ads980-90 after header
الإشهار 1

تقنين زراعة الكيف المتطلبات التنموية والرهانات السياسية

الإشهار 2

العرائش أنفو

تقنين زراعة الكيف المتطلبات التنموية والرهانات السياسية

عادل امليلح

يعيش المغرب اليوم على وقع دعوات لتقنين زراعة الكيف، ومن المنتظر أن يتم مناقشة مشروع قانون 13/21 يتعلق بالاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، لقد دأب المغاربة في العقود الأخيرة على طرح هكذا القضايا خاصة مع قرب الاستحقاقات الإنتخابية، فقد طرحت أحزابًا سياسية الموضوع ذاته وتقدمت بمشاريع قوانين ترمي إلى تقنين زراعة القنب الهندي، وعلى الرغم من الخلفيات والسياقات التي تبلور لنقاش التقنين، فإن الباحث يلزمه أن يتقيد بمسافة موضوعية في تعاطيه مع الموضوع نظرا لحساسيته، خاصة عندما يتعلق الأمر بنوع المقاربات والمفاهيم الموظفة في النقاش العمومي سواء السياسي أو المدني حول الموضوع، فبداية تواجهنا أسئلة محورية، فما هي المقاربات المعتمدة في بلورة مشاريع التقنين؟ وبأية معايير ولأية أفاق؟ من اليسر أن تبرز هذه المفارقة في العناوين العريضة لهذه المشاريع، إذ لا يتم التمييز بين مقاربتين، مقاربة الكيف ومقاربة القنب الهندي.. فمقاربة الكيف تعكس في واقع الأمر رواسب تفاعل ثلاث أبعاد في دينامية مستمرة تجمع بين المجال والإنسان والقنب الهندي، فيُحَّصِلُ بذلك مفهوم الكيف البعد التاريخي والثقافي وكذا البعد الاقتصادي والاجتماعي، الذي يعكس خصوصية المنطقة، بينما مقاربة القنب الهندي لاتتجاوز التصور الزراعي الصرف باعتباره نشاطا زراعيا منفصلا عن سياقه العام، فمقاربة الكيف تستلزم منهجية تعتمد أساسا على الحوار المتعدد الأبعاد بين مختلف الفرقاء والفاعلين والمتدخلين في موضوع الكيف كما تتطلب إنجاز تشخيص تشاركي للمنطقة، في حين فإن مقاربة القنب الهندي تخفي خلفها اديولوجية قانونية صرفة تنافي الشروط الموضوعية لروح النهج المعاصر في التسيير والتدبير، ذلك أن طرح هكذا القوانين يبقى بعيدا كل البعد عن واقع الساكنة وانتظاراتها، وبعيدا كل البعد أيضا عن منطق الإنتماء، وهذا ما يدفعنا للحديث عن مشروعية التقنين قبل الحديث عن مشروعية القنب الهندي، فهل يمكن احتواء الوضع من خلال انجاز قانون في دكاكين سياسية بعيدة عن واقع حال المنطقة؟ إن الفرضية التي يعتمدها مشروع قانون تقنين زراعة الكيف الذي يحاول أن يقدم اطارا منسجما مع الاتفاقيات والمعاهدات الجاري بها العمل في المنتظم الدولي، لم يراعي في واقع الأمر خصوصية بلاد الكيف، فهناك اجحاف في مقارنة الوضع في المغرب ببعض البلدان المتقدمة التي حققت شرط التنمية القروية، بينما في المغرب ما زالت بلاد الكيف تشكل خزانا للفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعيين، فالتقنين في الدول المتقدمة ليس شرطا ضروريا لتحقيق التنمية وإنما هو شرط للاستجابة لطلب صناعي جديد فرضته الظروف الصناعية والطبية، بينما في المغرب فإن زراعة الكيف فرضتها شروط تاريخية عميقة، مما يعكس في واقع الأمر رهانا سياسيا ترعاه بعض الأحزاب السياسية، التي تراهن على الكتلة الإنتخابية للمنطقة، وعليه فإن تحديد مناطق زراعة الكيف احتكمت لغايات سياسية تم شرعنتها تحت مسمى “مبدأ التمييز الإيجابي، أو مبدأ التحديد” دون طرح اشكالية البديل لباقي المناطق الأخرى التي ستفقد مزاولة هذا النشاط، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فإن النص القانوني أوضح في بعض فصوله إجبارية تسليم محصول الكيف كاملا لفائدة شركات التصنيع والتصدير الأجنبية، ومنح رخص وفق شروط تضمن التوازن بين متطلبات السوق وما يتم انتاجه، وهذا في واقع الأمر اجحاف في حق الفلاحين البسطاء، واخضاعهم لمتطلبات السوق الأجنبية، فالقانون لم يدرج الآفاق التنموية للمشروع، فالمشروع يدعي أن التقنين سيمكن من تحرير الفلاحين من استغلال أباطرة التهريب وتحسين شروط عيشهم، فما هي الضمانات الكفيلة بتحقيق ذلك؟ .

من الواضح جدا أن مشروعية التقنين أو القضاء على زراعة الكيف تتطلب قبل كل شيء شرط التنمية لبلاد الكيف، فهذه المناطق ما تزال تعاني من التهميش وتشمل الساكنة القروية الغالبية العظمى من السكان، كما تمتاز المنطقة بالضعف الكبير في عوامل ووسائل الإنتاج خاصة مع وجود بنيات عقارية مجزأة على قلتها، مما يعني أن زراعة الكيف في شكلها الحالي أو في الصيغ المتغينة بشكل خاص والنشاط الفلاحي بشكل عام لم يعد مجديا لتحقيق شرط التنمية، لذا كضرورة وكبديل يجب الحديث عن مشروع أوسع وهو تحقيق إصلاح زراعي في المناطق الجبلية عموما وبلاد الكيف خصوصا، يرتكز على عملية عميقة ترم إعادة هيكلة العقار وتجميع الملكية، بالإضافة إلى الانفتاح على أنشطة اقتصادية غير فلاحية متنوعة، كما يستلزم الحال فتح حوار وطني للبحث في الوضعية العامة لبلاد الكيف وخلق وكالة وطنية لتنمية مناطق الكيف، فالتحديد الذي يعتبره البعض شرطا ضروريا للتقنين لن يصمد أمام الأفق القريب، كما أن التقنين سيساهم في بلورة نخبة محلية مستفيدة من الريع والتي لن يردعها قانون أو ضابط، لهذا فإن الأمر يستلزم تحقيق شرط التنمية الاجتماعية والإقتصادية والثقافية، واعادة هيكلة البنيات العقارية والبحث عن بدائل ناجعة لتحقيق هذا الشرط، كما يجب التنبيه على ضرورة إشراك الساكنة عبر هيئات محلية وممثلين مدنيين، بعيدا عن سفسطائية بعض الأحزاب التي أورثت المنطقة التهميش والفقر وفشلت في تحقيق الشروط الأدنى للتنمية، فهي لا ترافع لمصلحة الفلاح بقدر ما تدفعها رهانات نفعوية بعيدة عن تطلعات الساكنة، ومن هذا الأساس، فإن موضوع الكيف بعيد كل البعد عن موضوع القنب الهندي، فالمشروع يحمل لغة “أمرية” تكرس الاخضاع والتحكم.. وهو ما يتعارض مع روح الديمقراطية التشاركية، كما أنه يظل في نهاية المطاف مشروعا طوباويا، لن تكون له أدنى فائدة من حيث الأثار والفعالية التنموية، التي تتطلب إعادة الثقة بين فلاح الكيف ومؤسسات الدولة، كما يقتضي إقرار شمولية العفو العام عن المتابعين في قضايا زراعة الكيف، بالإضافة إلى الانفتاح على الأكاديميين والباحثين في هذا المجال، لإغناء النقاش العمومي حول هذه الزراعة، بعيدا عن خطاب المشروعية التاريخية، وبعيدا عن خطاب التمييز الإيجابي الذي لا ينسجم وطبيعة الوضع في بلاد الكيف، ولهذا يصبح من الواجب القول أن هذا المشروع حتى مع وجود نوايا صادقة لحل معظلة الكيف، فإن ذلك سيتطلب الكثير من الوقت وسيفتح الباب على مصراعيه لمختلف المزايدات السياسوية، التي ستطغى على متطلبات الواقع الذي يستلزم نموذجا تنمويا تشاركيا لتنمية بلاد الكيف.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5