ads980-90 after header
الإشهار 1

الخوف من الكورونا يؤجج الكراهية

الإشهار 2

العرائش أنفو

الخوف من الكورونا يؤجج الكراهية

“الكراهية شتاء القلب” على حد تعبير فيكتور هيغو

يبدو أنّنا الآن في شتاء أنفسنا، حيث سيطرت الكراهية على مشاعرنا، و تحجرت معها قلوبنا، جراء إنقلاب مروع للقيم النبيلة، و انهيار مدوي للإنسان بسبب الخوف من المجهول و الإيقاعات المتسارعة للحياة و المفاجأة التي تخبؤها لنا بين الفينة و الأخر، اخرها فيروس الكورونا19، مع أن الإنسانية تاريخيا مرت بأوبئة أكثر فتكا مما هو عليه الكورونا، لكن حقيقة كما أوضح الفيلسوف اليوناني إبكتيتوس”ليست الأشياء ما يكرُب الناس ولكن أفكارهم عن الأشياء”، فما لاحظه علماء الأوبئة الأوائل في القرن التاسع عشر، أنه ليس هناك بالضرورة علاقة متناسبة بين عدد الوفيات والخوف الناجم عن مرض ما أو وباء ما، لأن الأمراض الجديدة التي تظهر بشكل دوري تثير الكثير من القلق حتى لو كان عدد ضحاياها قليلا، و هو نفس الشيء يقال عن الكورونا19،و من المفارقة الشديدة أنه في بداية انتشار أي وباء، يكون السكان الأقرب إلى بؤرة الإصابات هم الأقل قلقا، فكلما اعتاد الناس الخطر مع تسجيل إصابات مباشرة، تراجع قلقهم. بحيث يكون الخوف أقرب إلى استباق الأمور، ومع تنامي الإعتياد على المرض، يتراجع الخوف والسلوك غير المنطقي، إلى حدّ أنه يتحتّم أحيانا إيقاظ إحساس الناس بالحاجة إلى الحماية، إذ يسجل تلاشٍ عام في التزام تدابير الحماية التي توصي بها السلطات العامة جراء الإصابات المرتفعة، و بالموازاة مع ذلك يظهر لدى فئة ضئيلة من الناس سلوك من القلق، فيقوم البعض بالتبضع و تخزين المواد الغذائية، في ظاهرة تشبه النبوءة التي تحقق نفسها، من خلال ترقّب انقطاع المواد مما يولد بنفسية الإنسان انقطاع المواد. إضافة إلى جعلنا أكثر قسوة في الحكم على الآخرين في مجموعتنا الإجتماعية، كما أن خطر المرض يمكن أن يؤدي بنا أيضاً إلى عدم الثقة في الغرباء، القادمين من بعيد، و يؤجج فكرة البقاء بعيداً و عدم الإحتكاك بالآخرين عبر رفع شعار “من الأفضل البقاء سالما بدلاً من الشعور بالأسف لاحقا”، و هذا الخوف المُتَشَكِل في لحظة اجتياح الوباء حاول الإنسان دوما ردعه خاصة عندما يتعلق الأمر بحالة العجز و اللافهم لما يحوق به، و فكرة ردع الخوف ناتجة بالدرجة الأولى عن ضرورة الرغبة في الإستمتاع بشهية الحياة كما يقول فتحي المسكيني، أو هي بحث عن الإطمئنان من دون التفكير في الموت. لكن الخوف باعتباره شعور إنساني و غريزه انسانيه مرتبطه بغريزة حب البقاء، يظل ملازما له و يتمظهر بحسب المحيط الذي يعيش فيه، بل أكثر من ذلك يتخذ هيئات مختلفة و كلما حاول الإنسان التخلص منه و ردعه إلا و ظهر له في هيئة جديدة، هذا إذا لم يكن الإنسان نفسه هو من يصنعه. و تتنورع مصادر الخوف و تختلف من مجتمع إلى آخر لكن عموما هناك مصادر مشتركة كونية للخوف كلها تلتقي في الخوف من الموت التراجيدي، و نذكر منها على سبيل المثال، الخوف من الكوارث الطبيعية (الزلازيل، البراكين، الفيضانات، الجفاف…)، الخوف من الحروب التي تندلع بين الفينة و الأخرى لما تسببه من قتلى و مشردين و يتامى و أرامل، الخوف من المجاعات التي بدورها تسبب وفيات و هجرات و اقتتال بين الناس، الخوف من التطور التكنولوجي رغم انبهارنا به، و الخوف من الأوبئة آخرها الكورونا الذي بث الرعب و الهلع عبر المعمور حيث يأخذ الخوف هنا شكلاً آخر، لأن صوره تتجلى في الشوارع والساحات الفارغة المخيفة في كبريات المدن، والتي كانت بالأمس تمتلأ ضجيجاً وصخباً، و تتجلى في العزل المنزلي المفروض على الناس في إطار خطة التباعد الإجتماعي بما فيهم أحبتنا، و تتجلى أيضا للمفارقة في صور أماكن العبادة التي لطالما كانت “بيوتاً” للآله، يلتجئ إليها المؤمن هرباً من “الخوف”، فإذا هي مغلقة، خالية، مهجورة، و الغريب في الأمر أن هذه الصور لا تتوقف عن شاشاتنا، وتصلنا عبر النقل المباشر، إنه الخوف على “المباشر”، فيلم “رعب” حيث الواقع أكبر من الخيال، يضيف المسكيني . و أمام الكورونا التي تعد منعطفاً خطيراً على وجود “الحياة” على كوكب الأرض، فمؤكد أن أسئلة جديدة ستطرح غداً أمام الفيلسوف والأديب والفنان، في جلها مرتبط بالخوف، فكلنا نخاف ولكن بطرق ودرجات متفاوته، وكلما كبر الانسان يكبر معه الخوف، ويتحول من مجرد خوف من الأشياء الماديه الملموسه إلى خوف من الحاجات المعنوية، والناس تتفاوت فى درجة الخوف باعتباره غريزه تطورت بتطور الانسانية واتساع علمها من منطلق ان أكثر الأشياء التي تخيف الانسان هي الأشياء التى يجهلها ولم يجد لها تفسيرا، كذلك يمكن الحديث عن ظاهرة تحول الخوف لوسيلة للتسلية، فمنذ القدم والإنسان يألف القصص المخيفة ويعشق تداولها لحد أن الأجيال اللاحقة صارت تعتبرها تراثا شعبيا، وتقريبا تكاد لا تخلو منطقة فى العالم من تراث الخوف الذي يتماشى مع طبيعة البيئه الجغرافية والمستوى الثقافى لشعبها……ويرى بعض العلماء أن المخاوف كلها تندرج تحت نوعين من الخوف: الخوف من الفشل، والخوف من الرفض. وقد عد العلماء المخاوف البسيطة التي أكثر ما يعاني منها الناس في أكثر من ثلاثمائة نوع. إذن كيف يصبح الخوف دافعا للكراهية و نبذ للآخر؟ أليست الكراهية مجرد إعلان مفضوح عن عجز الذات عن مواجهة مشكلاتها مواجهة ذكية وقوية تخرجها من هذه المشكلات؟ أليس تأصل الكراهية واستحكامها دليل على تأصل العجز واستحكامه؟ إذن كيف يساهم الخوف في تأصيل هذه الكراهية و ما علاقتها بالعجز؟ و من المسؤول و المستفيد من تأجيج الكراهية في صفوف الناس؟

لا شك أن القوى الفاعلة في مجتمع رأسمالي، سواء كانت سياسية أوإجتماعية أوإقتصادية أوثقافية أو غيرها بحاجة دائما إلى إضرام النار في التاريخ والجغرافيا، لرفع درجة حرارة الواقع ليصبح في مستوى النزال التاريخي حتى يتسنى لها إعطاء الشرعية لوجودها و تحكمها و بسط سيطرتها و استمراريتها، عبر تقديم نفسها كمخلص و رادع للخوف الذي يهدد الناس، و تعمل من أجل ذلك على تفجير مخزون ثقافي وتاريخي وعقائدي ــ نحن ربما لا نكره أعداءنا، لكنّنا نستعمل كراهيتنا لهم باعتبارها الإجابة المعيارية على سؤال الهوية لدينا ــ يتم إيقاظه من نومه عندما تكون هناك مخاطر تهدد الذات، على شاكلة الكورونا أو ما تعتقد الذات أنا مهددة بها. فها هو نيتشه يعتبر أن الكراهية فضيلة العبيد، أولئك الذي كفّوا عن خلق أنفسهم منذ وقت طويل، فأول ملامح الكراهية عند نيتشه هي كراهية النفس أو “كراهية الأنا” أو “كره الإرادة”، ومن ثمّ “كره الحقيقة”. ربّما نحن نشهد راهنا، كما لاحظ ذلك جان لوك نانسي، انتقالا حزينا من أخلاق العداوة إلى ثقافة الكراهية، لأن الأعداء ليسوا بالضرورة موضوع كراهية أو احتقار، فالعداوة يمكن أن تكون صحّية، لكنّ الكراهية هي انفعال حزين دائما، فنحن لا نحتاج إلى أناس نكرهم كي نتعرّف على أنفسنا، و هكذا فالكراهية تقتات من مشاعر الإنتقام. لذلك يؤكّد نيتشه على أنّ العداوة لها ناموسها الخاص، و هي تختلف عن الكراهية في كونها تقع خارج أفق الضعفاء، الكراهية انفعال حزين يعتاش من أدنى ضعف يشعر به أحدهم ضدّ قويّ ما، ولذلك هي تترجَم دوما إلى شعور بالاحتقار، والحال أنّ العداوة لا تحتقر خصمها.
و بالعودة إلى مشاعر الكراهية، عند الأمم سنرى إنّ الشعوب القويّة تعادي لكنّها لا تكره بالضرورة، بمعنى لا تعتبر الكراهية جزءا من تربيتها العميقة، وفي المقابل، فإنّ الشعوب الضعيفة تكره لكنّها لا تستطيع أن تعادي بشكل جيّد لأنها لا تملك الإمكانات اللازمة لذلك. و قد أوضح أفلاطون في محاورة الفيدون كيف أن مفهوم “ميزانثروبيا”، أي كره البشر ناجم في رأيه عن خيبة أمل عميقة من الإنسان بعد تصوّره صادقا وصلبا وموضع ثقة، أي بعد محبّته. لكنّ كلّ كره للبشر بما هو كذلك هو في ذاته كره لأنفسنا، و وراء كل كراهية هناك إذن محبّة فشلت في أن تكون نفسها، لأننا لا نكره في الحقيقة إلاّ من نحبّ أو من يشبهنا من الداخل لكنّنا نفشل في التطابق معه، لذلك ربما كانت الكراهية نوعا رديئا من الألم، وهو ألمٌ غير قابل للتفاوض، لأنّه يتّصل بذواتنا ويخترقها، على خلاف العداوة التي يمكن أن تكون صداقة فاشلة فقط، يمكن أن نكره أنفسنا،ولكن لا يمكن لأحد أن يعادي أو يصادق “نفسه”، لأنّ ذلك يتطلّب قدرا هائلا من الشعور بالمسافة، أو بالمسافة المناسبة حسب تعبير بول ريكور، في حين أنّ الكراهية هي مثل الألم أو الحزن لا تحتاج إلى انفعال المسافة، هي تنزع دوما إلى إلغاء المكان، و قد ترتبط بالتشفي تجاه من نكرههم، إنّها ذاكرة فقط، ومع ذلك فالكره ليس عنفاً، بحيث لا يدمّر حالة المكان، لكنّه يجمّد المعنى، أو كما قال جان لوك نانسي “الكره معنى متخثّر” لذلك علينا أن نميّز تخثّر المعنى عن أيّة رغبة في العنف. من يكره لا يريد بالضرورة تدمير المكروه أو مطاردته، فالمكروه ليس عدوّا دائما، فوحدها العداوة تقترح برنامج تدمير مناسب كي تضع حدّا لصداقة فاشلة، بينما الكره يصبو إلى شيء آخر، يريد أن يجمِد المكروه في هويَة مغلقة، أن يؤَبِد ألمه، لذلك تصبح الكراهية أشد فتكا من العنف نفسه لأن الكراهية لا تحتاج إلى العنف كي تشعر بنفسها، فالعنف صريح ومدمِر ولكنه قابل دوما للتفاوض، بينما الكُره و الكراهية فعل صامت ومخرِب وغير قابل للاستبدال.، إذن الكُره لا يدمّر المكان لكنّه يخرِب معنى المكان نفسه، فيحتاج العنف دوما إلى القتل كي يحقّق ذاته، هناك دوما قتل تأسيسي حتى يدخل شعب ما في علاقة ميتافيزيقية بنفسه، فمن يقتل يؤسّس عالما لا يراه، والمؤّسسون هم دوما بوجه من الوجوه قتلة من نوع نبيل، و لأن الكراهية من شأن أن ينتج عنها كراهية مضادة فإننا أمام توريط للذات و للمجتمع في حرب لا مرد للتخلص منها إلا بإشاعة القيم الإيتيقية كما سبق و أن ذكرت في مقال سابق مبنية على ما يقوله اسبينوزا: “إنّ الكراهية تزداد حينما تكون متبادلة؛ ولا يمكن القضاء عليها إلاّ بالمحبّة”. وفيما يخصُنا هنا لا مخرج من معجم الكراهية، أكان في صيغة سَلَفِيَة (محبّة لمصادر روحية لم تعد تخاطبنا) أو في صيغة مُعَلْمَنَة (محبّة لحداثة لا تؤمن بنا)، إلاّ باختراع أساليب جديدة في محبّة أنفسنا العميقة، و إعادة أَشْكَلَة الواقع بما يسمح لهويتنا بالتخلص من الشوائب الزائدة التي ما لبثنا نجرها تاريخيا، و فتح الأفق أما العقل ليمارس هوايته المجنونة إبداعا و نقدا.

و كل حجر و أنت مطهرون من الكراهية

ذ.شفيق العبودي

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5