العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا
الحلقة الثانية: كيف يدار الهجوم الامبريالي على فنزويلا دون غزو

العدوان الإمبريالي الأمريكي-الغربي على فنزويلا
الحلقة الثانية: كيف يدار الهجوم الامبريالي على فنزويلا دون غزو
العرائش أنفو
العلمي الحروني
إذا كانت الحلقة الأولى قد كشفت عن توجه الولايات المتحدة الحالي وتحويل قوتها إلى آسيا للتركيز على الصراع مع الصين بسبب التوزيع العالمي الجديد للقوة ما دفعها إلى ضرورة هيكلية قوية جديدة وتحويل الموارد من أوروبا الى منطقة شرق آسيا بالتحديد، وهو ما سبق أن عبرت عنه هيلاري كلينتون بقولها الشهير سنة 2011 “اذا تحولت إلى مكان فانك تبتعد عن مكان آخر”، كما كشفت الحلقة الأولى تفكك الأساس القانوني والأخلاقي للهجوم على فنزويلا، فإن هذه الحلقة الثانية ستظهر كيف تدار هذه المواجهة عمليا دون إعلان حرب صريحة. فمنذ حملته الانتخابية، لم يخفِ دونالد ترامب تبنيه سياسة تغيير النظام في فنزويلا، لكنه، بعد وصوله إلى السلطة، وجد نفسه عاجزا عن تنفيذ هذا الخيار عسكريا، فلجأ إلى استراتيجية الضغط طويل الأمد.
تجلى ذلك بوضوح في تغريدة ترامب بتاريخ 29 نوفمبر 2025، التي أعلن فيها أن المجال الجوي فوق فنزويلا «مغلق بالكامل». هذا الإعلان لا يستند إلى أي قرار عسكري أو دعم من البنتاغون أو القوات الجوية الأمريكية، ولا يرقى إلى فرض منطقة حظر جوي، لأن ذلك يعد عملا حربيا صريحا يستدعي ردا دفاعيا مباشرا مبررا من طرف فنزويلا حيث اعتبرت، ومعها العالم، أن ما فعله ترامب هو استعراض تهديدي استفزازي فقط.
عندما سئل عن معنى هذا القرار، لم يقدم تفسيرا قانونيا أو عسكريا، وإنما لجأ إلى خطاب دعائي يتحدث عن الهجرة والعصابات والسجناء، في تهرب واضح من السؤال الأساسي: هل الضربة الجوية وشيكة أم لا؟ والجواب الضمني كان واضحا: لا توجد ضربة، ما فهم منه العالم أنها محاولة ابتزاز سياسي واقتصادي.
بعض شركات الطيران، مثل طيران الإمارات ولوفت هانزا الألمانية، علقت رحلاتها إلى كراكاس، بينما لجأت شركات أخرى إلى ترتيبات التفاف عبر أمريكا الوسطى واللاتينية. وردت الحكومة الفنزويلية بالتأكيد على أن أي شركة تمتثل لهذه التهديدات ستفقد تصاريحها، في ما يشبه عقوبات اقتصادية مقنعة بلباس عسكري، لا يفرضها الجيش ولا يملك الرئيس أساسا قانونيا لفرضها.
في الوقت نفسه، جرى حشد قوات ومعدات في بورتوريكو وترينيداد، بما في ذلك قدرات جوية وبحرية وحاملات طائرات، بكلفة تتجاوز مليار دولار. غير أن هذا الحشد ظل بلا ترجمة عملياتية، لأن غزو فنزويلا لا يحمل أي ضرورة استراتيجية حقيقية، ولأن كلفته السياسية والعسكرية ستكون مرتفعة داخليا وخارجيا.
الرهان الأمريكي هنا ليس الحسم، بل الإرهاق: تهديدات متواصلة وعقوبات وضغط اقتصادي، ومحاولات عزل دولي، على أمل دفع الحكومة الفنزويلية إلى الانهيار من الداخل دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. غير أن هذا الرهان يصطدم بواقع الدعم الشعبي للدفاع عن السيادة وبقدرة المجتمع الفنزويلي على تحمل هذا النوع من الضغط لفترات طويلة. ومن المفارقات العجيبة أن دونالد ترامب الذي هاجم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بدعوى استخدامها في التدخل في شؤون الدول الأخرى، انتهج في فنزويلا السياسة نفسها التي اتهم غيره بممارستها، لكن بأسلوب أكثر فجاجة وابتزازا.
في هذا السياق، لم يصمد أي ادعاء أو تبرير كأساس لغزو فنزويلا أو مهاجمتها. ففنزويلا لا تشكل خطرا عسكريا، ولا تمثل تهديدا وجوديا أو جيوسياسيا للولايات المتحدة، وكل ما يروَج حول “دولة مخدرات” أو “بؤرة إرهاب” أو” مصدر الهجرة السرية” لا يعدو أن يكون تضخيما دعائيا يفتقر إلى المصداقية. واستحضار تجارب تاريخية مثل فيتنام يفضح منطق التبرير نفسه: نظرية الدومينو التي استخدمت لتسويغ التدخل هناك قادت في النهاية إلى مقتل حوالي 58 ألف جندي أمريكي، بعد تورط واشنطن في انقلاب واغتيال رئيس فيتنام الجنوبية سنة 1963، دون تحقيق أي نصر استراتيجي. الدرس الذي لم يستوعب بعد هو أن غياب التهديد الحقيقي، مقرونا بتغليب الحسابات الأيديولوجية على الوقائع، يقود دائما إلى مغامرات مكلفة وفاشلة. وبذلك، تبدو فنزويلا اليوم إعادة إنتاج لنمط قديم: تدخل بلا أساس قانوني ودون مبرر أخلاقي أو ضرورة استراتيجية، سوى رفض واشنطن القاطع لوجود حكومة يسارية مستقلة في مجالها الجيوسياسي المباشر وطبعا نهب النفط الفينزويلي وكافة خيراتها خارج القانون.
المعضلة الحقيقية لإدارة ترامب ليست كيف تهاجم فنزويلا، بل كيف تنسحب من دون هزيمة معلنة كما حدث في أفغانستان مثلا. فالتراجع الصريح يضر بقاعدته السياسية، والمغامرة العسكرية تهدد بانفجار إقليمي وبرما عالمي، وهكذا تتحول القوة الأمريكية إلى قوة تهديد لا فعل، وتتحول فنزويلا إلى نموذج لعالم لم تعد فيه الهيمنة العسكرية كافية لفرض الإرادة السياسية.
في المحصلة، يكشف العدوان الغادر الأمريكي على فنزويلا حدود القوة خارج الشرعية والضرورة الاستراتيجية. وهو في نموذج يعكس تحولا أعمق في النظام الدولي حيث لم تعد الهيمنة كافية لفرض الإرادة السياسية. وهكذا تتحول فنزويلا إلى مرآة لانحسار القدرة الأمريكية على الإملاء، وإلى دليل على أن عالم ما بعد الأحادية القطبية بات واقعا لا يمكن تجاوزه.
( يتبع).
