ads980-90 after header
الإشهار 1

مذكرات معلم في الجنوب المغربي: من أجواء المسامرة إلى أنواء المؤامرة

الإشهار 2

العرائش أنفو

مذكرات معلم في الجنوب المغربي: من أجواء المسامرة إلى أنواء المؤامرة

أحمد رباص

في الأيام الأولى من السنة الوحيدة التي أمضيتها في مجمع الفكارة، لبيت دعوة زملائي بمجمع أوزدين (الزاوية) لقضاء عطلة نهاية الأسبوع برفقتهم. كم تمنيت لو تم تعييني في هذا الدوار نظرا للجو الجماعي الذي توافق على العيش في ظله معلموه الأربعة، على خلافنا نحن في الفكارة حيث انفرد كل واحد منا بعالمه الخاص مما ضاعف من فُرقتنا وتشرذمنا وقضى على إمكانية عقد جلسات سمر تجود بها ليالينا ونداري بها أحزاننا ومآسينا.
سعيا وراء البحث عن بديل وهروبا من جحيم القنوط والوحدة كنت أقضي نهاية كل أسبوع في أكدز أو عند أصدقائي في الزاوية. ما كان يشجعني على الذهاب عندهم هو أن المسافة الفاصلة بين المجمعين كانت هينة عليّ بحيث لا يتطلب مني طيها إلا ساعة من السير مشيا على القدمين. في منتصف الطريق الرملية، ثمة بستان يتوسطه بئر مجهز بمحرك ومضخة، وبالقرب منه صهريج مغمور بالماء الحلو الذي تسقى منه الآشجار المثمرة.
لا زلت أذكر ذاك اليوم الخريفي الذي قطعت فيه هذه المسافة أثناء ذهابي لأول مرة إلى مجمع أوزدين انطلاقا من الفكارة. لدى وصوولي إلى البستان، تسلقت حائطه القصير وشربت من بئره وسبحت في صهريجه ثم قطفت عنقود عنب من إحدى دواليه. واصلت سيري وأنا ألتهم حبات العنب منتشيا بحلاوتها وعصيرها المنعش، ممتنا للأيادي التي شقّتِِ الأغوار وغرستِ الأشجار..
هناك أمران من أمور عديدة يشترك فيهما هذا المجمعان: الأمر الأول تمثل في الخصوع لسطوة الطين بحيث أنه المادة الرئيسية المستعملة في بناء البيوت التي نادرا ما تجد فيها مرحاضا، بينما الثاني تجسد في مجاورتهما لجبل أزكيغ الممتد على مسافة طويلة لا أستطيع تقديرها لأني وإن رأيت منتهاه كلما اتجهت من الفكارة إلى القرية المنجمية المعروفة ب”البليدة” مرورا بمنازل طينية متفرقة يقيم فيها مجموعة من الحراطنة يقال لهم آيت عبد الله، فلم يقدر لي أبدا أن شاهدت مبتدأه لأني لم يسبق لي أن سافرت إلى مدينة تازناخت الصغيرة عبر المسلك غير المعبد الرابط بينها وأكدز.
عندما انتصف يوم الأحد من نهاية ذلك الأسبوع، تناولت وجبة الغذاء مع أصدقائي تحت سقف بيت يقع في وسط المجمع. نبهني هذا المعطى، منذ الوهلة الأولى، الى أن سكان الزاوية أكثر انفتاحا على المعلمين من جيرانهم في الفكارة. لاحظت أن الأوائل يعاملون معلميهم معاملة لا علاقة لها بالتوجس من تواجدهم بين ظهرانيهم وغير قائمة على مفترضات وأحكام مسبقة. بعد الانتهاء من تناول الطعام، أخذنا قسطا من الراحة في إطار القيلولة ونحن نتحدث عن مشاعرنا وأحاسيسنا إزاء البيئة الجديدة التي طوحت بنا الأقدار للعمل فيها من أجل كسب لقمة العيش. استيقظنا من نومنا الخفيف تزامنا مع أدان صلاة العصر..
اجتمعنا مجددا حول براد شائ بلا نعناع قام بتحضيره لنا معلم متبعا نفس الطريقة التي يعد بها الأهالي الشاي. في الحقيقة، ارتجل هذا المعلم باتفاق مع صديق له من المعلمين مسرحية هزلية كان يروم من خلالها الترفيه عنا وإدخال السرور إلى نفوسنا المتأزمة نتيجة إرغامنا على الإقامة بعيدا عن ذوينا في ما يشبه النفي القسري. رغبة منه في إيهامنا بتشخيص قريب شيئا ما من الواقع، حرص الممثل الرئيس على ارتداء جلابة من ثوب أبيض خفيف واعتمار طاقية من نفس اللون اعتاد حجاجنا الميامين جلبها معهم وتوزيعها على أقاربهم ومعارفهم كهدية من بيت الله الحرام. جلس على الارض وأسند ظهره للحائط وبدأ في إعطاء الأوامر لشريكه في المسرحية ذات المشهد الواحد. بلهجة أمازيغية ولكنة محلية طلب من صديقه إحضار الصينية الصقيلة ، فجاء الأخير حاملا إياها بكلتا يديه ووضعها أمام الحاج وقد ظهر البراد في وسطها بلون فضي متجانس لامعا بين كؤوس زجاجية نظيفة لا تقل عنه لمعانا . بعد ذلك، وضع المساعد علبة السكر وزنبيل الشاي بجانب الحاج الذي ما توقف لحظة عن الحديث لضيوفه عن شؤون الدوار وأهاليه خاصة تلك المتعلقة بالمدرسة و”الموعلمين”. غرقنا في جو من الضحك إلى درجة سالت معها الدموع من مآقينا. وهكذا تمتعنا بلحظات من الفرح العارم والضحك التلقائي الذي تخللته القهقهات ونحن نحتسي الجرعات.
انتهينا من شرب الشاي وخرج معي الأصدقاء الأربعة فمشينا سويا على الطريق في اتجاه الفكارة ولم يودعوني إلا عندما قطعنا مسافة اختفت على إشرها معالم دوار أوزدين. أثناء سيرنا، حدثتهم عن الضحك وفوائده، فقلت لهم إنه من أشكال التعبير الصريح عن التسلية والمرح، ومشاعر أخرى أحيانا. كما أوضحت لهم أن الضحك هو رد فعل طبيعي للإنسان السليم علي المواقف العبثية كما يمكن أن يكون وسيلة دفاع ضد مواقف الخوف العفوية. ثم أضفت أن الضحك يُعد تعبيرًا عن التعاطف والتفاهم المتبادل بين البشر، وهو إحدى وسائل التواصل البشري على مدى التاريخ. في نفس السياق، شرحت لهم كيف أن الضحك يستخدم الآن كوسيلة علاجية من خلال إفراز هرمون خاص وتقوية المناعة. ثم بينت لهم أنه بعد عدة نوبات من الضحك تزداد نسبة خلايا الدم البيضاء في الدم. ولم أنس أن أذكر لهم كيف يساعد الضحك علي تقوية عضلات الوجه والبطن وتيسير الدورة الدموية في القلب مما يؤدي الي رفع ضغط الدم وزيادة نسبة الأكسجين فيه، كما يكون هناك في بعض عيادات الاطفال مهرج.
وقلت لهم كإضافة:عندما يضحك الإنسان تتحرك 17 عضلة في الوجه و80 عضلة في الجسم باكمله وتزداد سرعة التنفس. في الأخير قلت لهم إن القهقهه هي الضحك بصوت مرتفع، وعادة ما تكون في جمع من الناس كرد فعل على دعابة. وقد تنشأ نتيجة السكر بعد شرب المدام والكحوليات وتناول المارخوانا. فسألني أحدهم هذا السؤال: ولماذا تعالت ضحكاتنا إلى أن صارت قهقهات مع أننا لم نشرب أي مسكر ما عدا الشاي؟ بالطبع، صحكنا بعد سماعنا لهذا السؤال الذي يلزمني تحري الإجابة عنه كمحاضر انتهى لتوه من إلقاء درس عن الضحك أمام مدرج غاص بالطلبة. قلت للسائل إن ما جعلنا نقهقه هو الأداء الجيد للمسرحية المرتجلة التي استمتعنا بفرجتها. وأكدت له على أن عنصري الإبداع والإتقان المتوفرين فيها جعلا للسكر الذائب في الكؤوس مفعولا مُسَكٌِراْ بمجرد أن سرى الشاي عبر أمعائنا وصعد بخاره إلى جدوع أمخاخنا.
انفجر الجميع ضاحكين بصخب امتصه صمت الجبل العالي والمديد..
بعد أربع سنوات، حللت بمدرسة أكويم في الأسبوع الأخير من شهر فبراير من عام 1993.. الجو بهذه الناحية شديد البرودة.. نذف الثلج الصغيرة تتساقط ليل نهار بدون انقطاع، تسبغ على الآفاق لونا أبيض شيئا ما، مائلا إلى الرمادي.. السماء ملبدة بالغيوم.. في هذه الأيام، لا حديث للناس سوى عن الكوميسير الحاج ثابت وفضائحه الجنسية.. ما أكثر المتتبعين لهذه الفضيحة الكبيرة من خلال جريدة عمر بن جلون التي أوكلت تغطيتها ومواكبة أطوارها وملاحقة مستجداتها لنور الدين مفتاح، أحد أعضاء هيئة تحريرها آنذاك والمدير المسؤول حاليا عن جريدة أسبوعية. لهذا، كان القراء ينتظرون عند الزوال من كل يوم قدوم حافلة الساتيام إلى محطة ورزازات الطرقية وعلى متنها حزمات الجرائد الوطنية وبعض عناوين الصحافة الدولية.
على الرصيف المقابل للمحطة، كانت هناك مكتبة سباقة إلى توزيع النسخ على الزبائن المصطفين في طابور طويل. في ليلتي الأولى، استضافني المعلمان المكلفان بتعليم تلاميذ المستويين الخامس والسادس..تناولت معهما طعام العشاء. عند منتصف الليل، دعاني معلم مكسورة ذراعه إلى المبيت في منزل مجاور. فتح المعلم الباب، فدخلنا..اتجه يمينا وولج إلى غرفة مظلمة..أشعل بالولاعة شمعة أكثر من نصفها ذهب..على ضوئها الباهت، تبين لي بالكاد ما بداخلها. كانت هناك فقط مجموعة من الأفرشة والأغطية مطوية بقليل من العناية وموضوعة فوق مرتبة (مضربة) كبيرة أكل عليها الدهر وتجشأ..على طريقة “التفريشة الحرامية”، كانت محشوة بالحلفاء الرثة والخرق البالية، دونما سرير أو ماشابه من شأنه رفعها عن مستوى الأرض. لما انصرف المعلم وتركني وحيدا، جلت بناظري في أرجاء الغرفة..تاكد لي صغر حجمها..فضلا عن ذلك، لاحظت أن سقفها واطئ جدا بحيث يكون لمسه في متناول يدي، علما أن طول قامتي يزيد قليلا عن 1,6 متر.. شعرت بأنفاسي تختنق حالما وعيت بضيق المكان في نهاية جولة فاحصة عبر أركانه..
بعد ذلك، عدت إلى مرقدي..تمددت فوق “المضربة” ناشرا على جسدي المنهك والمرتعش أغطية خشنة الملمس، تنبعث منها هي أيضا رائحة “الغمولية”..جاب الله ما عنديش الحساسية، كون هاد الليلة مشيت فيها وكانت هي آخر ليلة في حياتي..لم أعد قادرا على تحريك قدماي من شدة البرد القارس..هما الآن يحتاجان إلى حداء جلدي متين يوفر لهما ما يكفي من الدفء في منطقة بمثل هذا الصقيع، ويحول دون تسرب البرودة إليهما..النوم خاصم جفوني طيلة ساعة أو أكثر..بصعوبة، استسلمت لنوم عميق تخلله شريط لاشعوري من الأحلام والكوابيس العجيبة والغريبة في آن..
في الصباح، اسيقظت تلقائيا – بحمد الله- في الوقت المناسب، بدون منبه.. غسلت يداي ووجهي بالماء المثلج..صرت في كامل صحوي..خرجت من المنزل الواطئ قاصدا الأوطيل حيث توجد المدرسة. تتكون هذه الأخيرة من أربع حجرات دراسية وقاعة خامسة مخصصة لإطعام التلاميذ..المدرسة مفتوحة على كل الجهات، لا سور يحيط بها، لا باب لها ولا عتبة..على يمينها فضاء ممتد في صمت إلى الأعلى، كله شعاب وأودية وقمم شماء..على يسارها، في الأسفل، طريق سيارة في الاتجاهين تخترق الأوطيل وتمده بحركة وصخب دائبين أبدا..
مرت أيام وأنا مقيم بهذا المنزل الموضوعة مفاتيحه رهن إشارة زميلي المراكشي، رغم أنه كان يبدو لي في غير حاجة إليه نظرا لقضاء معظم أوقاته في صحبة صديقه المتحدر من أبي الجعد والذي يسكن حاليا في منزل يتوسط الدوار ويتخلله الهواء وضوء النهار. في مستهل شهر مارس الموالي، أمرني المعلم الأول بالانتقال إلى منزل آخر، بيد أنه أكثر تهوية وأقل ظلمة من الذي كنت فيه. الآن، تأكد لي بالملموس وعن يقين أن المعلمين الإثنين يحتفظان بمفاتيح أكثر من منزل واحد في دوار أكويم..بإمكانهما، إذن، أن يساعداني على إيجار سكن بالقرب منهما في قلب الدوار لو حسنت إرادتهما..لكن شيئا من ذلك لم يحدث.. جالت بخاطري عدة أسئلة عن موقفهما هذا إزائي.. أخيرا، عرفت أن وراء الأكمة ما وراءها.. لم يخامرني أدنى شك في وجود المعلم المكلف مؤقتا بإدارة م/م تامسطينت – الواقعة في تراب جماعة تيدلي التي يشرف عليها جبل توبقال – وراء هذه الحظوء التي يتمتع بها المعلمان لدى أهالي الدوار، رغم عزوبيتهما. إلى جانب ذلك، لمست كيف أن المعلم “ولد البلاد” الذي أنبت منابه لا يعاملني بنفس الطريقة التي يعامل بها الآخرين الإثنين. ظلت هناك مسافة تفصلني عنه.. لست أدري لماذا صمم على تعميق بونها وتمديد أبعادها، مع أنه لم يسبق لي أن تعرفت إليه، ولم يحدث بيننا سابقا أي طارئ نم عن سوء فهم متبادل أو من طرف واحد..
لهذا كله، استبعدت من ذهني وخيالي كليهما إمكانية الإقامة في أحد منازل الدوارعلى غرار زميلاي الإثنين.. سيناريو المؤامرة التي حيكت ضدي في الخفاء من قبل المعلمين الثلاثة يقتضي أن تكون إقامتي بشكل شبه قار خارج أسوار الدوار؛ يعني في الأوطيل.. كظمت عيظي، تحاشيت الدخول معهم في مواجهة مباشرة قد أكون فيها أنا الخاسر الأكبر..استسلمت لخطتهم المبيتة طمعا في الاستفادة من مسعاهم وتوسطهم لصالحي لدى أصحاب البيوت المعدة للكراء في الأوطيل.. في انتظار حصول ذلك، كنت أقضي جزءا من بياض نهاراتي مع تلاميذ القسمين الثالث والرابع.. كنت أستقبل كل واحد منهما على حدة بالتناوب مع معلمة بدت لي غريبة الأطوار لسماحها لشاب من الدوار بالتواجد معها بداخل القسم بدون مبرر معقول..
عندما ينتهي وقت عملي، كنت أنزل للأوطيل لإقامة أودي وأخذ قسط من الراحة في المقهى الواقعة في الزاوية العليا للطريق غير المعبدة المؤدية طرا إلى جماعة تيدلي..أحيانا، أستغل جلوسي في المقهى في تحضير ما هو مطلوب مني من وثائق وجذاذات..
في يوم من هذه الأيام، بينما كنت أجول بين صفوف القسم الثالث لمراقبة أعمال المتعلمين خلال إحدى الحصص، دنوت من أحدهم.. راعني شحوبه الظاهر للعيان.. ملامحه تشي بأنه ليس على ما يرام.. كيف ننتظر من طفل بمثل هذه الحالة المزرية أن يشارك في الحصص الدراسية بهمة ونشاط؟! ليت الأمر وقف عند حد الشحوب والذبول! ولكم أشفقت لحاله إشفاقا مشوبا بأسف عندما رأيت أذنيه يغمرهما القيح! أخذت في الحال ورقة بيضاء، سودتها بعبارات فرنسية كلها استعطاف موجه لطبيبة البعثة المسيحية أن أسعفي التلميذ الماثل أمامك بدواء يعالج تقيح أذنيه..طويت الورقة..ناولتها للطفل المريض آمرا إياه بأن يذهب حالا عند الطبيبة ويقدم لها الورقة المطوية بطريقة لا تخلو من أدب..
فعلا، تحقق المراد وعاد التلميذ في وقت وجيز ماسكا بيده الدواء والانشراح باد على محياه.. في أقل من يومين، لاحظت أن صحة الطفل تحسنت وأن أذنه من القيح تخلصت..لم أكن في حاجة إلى سؤال أصدقائه/أقرانه عن من يكون أبوه، لأن لقبه العائلي كاف لأن يدلني على كونه من صلب المعلم المكلف بشكل مؤقت بالتسيير الإداري للمجموعة المدرسية تامسطينت التي تخلى عنها مجبرا لا بطل مديرها السابق تاركا الجمل وما حمل.


ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5