ads980-90 after header
الإشهار 1

العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا

الحلقة 3: العدوان على فينزويلا بين العجز السياسي لواشنطن وتجريم مادورو المنتخب

الإشهار 2

الحلقة 3: العدوان على فينزويلا بين العجز السياسي لواشنطن وتجريم مادورو المنتخب

العرائش أنفو

العلمي الحروني

حين تستحضر فنزويلا في الخطاب السياسي الأمريكي، غالبا ما تقدم للرأي العام بوصفها “دولة مارقة”، أو “تهديدا أمنيا”، أو “مصدرا للفوضى والهجرة والمخدرات”. غير أن هذا الخطاب نفسه يكشف مفارقة لافتة وسط الشعب الأمريكي الذي يتحفظ عليها بل يرفضها فالسياسات العدوانية تجاه فنزويلا لا تحظى بشرعية شعبية داخل الولايات المتحدة، ذلك ما تؤكده عدة استطلاعات التي تظهر أن المزاج العام الأمريكي المعارض لأي تدخل عسكري في فنزويلا، مثل مؤسسة Chicago Council on Global Affairs، التي أعلن عن أن حوالي 70% من الأمريكيين ضد أي عدوان لإسقاط الحكومة الفنزويلية بالرغم من الخلافات السياسية الحادة مع نظام مادورو وهي نسبة في تزايد خاصة وسط الشباب والناخبين المستقلين والتيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي.
لا يأتي هذا الرفض الشعبي من فراغ، فمنذ حرب العراق سنة 2003، وما تلاها من كلفة بشرية واقتصادية باهظة (أكثر من 4 500 قتيل أمريكي وتكلفة تجاوزت تريليوني دولار بحسب جامعة براون)، أصبح المجتمع الأمريكي أكثر تشككا في جدوى “الحروب الخارجية”، وتظهر بيانات Pew Research Center أن ثقة الأمريكيين في التدخلات العسكرية كأداة لحل النزاعات الدولية تراجعت بشكل حاد خلال العقدين الأخيرين.
في هذا السياق، تبدو فنزويلا حالة نموذجية لانفصال القرار السياسي عن المزاج الشعبي. فالإدارة الأمريكية، سواء في عهد ترامب أو بايدن، واصلت سياسة “الضغط الأقصى”: عقوبات اقتصادية خانقة تصاحبها تهديدات متكررة ومحاولات لعزل النظام دوليا. هذا التوجه العدواني لا يقنع الرأي العام الأمريكي ويعتبر أن فنزويلا لا تشكل خطرا مباشرا على أمنه القومي.
أحد أسباب هذا الفشل هو غياب سردية تهديد مقنعة يتجلى في كون أن فنزويلا لا تمتلك قدرات عسكرية هجومية ولا تسعى إلى تصدير نموذجها بالقوة كما لا تشكل تهديدا استراتيجيا شبيها بما روج له كذبا سابقا في العراق أو أفغانستان. وحتى ملف المخدرات، الذي تحاول واشنطن توظيفه لتبرير سياساتها، لم ينجح في تعبئة الرأي العام. إذ تظهر تقارير إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA)نفسها أن الجزء الأكبر من تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة يمر عبر المكسيك وأمريكا الوسطى وليس عبر فنزويلا.
إلى جانب ذلك، يدرك قطاع واسع من الأمريكيين أن العقوبات الاقتصادية لا تعاقب الأنظمة بقدر ما تعاقب الشعوب، ولقد ساهمت العقوبات الأمريكية فعلا في تدهور النظام الصحي والغذائي في فنزويلا، وأسهمت بشكل غير مباشر في آلاف الوفيات خلال سنوات قليلة. ما غذى الخطاب النقدي وسط الأوساط الأكاديمية والإعلامية الأمريكية التي تربط بين العقوبات والانهيار الاجتماعي والهجرة الجماعية.الهجرة نفسها تحولت إلى عامل ارتدادي في الداخل الأمريكي. فبينما تستعمل أزمة الهجرة الفنزويلية لتبرير الضغط على كراكاس، يرى جزء متزايد من الرأي العام أن السياسات الأمريكية هي أحد أسباب هذه الأزمة. وقد صرح السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز في أكثر من مناسبة بأن “تجويع الشعوب بالعقوبات لا يخدم الديمقراطية ولا الاستقرار”.
لا تمثل فنزويلا أولوية قصوى للناخب الأمريكي كما تؤكده استطلاعات الشركة الأمريكية المتخصصة في استطلاعات الرأي وأبحاث الرأي العام الأمريكي والتحليل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي Gallup، خلافا لقضايا التضخم والرعاية الصحية والوظائف و والهجرة، وهذا ما يضع أي إدارة أمريكية أمام معادلة صعبة تتمثل في التصعيد الخارجي دون تفويض داخلي.
إن الإختطاف الهوليودي للرئيس نيوكولاس مادورو وزوجته المنتخب ديمقراطيا، وتشويهه أما العالم إعلاميا في الشوارع هي ممارسة مدانة تذكرنا بـ “فرجة” إخراج الرئيس صدام حسين من قبو وتصويره وكأنه في حالة خوف وجبن في حين عبر عن شجاعة لا تضاهى لحظة إعدامه شنقا يوم عيد الأضحى ، تماما كما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية مع الرئيس معمر القدافي بإخراجه من ” مجرى الصرف الصحي” في فيلم مصنوع والاعتداء عليه بالعصي والخناجر وهو يقول للمعتدين من الخونة الليبيين ” أنا أبوكم.. أمريكا هي الطاعون وهي عدوة الشعب الليبي”.
في المحصلة، تكشف حالة فنزويلا عن مأزق بنيوي في السياسة الأمريكية، إدارة تسعى إلى فرض إرادتها خارجياً، في وقت لم تعد تمتلك فيه القدرة على إقناع شعبها بجدوى هذه السياسات. ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي الذي تمثله فنزويلا على واشنطن ليس عسكرياً ولا أمنياً، بل يتمثل في كونها مرآة لانحسار الشرعية الداخلية للإدارة الامريكية مغامراتها الأمريكية.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5