رفع السرية عن الأرشيف الاستعماري… هل تقترب لحظة الحقيقة؟

العرائش أنفو
رفع السرية عن الأرشيف الاستعماري… هل تقترب لحظة الحقيقة؟
بقلم محمد اعبيدو
في الوقت الذي تتجه فيه كل من فرنسا وإسبانيا إلى رفع السرية عن أجزاء مهمة من أرشيفهما الاستعماري، يترقب المؤرخون والباحثون والرأي العام بكثير من الاهتمام ما قد تحمله تلك الوثائق من معطيات جديدة حول مرحلة من أكثر مراحل تاريخ المغرب تعقيدًا وحساسية.
فالأرشيف ليس مجرد أوراق محفوظة في الخزائن، بل هو ذاكرة الأمم وشاهد الزمن الصامت الذي قد ينطق بعد عقود طويلة بما عجزت عن قوله الروايات الرسمية أو ما أخفته المصالح والحسابات السياسية. وعندما يتعلق الأمر بفترة الاستعمار، فإن قيمة الوثيقة تتضاعف لأنها قد تكشف تفاصيل ظلت حبيسة السرية لعقود، وقد تضيء زوايا بقيت معتمة في الوعي الجماعي والتاريخ الوطني.
إن رفع السرية عن هذه الوثائق يفتح الباب أمام أسئلة كبرى ظلت مطروحة داخل المجتمع المغربي: كيف كانت تدار البلاد خلال الحقبة الاستعمارية؟ ومن كانوا حلفاء الإدارة الاستعمارية؟ وما طبيعة العلاقات التي ربطت بعض النخب المحلية بمراكز القرار الأجنبية؟ ومن استفاد من منظومة الامتيازات التي أنشأها الاستعمار؟ وكيف انتقلت السلطة والثروة والنفوذ بين الأجيال؟
قد تحمل الوثائق أجوبة دقيقة عن بعض هذه الأسئلة، وقد تكشف حقائق لم تكن معروفة من قبل، أو تؤكد ما ظل يتداوله الباحثون والمؤرخون منذ سنوات. كما قد تفرض إعادة قراءة العديد من الأحداث والشخصيات بعيدًا عن التقديس أو الشيطنة، وبمنهجية علمية تضع الحقيقة فوق كل اعتبار.
غير أن الأكيد هو أن التاريخ لا يُبنى على الأساطير، ولا يستقيم على التزييف، ولا يمكن أن يظل رهينة لرواية واحدة مهما طال الزمن. فالأمم الحية هي التي تمتلك الشجاعة لمواجهة ماضيها كما كان، لا كما أراد البعض أن يقدمه للأجيال.
لقد آن الأوان لأن يتصالح التاريخ مع الحقيقة، وأن تُفتح الملفات المغلقة أمام الباحثين والمؤرخين والرأي العام، لأن معرفة الماضي ليست رغبة في الانتقام من أحد، بل هي شرط أساسي لفهم الحاضر وبناء المستقبل.
ويبقى السؤال الذي يشغل الكثيرين: هل ستكشف هذه الوثائق أسرارًا قادرة على إعادة رسم بعض صفحات التاريخ المغربي؟ وهل ستسقط أقنعة صنعتها الدعاية والنفوذ عبر عقود طويلة؟ أم أن ما سيخرج إلى العلن لن يكون سوى جزء محدود من الحقيقة الكاملة؟
مهما تكن الإجابات، فإن المؤكد أن ذاكرة الشعوب أقوى من النسيان، وأن الحقيقة قد تتأخر، لكنها نادرًا ما تموت. فالتاريخ، في نهاية المطاف، ليس ملكًا للأفراد ولا للعائلات ولا للنخب، بل هو ملك للأمة بأكملها، ومن حق الأجيال أن تعرف كيف كُتبت فصوله، ومن صنع أمجاده، ومن أخطأ في حقه، ومن دفع ثمن حريته وكرامته وسيادته.
