ads980-90 after header
الإشهار 1

السخرية سلاح الصمود في عالم الكورونا

الإشهار 2

العرائش أنفو

السخرية سلاح الصمود في عالم الكورونا

في عالم يعج بالمآسي و المعاناة و القلق و عدم الإطمئنان لما سائد و لما هو آت مستقبلا، يحتاج الإنسان أيما احتياج لاليات دفاعية نفسية حتى يحافظ على وجوده المتزن، بل أكثر من ذلك أن المصائب عندما تلف عنقه لا يجد في أغلب الحالات بدا من الضحك عملا بالمثل الشهير”شر البلية ما يضحك”، هنا تصبح السخرية سلاحا وملاذا، أو مسكنا لتحقيق توازن كي لا ينهار الإنسان أمام معاناته، و في نفس الوقت لشحذ عزيمته من أجل المواجهة القادمة، و هكذا تبدو السخرية واحدة من أبرز الفلسفات التي يحتاج الناس إلى تعلمها لأنها تتيح إمكانية السعادة والتحرر من المعاناة في عصر عدم اليقين. فما معنى أولا السخرية؟ و كيف تحضر لدى الفلاسفة؟ و كيف نميزها عن الفكاهة و الضحك؟

السخرية حسب معجم المعاني العربي من فعل سخِر و نقول سخِر من منافسِه: هزِئ به، ولذَعه بكلام تهكّميّ، احتقره سخر من الآخرين، و يقال سَخِرَ منه وبه سَخْرًا وسَخَرًا ومَسْخَرًا وسُخْرًا بالضم وسُخْرَةً وسِخْرِيًّا وسُخْرِيًّا وسُخْرِيَّة: هزئ به، والاسم السخرية والسُّخري، أما اصطلاحًا، فإن السخرية تعني الاستهانة والتحقير، والتنبيه على العيوب والنقائص، على وجه يضحك منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة في القول والفعل، وقد يكون بالإشارة والإيماء. و السخرية هي خليط من انفعالين هما الغضب والاشمئزاز: فنحن إذ تثور فينا غريزة النفور نشمئز، فإذا عدا الشيء الذي أثار اشمئزازنا على صفاء عيشنا، بعثت فينا غريزة المقاتلة والانفعال المقترن بها، وهو الغضب، فدفعا بنا إلى السخرية مما بعث اشمئزازنا أو ممن أثاره في نفوسنا، ولا يخلو هذا من عنصر الزهو، لأننا ننزع إلى الرضا عن أنفسنا و الترويح عنها، عقب مطاوعة السخرية والانسياق معها. و قد أوضح الباحث المغربي عبد الله الكدالي في كتابه “الهزل والسخرية من منظور فلسفات الأخلاق” الصادر عام 2018، أن خطاب الهزل خطابٌ شائع وسائد يتداوله الناس بكل طبقاتهم وأصنافهم، وفي كل مناحي الحياة، في المسارح، ومدرجات الجامعات، والمقاهي، والملاعب، والبيوت، بل في الإجتماعات الهامة، وفي الجلسات الحميمية. و هنا لابد من التمييز بين الفكاهة و السخرية على اعتبار أن كل ما يضحك، فهو هزل، ولكنه ينقسم إلى قسمين: أحدهما ليس له غرض أو هدف إلا الإضحاك فحسب وهو ما يطلق عليه الفكاهة، والآخر له غرض هادف واضح – سواء كان مقصودا أو غير مقصود – وهو السخرية، بحيث أن النكت التي تلقى لمجرد الإضحاك فحسب تسمى فكاهة، لكن عندما تكون بقصد اللذع والإيلام تكون سخرية، وقد تجمع بين الغرضين أحيانا. و للبحث في تاريخ السخرية نحتاج إلى كتابة مجلدات و ليس مجرد كتب أو مقالات، بدءا من اليونان مع سقراط و حتى قبله مرورا بحياة العرب و نوادرهم وصولا إلى عصرنا الراهن، و هذا يمكن أن أخصص له مكان أخر، لكن تاريخيا يعود نشوء خطاب السخرية و ارتفاع منسوبه بالاساس الى تشكل وعي جماعي نقدي له رؤية خاصة تجاه العالم، رؤية نقدية وتحررية وثائرة على الوضع القائم، و على الإيديولوجية الرسمية السائدة، و قد وصف باختين هذه السخرية و الهزل ب”الموقف الكرنفالي من العالم”، لأن خطاب الهزل تشكّلَ أولاً في نظره، في الإحتفالات الشعبية الكرنفالية قبل أن ينتقل بعد قرون عدة إلى باقي أشكال التعبير والإبداع الأخرى، انتقالاً تمّت المحافظة فيه على الروح الكرنفالية.

ناهيك عن الدور السيكولوجي للسخرية، بحيث يعرفها ديكارت في كتاب انفعالات النفس بالقول: ” إن السخرية أو الاستهزاء هي نوع من الفرح ممزوج بالكره يأتي من أننا نلمس عيباً صغيراً في شخص نعتقد أنه يستحق مثل هذا العيب، في قلبنا كرهٌ لهذا العيب وفرحٌ أن نراه عند ذلك الذي يستحقه، وحين يحصل هذا بغتة فإن مفاجأة التعجب تكون سبباً في أننا ننفجر ضاحكين، غير أن هذا العيب يجب أن يكون صغيراً لأنه لو كان كبيراً لما استطعنا أن نعتقد بأن صاحبه يستحقه، إلا إذا كان من طبيعة سيئة جداً، أو كنا نحمل له كثيراً من الكراهية”، كما أن السخرية و الفكاهة تضطلع بدور حمائي للفرد حسب ما أكده سيغموند فرويد في مقالته “الأنا والهو” المنشور عام 1923، والتي يقول فيها “إن بداخل كل شخص حيلة دفاعية، وهي إستراتيجيات نفسية يستخدمها العقل الباطن لحماية الفرد من التوتر الناجم عن الأفكار أو المشاعر المرفوضة”، ويُصنِّف فرويد الدفاعات النفسية التي يستخدمها العقل إلى أربعة أقسام: المرضي، وغير الناضج، والعصبي، والناضج، فمن صفات الدفاعات النفسية الناضجة؛ الصبر، الشجاعة، الاحترام، التقبُّل، والفكاهة. فيصف الفكاهة بأنها تعبير عن الأفكار أو المشاعر التي عادة ما تكون ذات طبيعة مؤلمة بصورة مزاحية تعطي البهجة للآخرين، من خلال خلق المفارقة بين الإيلام و الضحك، حيث تكمن المفارقة في الجمع بين الجد و الهزل، و هو ما يوضحه الفيلسوف الدانماركي سيرين كيركجارد بالقول “إن جدية السخرية ليست جادة”، لأن ما يقوله الساخر قد يكون جادا بحيث يبدو كلامه صادقا للمستمع، لكن هذا المستمع عندما يكون عارفا بما يقصده الساخر، فإنه يشاركه ذلك السر الدفين الذي يكمن خلف هذا الكذب، ومن ثم يتم إلغاء السخرية أو نفيها مرة بعد مرة، إن السخرية تفترض تواطؤا خفيا بين ما هو جد يختفي وراء معنى ظاهر، قريب من أنف المتلقي، لكنه لا يشكل على الإطلاق غاية المتكلم، ولعل هذا ما يؤصل المفارقة. وهكذا يلعب التهكم أو السخرية دوراً في تكوين وعي الفرد، عبر انتقاله بين مرحلتين من مراحل الوجود أو الحياة، المرحلة الجمالية والمرحلة الأخلاقية، حسب كريكجارد وعلى هذا الأساس يكتسي التهكم عنده طابعاً تطورياً ومضموناً إدراكياً أو معرفياً، فهو ليس مجرد شكل تعبيري خال من أي معنى كما يذهب إلى ذلك هيغل، وليس موقفاً تدميرياً وتخريبياً للقيم والأخلاق وللفن أيضاً، وإنما هو نهجٌ من التحصيل والإدراك يطوِّرُ به الإنسان إدراكه للحقيقة والوجود، ويتجاوز به بدائيته. التهكم إذن، هو صلة وصل بين مرحلتين من مراحل الحياة، المرحلة الجمالية والمرحلة الأخلاقية، إذ لا يمكن في نظر كيركجورد الانتقال إلى المرحلة الأخلاقية وإدراك مضامينها القيمية إلا عن طريق التهكم، وبالتالي فإن نشوء الهزل، مرتبط عنده بعنصرين أساسيين، هما، الوعي واللغة، وهما عنصران مترابطان يستلزم كل منهما الآخر.

و إذا كانت الفلسفة تبدأ من الشكّ، فإن الحياة الشخصية الأصلية تبدأ من التهكم، لأن كل ما يمزق الإنسان من مشاعر الإحباط و اليأس، وكل تناقضاته ووعوده الصادقة غير الموفاة، ومثاليته المتضاربة مع سلوكه، تكون مصدرا للسخرية، إن السخرية أيضا توجد في المجتمع حين تسود عدالة الإنسان المقلوبة، وحين تخون الإنسان ملكاته، خاصة الجسدية، و يعتبر الكاتب المغربي محمد شقير في كتابه “السخرية والسلطة بالمغرب” أن “السخرية هي شكل من أشكال التعبير السياسي، وكلما كان النظام أكثر احتقانا، إلا وازدهرت السخرية السياسية بشكل أكبر وأكثر ذكاء وإبداعا وحذرا”، أما رائد السخرية السياسية في المغرب الفنان أحمد السنوسي المحاصر و الممنوع من الظهور على شاشات التلفزة الملقب ب”بزيز” فيعرف السخرية قائلا “إن السخرية معدية وتعري وتفضح، وتزيل القدسية وقناع الهيبة، وتسقط ورقة التوت التي تخفي عري أنظمة الاستبداد، إن السخرية تعطي المتلقي سلاحا خطيرا وتريه أن السياسيين ليسوا سوى فزاعات، إنها نوع من المقاومة وسلاح الانتصار على الخوف، لا سلاح الخوف من الانتصار”.

و للسخرية سبع دلالات حسب ما أجمع عليه النقاد وهي: 1ــ التعبير عن التفوّق والذكاء، 2ــ التعبير عن الغضب والممانعة، 3ــ العمل على حفظ ماء الوجه و الدفاع عن كرامة الساخر، 4ــ الإبلاغ عن الانتماء، 5ــ زيادة تماسك المجموعة، 6ــ الإشارة إلى تفاهة الآخر، 7ــ محاولة انتهاك محظور قانونيّ أو اجتماعيّ/ثقافيّ غير قابل للتغيير. فالفكاهي الساخر وحده القادر على الإخلال بتعريفنا للواقع، مما يُسبّب ظهور شك في قيمة الروتين اليومي ويكشف عن الالتباس فيما يتعلق بأسس واقعنا لكن بنوع من الترفيه. و هكذا فإن السخرية، كما رآها شوبنهاور، تُخْلق حين نكون مرغمين على “إعادة ضبط” رؤيتنا للكون وافتراضاتنا حوله، و كأن السخرية تسُدُ الثغرة بين المنطق واللامنطق، بين الفكرة وبين الواقع، بين المنتظَر وبين الحدث المُخيّب، بين تطلعاتنا و إخفاقاتنا، بين فهمنا الدقيق لدلالة ما يحدث و بين الجهل المغلف بدهشة الفجائي، فيكون الإنسان أحياناً، بالفعل كما يقول المصريون في معرض التوبيخ، يضحك على خيبته، إذن القدر/ الحظ/ العشوائية هو سيّد السخرية، يقول ماكس إرنست. لذلك يمكننا القول إن السخرية هي تعبير لغوي بلاغيّ عن الطلاق بين الواقع والمنطق، لذلك هي في أحيان كثيرة تتماهى مع مفهوم العبثية الذي هو في الأساس، بحسب تعريف ألبير كامي، طلاق بين العقل والعالم؛ طلاق بمعنى انعدام الانسجام، انعدام الفهم، و هو ما يرى الفيلسوف الإنكليزي سايمون كريتشلي أن الضحك يمكنه أن يكون تعبيراً عن حدودنا في الفهم و الإدراك للمأسي التي تحيط بنا، و هنا تتحول السخرية من كونها آلية دفاع على المستوى الفردي، لتصبح كذلك على مستوى أوسع ضمن بيئة عدائية، لذلك نراها تزدهر في ظلّ السلطات القمعية، بشكلٍ يجعلها أحياناً السلاح الوحيد،في مواجهة البطش و الطغيان و التسلط و الإستبداد.

و كل حجر و أنتم ساخرون من واقع لا يستحق التعامل معه بمنطق زائد عن اللزوم.

ذ.شفيق العبودي

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5