ads980-90 after header
الإشهار 1

اللغة والهوية الجزء 10

الإشهار 2

العرائش أنفو

اللغة والهوية الجزء 10

محمد المباركي

الفصل الثاني الباب الأول
مدخل
في الفصول السابقة من هذا الحوار المفتوح ، تمت الإشارة لبعض المنطلقات الفكرية التي ترتكز على الفهم العقلي للتحليل لتنفد الى جوهر الشعوري و اللاشعوري في كينونة الفرد و المجتمع. و منه يتضح جليا أن اللغة الأم موروث يندمج فيه الشعوري و اللاشعوري المؤسس لنفسية الفرد و الجماعة و الإنسانية جمعاء. و هي بذا عامل سيكولوجي روحي مادي معنوي يتجاوز حيز العلوم و الحداثة ليخص الثقافة المحتضنة لماهية و هوية الفرد و الشعب و الوطن و الأمة و الإنسانية جمعاء. لا يمكن للإنسان أن يكونا إنسانيا و أمميا ما لم يكن وطنيا و قوميا . و لا يمكن للفرد أن يكون وطنيا و قوميا أي ديمقراطي و حداثي ما لم يبجل و يقدس لغته الأم المحتضنة لموروثه الثقافي الأصل . كان هو ذا المنطلق الأول في طرحنا ، أما المنطلق الثاني و الذي تم اكيده لحد الاطناب ، أن المبتغى الأول و الأخير من هذا الحوار هو محاربة الجهل و التي لن تكون الا باحتضان و صيانة اللغة الأم حيث بذون تقديسها و تبجيلها و تطويرها عبر ثورة ثقافية ، يستحال التخلص من براثين التبعية و مخالب الاستبداد و الارتقاء الى مستوى المجتمع الحر في اطار دولة تحتكم للمؤسسات الديمقراطية المنافية لسيادة الاستبداد. منطلقات و أهداف واضحة وضوح الشمس ، لكن ما هو السبب الذي يجعل الحوار حولها ملغوما و صداميا عوض الاجماع ؟ انها المصالح الفردية و الفئوية التي عصفت بالمقومات الشعبية التحررية و تفرض الانزلاق في أحضان التبعية و سيادة الأنانية و الفردانية. كلها تصرفات أضحت تحت ظلال الجهل و الاستبداد سرطانا يكاد يعصف بالشعب و الوطن و الأمة اذا لم تكن هناك يقظة و مقاومة. لما تردد كلمات الشعب و الوطن و الأمة بلغة الثقافة الأم تجد نبضات القلب تخفق لمدلولها العميق في الوجدان. الأمر الذي لا يحصل عند ترديدها بباقي اللغات .

السؤال الذي يطرح نفسه رغما عنا هو لماذا يحدث هذا الزلزال في الكيان المعنوي و الوعي الروحي ؟ في الجواب يترسم الشرح السديد . فكلمة الشعب و الوطن و الأمة في وعي المخلصين لمبادئ الحرية و الانعتاق و الكرامة تعني التحرر و المساواة و العدالة الاجتماعية و الديمقراطية. هذا هو المعني الحقيقي الذي تختزنه اللغة الأم كمفهوم للشعب و الوطن والأمة. أما دعاة الاستلاب باسم الأصالة المزيفة الحداثة المبتذلة فانهم يرون الشعب عبارة عن قطيع يؤمر و رعايا قاصرين من خصائصهم الطاعة و الوطن عبارة عن ضيعة و مخزن للمصالح الشخصية و الأمة عبارة عن خليط أجناس لا شيء يوحدها تطبيق لخدعة فرق تسد . بطبيعة الحال لتمرير مخططات الاستلاب و التبعية و الاستبداد يتم اللجوء الى مساحق الدعاية المغرضة و الخدع المتنوعة المحبوكة ضد مصالح الشعب و الوطن و القومية . تتغير أساليب الاضطهاد و الاستيلاب و الاستعباد حسب الظروف التاريخية تغير لون الحرباء لتموه اختفائها بالأشياء التي تمر بها . هو ذا شأن المتسلطين على السلطة و الجاه و المال ، يستعملون شعار الحرية لنحر الحرية و الكرامة للعبث بالكرامة و الشعب لاستدلاله و الوطن لبيعة خيراته أبخس ثمن و الأمة لتشتيت شملها . لذا لا يمكن معالجة اللغة و نعني اللغة العربية و الأمازيغية، لأنهما توأمان خرجا من رحم ثقافتنا العريقة . لذا للإلمام بجوهر الهوية الشعبية الوطنية و القومية لا بد من الالمام بنوعية الدولة القائمة و لصالح تستعمل سلطتها . تشريح دواليب و مكنزماتها المادية و الإيديولوجية المتحكمة في قيامها و ديمومتها أمر ملازم لمعاينة و معالجة القضايا الكبرى و المصيرية للشعب و الوطن و الأمة مثل مسألة اللغة و الهوية الثقافية .الدولة ليست أداة محايدة لضمان أمن و سلامة المجتمع كما يصبو اليه المستوى النهائي للديموقراطية و الذي يظل لحد تطور المجتمعات البشرية لحد الآن معطي يطمح اليه . و في مسافة الألف ميل للوصول الى هذا الهدف الذي يعني ذوبان الدولة و تجاوز سلطتها، هناك مجتمعات لا زالت أنماط الحكم فيها أي نوعية دولها مبنية على علاقة استبدادية بين الحاكم و المحكوم و يقضي وازعها بأحكام غيبية تنفي حرية الاعتقاد و حرية الفرد و الجماعة في التحكم في المصير الخاص و العام . هذه المجتمعات لم تدخل التاريخ الديمقراطي في عمومها و بعضها لازال واقفا عند عتبتها و لم يدخل سيرورة الزمن الديمقراطي بعد . و الحال أن واقع شعوبنا العربية ينطوي على مجملها هذا الواقع الشاد . الأمر الذي يجعل كل نقاش و حوار و صراع حول اللغة و الهوية يجرنا للمواجهة العقم الفكري و التأخر الحضاري الذي تعاني منه مجتمعاتنا و تذهب ضحيته شعوبنا و أوطاننا و أمتنا.

أ – توضيحات ملازمة

1 – في ظل سيادة الاستبداد و التحكمية و انعدام المحاسبة يمكنك ليس فقط تدريس و تلقين لغة البشر مهما بلغت من حيوية و قدرة لمواكبة العلم و الاختراع ، ذلك أنه لو تم تلقين و تدريس لغة الملائكة ، ستظل التبعية تتعمق بصيغة جديدة أكثر ضراوة و الاستبداد سيزداد استبدادا بوجه أكثر بشاعة و الاستغلال حدث و لا حرج . اذن ما دامت لغة الملائكة لا تحل مشكلة تأخرنا و استعبادنا ما بالك من لغة الغير ؟ لم يبق لنا سوى التحصن بغتنا الأم و تطويرها لأنها ليست بعاقر و أنها نهجنا الأوحد.
2 – من قال أننا نناهض تعلم و تدريس اللغات الأكثر تداولا في عصرنا الحاضر ، حيث أصبح العالم عبارة عن ضيعة يمكنك أن تعبرها و أنت في مكانك من خلال وسائل الاتصال الكونية رحمتني الظروف من فيروس التلفزة ، لكن كلما وجدت لذلك فرصة خاصة حين العطل ، أتيه عبر القانات التي لا تحصى ، فتراني أتفسح عبر مجمل الفضائيات و لهجاتها التي تضحي في مسمعي و كأنها أغنيات رائعة . بخصوص اللهجات التركية و الإيرانية ، ان ركزت السمع و تعودت عليه أمكنك الفهم بسرعة . أما اللهجات اللاتينية و الإنجليزية ، نظرا لإتقان الفرنسية ، و بعض من الإنجليزية ، فإنها تصبح في المتناول . هذا أردت التركيز و الامعان في ما تقدمه التلفزة المحلية ، كونها المرآة التي تعكس جانبا هاما من الحياة اليومية والثقافية كما يراد ترويجها . الا أنه بعد وقت معين تجد نفسك تدور في دوامة مفرغة فتنجو بوتك لغيرها خارج السياج المحلي. عبر التجوال في فضاء القنوات اكتشفت العجائب والغرائب من الدجل الكهنوتي الخرافي الذي لا يتخيله العقل في زماننا الحاضر و المعبر الصادق على مستوى انحطاط العقل في مجتمعاتنا و كيف يروج للجهل ركيزة الاستبداد والاستلاب. لحسن الحظ وجدتني مرة أجول في برامج قناة تتكلم باللهجة الاثيوبية و سعدت بها لما تركز انتباهي على سلاسة من ينطق بها و سكينة المتكلمين بها و حتى حروفها الغريبة عني استأنست بها و بدأت أفك رموزها و ان كانت أشد تعقيدا في نظري من لغتنا الأم عربية كانت أمن أمازيغية . و الغريب أني استأنست بهذه اللغة لحد عزمت زيارة موطن أهلها . للإشارة ان نبرات اللغة الاثيوبية تقترب و نبرات لهجة سوس عندنا بالغرب الأقصى زد على ذلك أن المتحدثون عبر الشاشة الإثيوبية كانوا ستعملون بعض الكلمات و التعابير العربية . مغزى هذا القول ، أن كل اللغات في متناول البشر و ليس هناك لغة حية و أخرى قاصرة . و المغزى الآخر عوض الافتخار بلغتنا الأم التي لها ما يكفي من الاشعاع الثقافي والمعرفي عبر المعمورة نتخلى عنها كما يخلع المرء الثوب عن جسمه ليظل عريانا ، لا من يقيه جليد الاستلاب أو يجنبه حر الاستبداد . لذا يظل التشبث باللغة الأصل التي هو الحصانة المنيعة لشخصيتنا و غيرها من اللغات عروشا تتفاوت في الحجم و العطاء حسب الحقب و الأزمنة .
3 – لقد بينت الأبحاث العلمية بما فيه الكفاية و الدلالة ، ما دمنا نؤمن بالعلم كضرورة لإنارة العقول ، أن تعليم و تلقين اللغة الأصل للناشئة منذ نعومة الأظافر يمكن الإحاطة الجادة من اللغة الأم ، و كذا التمكن من غيرها من اللغات. هذا يعني بتركيزنا على اللغة العربية و الأمازيغية كعمود فقري لبناء الشخصية الوطنية و القومية يتم التفتح على غيرها من
اللغات و اللهجات و استعمالها بكل طلاقة و ثقة في النفس للتدريس و البحث و الفن و ما شأت . هذا يعني في عمق العمق أنك على التربة الحية لحديقة ثقافتنا العربية الأمازيغية المحصنة علمانيا ، يمكنك زرع في أحواضها ما طاب و لذ لك من زهور و خضر و فواكه الثقافات و الحضارات لأخرى. لذا فغايتنا الأولى و الأخيرة هي الارتكاز على كل ما هو حي و قيم وعقلاني في تراثنا كمنطلق لاستيعاب و تقويم ما ينفعنا من الثقافات و اللغات الأخرى صوب هدف واحد و أوحد مجسدا في التحرر و المساواة و القضاء على الاستبداد و التبعية لبناء المجتمع الديمقراطي.
ب – مراجعتنا في كل هذا
طرحنا هذا لا ننطلق من هواجس و تخيلات أحسن ما يقال عنها طوبى ، بل ننطلق من نبراس التحرر لشعبنا و أمتنا و الموروث العقلاني لثقافتنا و حضارتنا و ما أنتجه الفكر و التجربة العلمانية .

1 – نبراس تحرننا هم دعاة العقل و التحرر الفكري في تاريخنا الحضاري و العصري . رموز حركتنا الوطنية و التحررية من أمثال الرئيس القومي محمد بنعبد الكريم الخطابي و القائد الأممي المهدي بن بركة و القائد الوطني عمر بن جلون و مفكرينا النوابغ من أمثال محمد عابد الجابري و عبد الله العروي و أمثالهم كثيرين ، كانوا كلهم يتقنون أحسن اتقان اللغات السائدة في محيطهم و ربما أكثر من غالبية أهلها . لكن هذا لم يجعلهم يتخلون عن لغتهم الأصل ، بل اعتزوا بها و دافعوا عنها أي دفاع و هم واعون أن التفتح و تعلم اللغات السائدة في العصر الحديث ضرورة. و الضرورة هنا لا تعني رمي جنين لغتنا الأصل بمائه الوسخ ، بل تجاوز الشوائب الموجودة في ثقافتنا عبر تطوير أدواتنا التعليمية . هناك علاقة مبدئية بين التحرر من الاستبداد و التبعية و صيانة اللغة الأصل، لذا يظل تحرير الانسان و الوطن مرهونا بتحرير اللغة الأم و صيانتها .

2 – نهضة العصر الحديث منذ القرن التاسع عشر التي دشنتها البعثة العلمية التي ترأسها الطهطاوي منتصف ثلاثينات القرن التاسع عشر و تبعتها محاولات عقلنة الشريعة لموجة الأفغاني و محمد عبد نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين حيث قامت بعدها نهضة فكرية مرموقة في كل من مصر و بلاد الشام )سوريا، فلسطين و لبنان(. تابر خلالها مجموعة من خيرة المفكرين من أمثال جبران و جرجي زيدان و نعيمة و طه حسين و العقاد و سلامة موسي و غيرهم كثيرون أرادوا القيام بثورة ثقافية سلمية عن طريق اثبات العقل كرافعة لمراجعة موروثنا الثقافي و الحضاري و دمج ما هو حي و نافع في الثقافات السائدة لتطعيم ثقافتنا. فكانوا يقتبسون و يترجمون و يعلقون و يقارنون بما جادت به ثقافتنا و الذي يضاهي ما يبهرنا عند غيرنا . كما عمت الموجة النهضوية و خاصة العلمانية التي ظهرت في النصف الأخير من القرن العشرين و التي تشبعت بالمادية الجدلية و التاريخية لتطرح الموروث الديني و الكيان السلطوي على محك البحث العلمي داعية ليس فقط للمراجعة ، بل لمناهضة و مقاومة المنظورات الغيبة. و قد اشترك في هذا الصراع الضاري كل من متبنين للفكر العلماني من لشيوعين و اشتراكيين و قوميين ، كمنهج للفكر و التغيير عبر مفكرين و مناضلين أفذاذ . و لقد جمع الدفاع عن اللغة العبية و موروثها الثقافي النير و وحدة المصير للشعوب الناطقة بها و المؤيدة لحضارتها الجامعة و الوثاقة للتحرر من الاستعمار و العبودية عبر سيرورة كفاحية و وحدوية مريرة . كانت المعركة ضارية و لا زالت حاصلة بين دعاة التحرر و الوحدة الديمقراطية و دعاة الانشقاق و التفرقة و العبودية.

3 – التاريخ يحكم بينا و هو كالشمس لا يحجبها الغربال. هل يا تري كتب المعلم الثاني ابن رشد عن العقل و فلسفته مترجما في ذلك فكر و أطروحات المعلم الأول أرسطو دون تعلم و تبحره في لغة الاغريق ؟ و هذا ابن سينا و الرازي و الخوارزمي و ابن طفيل و ابن باجة و غيرهم من الفلاسفة و العباقرة الذين تعلموا و درسوا اللغات السائدة في ميدان العقل التي عاصرتهم فطوروا الفكر الإنساني لمستوى لم يصله أحد من قبلهم . فعلى انتاجاتهم و عطاءاتهم العقلية قامت نهضة عصر الأنوار الأوروبي الذي أضاء العقل الإنساني ليفرض حرية الفكر و المعتقد و ينفد الى تركيز الحرية الفردية و الجماعية كأساس للتعايش السلمي داخل المجتمع المتحضر.

خلاصة مدخل الجزء الثاني

العبرة مما تقدم و ما نروم اليه هو الاعتماد على الفهم العقلي لمعالجة قضية اللغة و الهوية و التي لن نحيط بجوانبها الأساسية ما لم ننظر اليها عبر زاوية السلطة و الحكم و الدولة المسيرة القائمة. هل هي سلطة قائمة لصالح الحرية و الكرامة الفردية و الجماعية أم هي سلطة ترسخ و تعمق الاستبداد و التبعية ؟ بمعني أدق مسألة اللغة و الهوية هي أساسا اختيار سياسي مركزي . قل أي لغة تريد أن تكون ركيزة لهويتنا أقول لك خلفية مشروعك السياسي. هل هو مشروع تحرري تقدمي وطني قومي أم هو مشروع استبدادي انشقاقي عنصري تبعي عدمي.
يتبع


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5