كتاب في الثقافة المغربية لادريس علوش مديح الهوامش

العرائش أنفو
كتاب ” في الثقافة المغربية ” لادريس علوش مديح الهوامش
بقلم عزيز قنجاع

عن دار السليكي اخوين، وبدعم من وزارة الثقافة، صدر للشاعر والناقد ادريس علوش كتاب “في الثقافة المغربية” والكتاب الذي جاء في الحجم المتوسط وتصل عدد صفحاته الى 124 صفحة تضمن مجموعة من المواضيع المتفرقة، فما ثمة ما يدفع اي كاتب ان يجمع في كتاب مقالات تشترك فيما بينها في موضوع ، ولا ما يجبره ان يجد لها ارضية او نسيجا يربط الفواصل فيما بينها ، غير ان كتاب ادريس علوش “في الثقافة المغربية” ورغم العنونة التي تحيل الى تقاطعات ضرورية عمومية، لا تضغط جميعها في اتجاه وحدة الاشكال بسبب التعويم العام الذي يفرضه اصطلاح الثقافة الذي يديل عنوان الكتاب، وبسبب المواضيع المعالجة فيه، حيث ينكب بعضها على بعض في ادبار واقبال متشابك، كل مقال يحيل الى معنى في المقال السابق دون ان يشترك معه في الموضوع، حيث تستوي النصوص في كتاب ” في الثقافة المغربية” كتجارب، وتتحول التجارب ضربا من النصوص، وكأن التجارب لا تطال الا بالنصوص او هكذا هو قدرها عند ادريس علوش.
ما لا يحيط به الادب ولا يلم به الشكل هو موضوع الكتاب. فالكتاب ينغمس في الفوارق وفي التواريخ وفي التجارب المتعددة الاسماء، للآنات متغيرة يلفها مكان متفاعل حي ومتغير وزمن منفلت عن ضوابطه منكرا ” اعني الكتاب” عليهما احتواء ما لا يتحقق الا فيهما او بواسطتهما .
تيمات كتاب ادريس علوش تلملم اطراف الزمن من خلال التجارب وترتق فتقا قائما بين الشكل والمضمون، بين الشعر الملتزم و الاغنية الملتزمة، وتوصل فرقا بين الزمان والمكان، فالاغنية الامازيغية كما سماها ادريس علوش ” الجرح الانساني المستلهم من التاريخ و الارض” ترسم المسافة القائمة بين الانتروبولوجي والتاريخي وتعيد صياغة الزمن بدكاء المكان وتجربته الخاصة به كمعطى، و بين الاشكال العقلاني عند محمد عابد الجابري وبحثه العميق في محددات العقل العربي ومضامين الثقافة الشعبية من خلال زجلها و اسمائها.
الكتاب يؤكد على الترابط بين الخاص في اقصى خصوصياته وبين النصوص الناقلة للتجارب الوجودية للحيوات المبدعة، فتنضغم الامكنة والدوات ، فبين طنجة وشكري تنافر وتلاحم وبينهما يتشكل خيط رفيع يجسر مناطق التماس عبر الثلاثي كما استحضرهما علوش المتخيل والخيال والمخيال، يبغي احدها على الاخر رغم البرازخ والحدود الصارمة، وتصبح حدثية الأحداث الروائية ضربا من الوقائع المبنية على ركام خراب التجارب الشخصية، تنزع عنها واقعيتها في الوقت الذي تحشرها في رزنامة الرؤيا هكذا يحضر الشاعر عبد الله زريقة في كتاب” في الثقافة المغربية” لادريس علوش، منفي ابداعيا في الوقت الذي تستعيد فيه قصائده الوطن ومشاكله السياسية والاجتماعية، ازريقة هنا توازن بين اغتراب الذات الشاعرة وحضور الذات المناضلة، الحاضرة، المقاومة، تحفر اللغة الشعرية لزريقة هنا سراديبها السرية لتتحق ثنائية العزلة الشخصية والحضور الفاعل، ولا يفلت من هذه الثنائية كل الشخصيات المرصودة في كتاب ادريس علوش فجون جنيه دفين العرائش او حتى ادموند عمران المليح اليهودي المغربي ، فجون جنيه لم تستمد أعماله مادتها من الشروط وظروف وجوده مباشرة، او كما كان يجب ان تكون. بل استمد هيولاها الاولى من تلك الثقافة التي يصفها بمثل ذلك النوع من التبصر والالمعية ولكن تحققها تم بالابتعاد المعضل عنها ، لذا نجده وبصفة قبلية وكمعطى ومنطلق يتمنى ان لا يتغير العالم لكي يمكنه ان يقف دائما ضده، لاذ ان فكرة الجماعة الثقافية القومية ككينونة ذات تحقق في مواجهة غيرها من الكينونات الاخرى تحظى بالتحديد باكمل درجات الوجود التام عنده في الوقت الذي يعمد الى خدش جلال الجماعة التي تركته على رصيف محك الحياة و قساوتها حسب تعبير ادريس علوش وحتى ادموند عمران المليح لا تكتمل ايهاب استخطاطياته الثقافية الا عندما يعلن للملأ او على انفراد انه لا يعرف شيئا اسمه اسرائيل،
ان النماذج التي اختارها علوش والتجارب التي يتناولها والتي ضمنها كتابه “في الثقافة المغربية” لا يستغرقها بنفسه بل يستحضرها من خلال الشهادات التي خبرتها او عايشتها، هي نماذج تحولت بفعل الواقع المفارق والاستيلاب والاغتراب والعزلة الشخصية والمنفى الداخلي، كل هذه الاوصاف التي اختار علوش ان يضفيها على شخصياته المتناولة في كتاب ” في الثقافة المغربية ” استطاعت ان تحول هذه المثبطات الى انتاج ابداعي ايجابي من النصوص الراقية، انها نماذج اختارت الوقوف بين الثقافة السائدة و بين الأشكال والنماذج السردية التي ترصد الفوارق وتقبع فيما بينهما.
عندما يبتعد ادريس علوش عن الشخوص المبدعة و ينتقل الى نقاش القضايا الثقافية التي تعتمل داخل الجسم الثقافي المغربي، كالاغنية الملتزمة، والشعر الملتزم، و قضايا الاغنية الامازيغية والشعر العامي او الزجل، وكذلك الشعر الامازيغي وقضاياه، وهنا يلاحظ القارئ مدى انزياح هذه القضايا الى مصاف القضايا التي تدخل في صلب الجانب الثقافي من السياسة، او في صلب الاستراتيجيات السياسية للثقافة، وبالتالي فالموقف أساسي في المعالجة سواء من خلال مسائل متعلقة بالمنهج او من خلال الانحيازات المفترض انها تتوثب للانقضاض على النتائج و الخلاصات، يسلك علوش مسلكا جديدا فهو يقفز على كل الإشكالات التي صاحبت الكتابات النقدية المغربية حول هكذا قضايا ويعفي نفسه من الانتصار لإحداها على الأخرى و ويتحاشى استذكارها او التذكير بها ، ويصل مباشرة الى وضعها الراهن يعالجها لا من حيث مدى اندراجها في باب الثقافة ام الفلكلور؟ أهي تعبير مطابق ام استدعاء انتروبولوجي للثقافة؟ ، بل بالمدى الذي نحثته لنفسها و تموضعاتها الراهنة فيما بعد كل ذاك الضجيج الايديولوجي الذي صاحب هذه الظواهر الادبية والتعبيرية، يكتفي ادريس علوش بتناول مورفولوجي للقضايا، ففي الوقت الذي ينحو منحى ايجابيا في توصيفها كقضايا اساسية من الواقع الثقافي المغربي من حيث تموضعها الراهن، لايضع علوش موضع تساؤل مدى التطابق الحاصل بين التطور الذي عرفته هذه الاشكال التعبيرية ومطابقتها للهم الحداثي؟ والى اي حد ساهمت هذه البنى التعبيرية التي نجدها عند ادريس علوش مستوية القيمة التعبيرية في تعميم عقلية تقليدية حين تحاول ان تطابق بين شكلها والظروف الذي امتاحت منه قولها وهنا قد تكون من حيث لا تدري تعمل على تأصيل التخلف على مستوى الذهن؟.
ان قارئ كتاب ادريس علوش لا يسعه في الاخير الا ان يصفق لهذا المجهود الكبير الذي يبسط بوعي ثقافي اهم الخطوط و المنحنيات التي اثرت و تاثرت بالاجواء الثقافية في مسار متمعج باسئلة طرحت واخرى يعاد صياغتها الان، وبينهما يبقى هذا الكتاب صلة وصل حد الحدق بين القائم و المأمول .
