ads980-90 after header
الإشهار 1

ما العلاقة بين الجائحة وموت الموت وفلسفة الأنوار؟ (الجزء الأول)

الإشهار 2

العرائش أنفو

ما العلاقة بين الجائحة وموت الموت وفلسفة الأنوار؟ (الجزء الأول)

أحمد رباص

في خضم الأزمة الصحية، عاد الموت، متفشيا في كل مكان، ليقض مضجعنا. في هذا المقال، يعود ماريو يونو ماروزان إلى علاقتنا به ويساعدنا على فهم اختفائه التدريجي في المجتمع الحديث الذي أعلنته حركة التنوير.
ماذا يمكن أن يقول لنا الفيلسوف في خضم أزمة وبائية؟ مما لا شك فيه أنه ليس لديه هنا ما يقوله إذا اعتبر المرء أن المناقشات حول هذا الموضوع مخصصة حصريا للعلماء الذين يسعون إلى تقديم إجابات على جميع أسئلة الإنسان – بينما عند الفيلسوف، يبدو أن هناك تعددا في الأسئلة ونقصا في عدد الإجابات. في المقابل، إذا نظرنا إلى هذه الأزمة بطريقة أكثر شمولية، فيبدو لي أن قولا فلسفيا معينا – بالأحرى غير نظري وتأويلي أكثر منه إبداعي – يمكنه إلقاء ضوء ساطع على هذه الأزمة التي نكون فيها أمام تعقد كبير للإنسان الحي.
في ظل هذه الظروف، يلفت كلينت ويتشالز وليونيل كافيتشيولي انتباهنا في مقالهما المنشور يوم 10 مارس 2020 إلى حقيقة أن “كتابا مختلفين سعوا لإعادة وضع الوباء [الآن جائحة] في سياق أوبئة أخرى”، ولكن وكذلك للنظر إليه من زاوية “التأثير المتنامي لـكوفيد-19 (الاسم الرسمي للمرض) على الاقتصاد العالمي، على ما يكشفه عن هشاشة السلاسل اللوجستية، على الطريقة التي يجعل بها العلم أكثر انفتاحا (وعلى المخاطر المصاحبة والممكنة)، وكذلك على التقدم في تطوير اللقاح.” يمكننا أيضا أن نذكر فكرة جورجيو أغامبين الذي أدرج الوباء في السياق السياسي الراهن. بالنسبة لهذا المفكر الإيطالي، “يبدو أنه بعد أن استنفد الإرهاب كقضية التدابير الاستثنائية، يمكن لاختراع وباء أن يقدم له الذريعة المثالية لتوسيع نطاق مثل هذه التدابير على نحو يتعدى كل الحدود.”
غير أنه من الضروري أن نلاحظ أن هناك جانبا واحدا يتم إهماله بشكل متناقض في كل الخطابات بينما هو يشكل مع ذلك قلب الأزمة: يتعلق الأمر هنا بالتفكير في تجربة الموت التي تحتل في تاريخ البشرية موقعا مركزيا للغاية منذ فجر التاريخ. لقد عاد ليرعبنا. كل شيء يجري وكأن همسات الموت لم تتناه إلى آذاننا، ولا نسمعها الآن سوى لأنه يبدو أن الجائحة تضع الموت قبالة وجهنا. على أي حال، يبدو أن الأمر الأكثر وضوحا – بصرف النظر عن كل الاعتبارات النظرية للخبراء، أثناء الممارسة، من يوم لآخر – هو أننا منذ بدايات عام 2020 “بدأنا نسمع الحديث عن عدد مزعج من حالات الالتهاب الرئوي في ووهان، بالصين، بسبب “فيروس كرونا” غامض ومستجد. في ذلك الوقت، بدأ ينتشر في الصين، وثبت أن عددا قليلا من الناس لديهم نتائج إيجابية في تايلاند، في كوريا الجنوبية واليابان “، كما يذكرنا كاتبا المقال الذي تناولا فيه التغطية الإعلامية الدولية المنجزة من طرف موقع Theconversation عن الجائحة.
في هذا الصدد، تمتد جذور التأويل الذي سأقدمه إلى حركة أعمق وأقدم بكثير من الحداثة الغربية، وهي مسيرة محددة أعلنت موت الموت. لقد كانت في وعينا حدثا أكثر أهمية من مجرد تحول بسيط لصورة الموت كما وصلت إلينا عبر الذاكرة البشرية الممتدة على آلاف السنين، سواء من خلال التأويل الذي قدمته لها الأديان، أو من خلال أشكال تنظيم الحياة البشرية. هذا الحدث، المتميز في عصرنا، أكثر راديكالية بكثير: يتعلق الأمر بمحو صورة الموت في المجتمع الحديث. هذا ما يقتضيه وعينا بوضوح. يمكن تحديده كتجديد لحركة الأنوار. لكن هذه الأنوار الجديدة، هذه المرة، تمس جميع طبقات السكان وتجعل من التحكم التكنولوجي في الواقع، الذي تم الحصول عليه بفضل الأداء الباهر للعلوم الطبيعية ونظام المعلوميات الحديث، أساس كل شيء. أدت حركة التنوير الجديدة هاته إلى تبديد الأوهام المحيطة بالموت.
بيد أننا نلاحظ أنه في وهج الأنوار التي أتى بها نجاح العلوم – خاصة علما الرياضيات والفيزياء اللذين شرحا ظواهر ظلت غامضة فيما قبل-، أن تبديد الغموض عن الموت يقع، بامتداد طبيعي، ضمن استمرارية تبديد الغموض عن الحياة. ماذا يعني هذا بعبارات محددة؟ نعني بذلك أنه في نظر العلماء، لم يعد لإقحام الجديد في مجرى العالم، ظهور الحياة في الكون، أي بعد مدهش أو معجز، ولم يعد ينظر إليه سوى ك”نتاج لعبة غير محسوبة للصدفة [؛ ما دام أن العلم] نجح في تسمية السببيات العلمية الحاسمة التي أدت، في عملية تدريجية، مفهومة في خطوطها العريضة، إلى ولادة الحياة على كوكبنا وكذا إلى جميع التطورات التي مرت بها فيما بعد.»
لكن، انطلاقا من هنا، يبدو أن تجربة الموت في حياة الإنسان قد تغيرت أيضا على هذا المنحدر المنزلق للأنوار: جزء كبير من المسؤولية عن هذا الوضع تتحمله الثورة الصناعية والتحولات الاجتماعية الهائلة التي رافقت ما يمكن وصفه بأنه عملية تهدف إلى كسر جميع الروابط، على المستويين الكلي والجزئي، لتقسيم شذر مذر ما كان مترابطا. في هذا المجتمع المذرر الجديد ، تمت إزالة أفق الموت بمهارة من الحياة اليومية، ليس فقط من خلال جعل موكب الجنازة يختفي خارج المشهد الحضري – هذا العرض الذي يخلع فيه كل واحد قبعته أمام جلالة الموت، ولكن أيضا بجعل الموت مجهول الهوية في العيادات الحديثة، مما يتسبب في اضطراب أكثر عمقا. يسير اختفاء التمثيل العام لهذا الحدث جنبا إلى جنب مع إبعاد الهالك عن محيطه الأسري وكذلك مع فصله عن والديه.
حدث كل شيء كما لو أن تجربة الموت شوهدت وهي تدمج بالكامل – وتستوعب بطريقة ما – ضمن الآلية التكنولوجية الهائلة الخاصة بالإنتاج الصناعي وبوتيرته الاغترابية. من هذا المنطلق، يندرج الموت، تماما مثل العديد من الأنشطة الاقتصادية الأخرى للإنسان الحديث، ضمن هذا النسيج كنشاط إنتاجي من بين أنشطة أخرى – مع احتلال حصته في السوق، وتبني نموذج العرض والطلب، وقبل كل شيء كمجال يخضع لقوانين السوق والمنافسة التجارية.
(يتبع)
عن: jetdencre.ch

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5