلا” منبوذة في المغرب، امرأة حامل بلا مصير لكن من يبحث عنها ويعطف عليها ويجد لها ملجأ , السيدة “خوانا” من خلال جمعية القلوب المتضامنة وهي جمعية تدعم الافارقة المهاجرين من خلال الكاردينالية ، كما ان السيدة خوانا تعدها انها ستتكفل بحملها الى ان تجد لها عائلة مسيحية تتبنى طفلها، و تعدها ايضا ان الاب خوليو بالكنيسة سيتدبر لها العمل في بيوت المقيمين الاجانب، لتطلب منها ان تقيم مؤقتا مع عائلة اسبانية بطنجة”.
الافارقة موجودون بارض المغرب لكنهم شان خارجي، فإنسانيتهم وظروف اقامتهم موضوعات خارج الاهتمام المغربي بل ان المغربي في الرواية لم يرق بعد لان يتنطح لهكذا قضايا تفوق مستواه الانساني ومراحل نموه، لذا تحضر القلوب المتضامنة لتسد هذا الفراغ بنوع من المحايدة المستقلة ذات السيادة وتلعب اطر مؤسسية اخرى اجنبية كالعائلات الاجنبية والاسبانية هذا الدور او الكنيسة مع الاب خوليو
من هنا تبدو رواية البجوقي ليست فقط ابعد عن ان تكون مجرد ادب بل هي الى درجة متعالقة منشبكة في وجزء عضوي من هذا الاسترجاع الثقافي لترسيم واقع وصورة عن المغرب والمغاربة مفارقة عن و مستبناة ثقافيا بقوة الى درجة انها قادر على جرف كاتب روائي واعد وخبير في السياسة الدولية وبتجربة مشهود له بها الى موقع مندرج ضمن ثقافة تنميطية
فالمعضلات الاخلاقية التي يعريها والمصائر الفردية المعذبة لشخصياته الافريقية التي تدور جميعها على رحى ارض المغرب والتي يعالجها بقدر عال من الرهافة في حين يعالج الحضور الثاوي للمغربي بالمفارقة اللاذعة وهي خصائص كلها تمتاح من تاريخ طويل الاستكشافات والاستيهامات والتي تبلورت حولها نوع من الاجماع في ادب الأخر الغربي وخصوصا الاسباني كنهج من الرؤية المنظمة والمقننة بقوالب تدعمها المنظورات والأهواء العقائدية التي استبناها الأخر عن المغاربة والتي أضحت افتراضات استبداهية عن المغرب.
يحضر المغربي في الجزء الثالث ” المشي على الريح ” ، محاصرا برؤية مصاغة بمقياس له القوة في إعادة توجيه الانشاء، تفتقر الى المحتوى التمييزي والتحديد وتتمتع بعمومية فجة، محاطة بكليشيهات تبرز المغاربة جميعهم بوصفهم تنويعا أو أخر عن مهووسين جنسيا، وهو نموذج تنميطي غربي عن المغربي سبق وان عمل جاهدا الكاتب في مناسبات اخرى من تصحيحه كما هو الحال مع بالوما في الجزء الاول المورو خايمي حينما تحدثت عن جنسانية المغاربة الموروس. لكنه هنا يسقط في ترديد كليشيهات تبرز المغاربة جميعهم بوصفهم تنويعا او اخر عن مهووسين جنسيا وهو نموذج تنميطي غربي عن المغربي مثبتا صورة للشخصية المهووسة، الصورة الوحيدة اللون التي يصوغها للمغرب تسد الحاجة الى تمثيل البلد ليس فقط لا مؤنسنا بل وابليسيا ايضا.
في اول حكاية عن “كاميلا” بطلة الرواية يروي الكاتب الى انها كانت واقفة بميناء طنجة تنصرف كلما تحرش بها احد المارة، مما يدل ان التحرش حاد لدرجة الازعاج، وأتساءل بهدوء هل المغاربة يتحرشون بهذا الحد من المطاولة، كما وصفتها الرواية .
شخصية عزيز حارس العمارة التي تبدو ظريفة ومقبولة يضغط في اتجاه ان يحول كامي الى عاهرة بالكاباريهات كما انه يتوسط للافريقيات لهذا العمل من خلال تيسيرات من طرف نافذين بجهاز الامن، مفتش شرطة يستغل منصبه للاتجار بالإفريقيات لزبنائه بالكاباريهات ويضغط على كامي لتنصاع لنزواته.
وكذلك قصة “أديسا” النيجيرية امراة افريقية تعرضت للاغتصاب المتكرر بالمغرب احتجزها تاجر مخدرات بقرية “باب برد” لما يزيد عن السنة كانت خلالها بضاعة جنسية، كما انها كانت هدية تقدم من طرف تاجر المخدرات للاغتصاب من طرف الدركيين ورجال السلطة والمنتخبين ورؤساء الجماعات ونواب البرلمان. اذن الجنس والهوس الجنسي يجمعنا حكومة وشعبا على حد التعبير البائد للاعلام الرسمي. وبعد ان عرف التاجر انها حامل اعادها الى طنجة وهددها ،فاين، اين ستلد أديسا ، أديسا ستلذ ببيت امراة مغربية تمتهن الوساطة الجنسية.
يصور البجوقي عملية الاغتصاب التي تعرضت لها كاميلا على حدود مخيم الافارقة ببليونش باسهاب وتفصيل وبلغة تصويرية أحصيت فيها مجازات تمثيلية من صيغ الاستعارة والمجاز المرسل والكناية و التمثيل الترميزي والمفارقة اللاذعة في وقت ان قتل الاسبانيين لافارقة لم يأخد من الكاتب سطرا وافيا و لغة تقنوية سلخ عنها اهاب الخصائص التعبيرية والجمالية وعريت عن اي بعد نقدي، كما ان قصة اديسا بالناظور هي قصة محاولات متكررة للاغتصاب من طرف المغاربة لولا احد الافارقة الطوغوليين الذي ادعى انه زوجها لمنع هذا السيل الجارف من التحرش.
لا انكر هنا ما قد يقوم به بعض المغاربة من فظاعات في حق الافارقة وهو مالا يرقى الى مستوى الظاهرة ، كما لا اطلب من عبد الحميد البجوقي هنا ان يبحث عن جواهر مغربية فذة الاصالة، نقية ، وموضعتها في مكان ذي شرف لا يرقى إليها التجريح، لا بتاتا، لكن هذا الانجرار العارم وراء الكليشيهات المفرغة للمغاربة من أنسيتهم لا نجدها الا في الادب الغربي حيث يحضر الامير المغربي في تاجر البندقية عند شكسبير امرؤا حسيا زائدا كما الحال عند ميكائيل دي سيربانطيس وعند علي باي العباسي دومينغو باديا .
اما المغاربة الاخرون الحاضرون في الرواية والذين تفضل عليهم الكاتب بالحضور و الكلام فانك ستصدم حالما يتحدثون فهادي الفاعلة الجمعوية المغربية رشيدة بجمعية القلوب المتضامنة والمفروض انها تمثل نخبة من نساء الوطن حين تتحدث الى كاميليا فانها ستحدثها عن العيد الكبير ومتاعبه
خالد الشاب المناضل الايجابي المغربي الوحيد الذي يحضر بالرواية عندما يدبر لها عائلة مغربية تشغلها بالبيت فانها تشغلها مقابل الايواء، انظروا معي تشتغل بلا مقابل مادي بل الإيواء، حالة العبيد في القرون الوسطى، ورغم ذلك فهذه العائلة ستطردها حالما تعرف انها حامل.
حتى الوسيط الذي سيهرب عيساتو ب 5000 الاف درهم يحضر رجلا متدينا ومواظبا على الصلاة لدرجة أثارت كاميلا التي تساءلت كيف لهذا الرجل المتدين ان يكون طيبا ومواظبا على الصلاة وهو يتاجر بالمسكينة، فخصال الخسة عند المغاربة المقرونة بالورع الكاذب كليشيهات مستمدة من الرؤية الغربية للشرقي ، وقد كانت النصيحة الوحيدة التي قدمتها عيساتو لكاميليا هي عدم الاختلاط بالمغاربة
اما المخيمات الافريقية بالمغرب فانها غيتوهات محروسة باعين مغربية متربصة مقرفصة على حواشي المخيم تنتظر فرائسها التي قد تنفصل عن قطيعها في لحظة طلب قضاء الحاجة كما حدث لكاميلا او لشيء أخر، كما انهم يتعرضون لاعتداءات بعض سكان المنطقة كما جاء على لسان عيساتو حتى ان باباكار قال انني مسلم وفي بلد مسلم ، لكن اغلبهم كما تعرفين -اي المغاربة- لا يرى فينا سوى اللون الاسود نحن بالنسبة لاغلبهم زنوج. والعيش بالمخيم وعلى لسان اديسا : ” صعب ومحفوف بالمخاطر” وتضيف وهذا الاخطر فعلا ” وليس امامنا سوى المقاومة والتشبث بالامل ، ولن تمنعنا قوة في الارض من العبور الى الضفة الاخرى ” فالمغرب هنا القناة النارية الحارقة التي تقف بين الامل وتحقيقه
والطريق الى بليونش حيث مخيم الافارقة وعرا وملتويا وفي الطريق تقول كاميلا “تعرضنا لبعض المضايقات من بعض المهربين ” وباباكار مرافقها يرتعد في طريقهما الى بليونش، حتى عندما تتحرك كاميلا الى بليونش ثانية لتبحث عن اديسا بعد ان لاحقها مفتش الشرطة ثانية تقطع المسافة من كاسطييخوص الى بليونش كما يقول الكاتب: “وهي خائفة في الطريق الموحش والمقفر واحست بفرائصها ترتعش من رهبة المكان”. كنا سابقا نخاف عليها من الانسان فقط اما الان فقد تمادى الكاتب الى الطبيعة حتى صارت كل الخلفيات المؤطرة لمشهديات الرواية مرعبة كافلام الرعب حيث لا يكتفي المخرج فقط بالأفعال بل ايضا بالاصوات والصور المرعبة للطبيعة وهكذا تضفي الطبيعة التجريدية على الرؤية برودة وحشية وصارمة وشذوذية.
عندما سيولد طفل كاميليا الناتج عن الاغتصاب الذي تعرضت له من قبل المغاربة، وبشبوب وافتعال انشائي مبالغ بل لا داعي له، بل يأتي ليختم المصادرات المؤكدة عن تشابه المغاربة البغيض، فالطفل ابن اديسا وبعد ان تضع كاميلا مولودها سيقول لامه ان كاميلا ولدت طفلا له ملامح مغربية تشينوس، واديسا ايضا تبينت من ملامح الصبي انه اقل سوادا ويشبه بعض المغاربة . جملة لا معنى لها الا التوكيد على التعميم البغيض للمغربي
رواية المشي على الريح رواية للاحتفاء التذكاري الغث والمفتقر للبهجة الفوارة للمغاربة، لا انكر ان السرد الروائي عند البجوقي في الجزء الثالث اعلى قيمة وجمالية وينم عن تطور عال في صياغة سردياته لكنه كان محكوم برؤية ابعدته عن ادب المنفى ومصوغاته.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5