حين يدخل المقدس إلى صندوق الاقتراع
توظيف الدين والرموز الدينية في انتخابات 2026 يفتح نقاشاً حول أخلاقيات المنافسة السياسية

العرائش أنفو
حين يدخل المقدس إلى صندوق الاقتراع
توظيف الدين والرموز الدينية في انتخابات 2026 يفتح نقاشاً حول أخلاقيات المنافسة السياسية
بقلم: محمد اعبيدو الشريف العلمي
لم تكن الانتخابات التشريعية المغربية لـ23 شتنبر 2026 مجرد محطة لاختيار ممثلي الأمة داخل مجلس النواب، بل كانت أيضاً مناسبة لإعادة طرح سؤال بالغ الحساسية يتعلق بحدود العلاقة بين المجال الديني والمجال السياسي، وبمدى احترام قدسية الدين ورموزه بعيداً عن التوظيف الانتخابي والاستقطاب السياسي.
وفي هذا السياق، جاءت ملاحظات المجلس الوطني لحقوق الإنسان لتسلط الضوء على ظاهرة تستحق نقاشاً وطنياً هادئاً ومسؤولاً. فقد أعلن المجلس، في تقريره الأولي حول ملاحظة الانتخابات، عن رصد 44 حالة تضمنت توظيفاً صريحاً للرموز الدينية في الحملة الانتخابية، إلى جانب 6 حالات لحملات انتخابية داخل أماكن العبادة. كما سجل محاولات لتقديم التنافس الانتخابي وكأنه مواجهة بين «كفار» و«مسلمين»، أو بين من هو «مع الدين» ومن هو «ضده».
هذه المعطيات لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها أرقاماً واردة في تقرير انتخابي، وإنما باعتبارها مؤشراً على إشكالية أعمق: متى يتحول الانتماء الديني من قيمة روحية وأخلاقية جامعة إلى أداة للاستمالة الانتخابية؟
الدين أسمى من المنافسة الانتخابية
إن الدين الإسلامي، بما يمثله في الوجدان المغربي من عقيدة وقيم وأخلاق ومرجعية روحية، لا ينبغي أن يتحول إلى ورقة انتخابية تستعمل للحصول على الأصوات.
فالانتخابات مجال للتنافس حول البرامج، والسياسات العمومية، والقدرة على خدمة المواطنين، والدفاع عن المصالح الوطنية، وتقديم الحلول لمشاكل المجتمع. أما الدين، فينبغي أن يظل فوق الحسابات الانتخابية الضيقة، لأن تحويل المقدس إلى وسيلة للاستقطاب قد يؤدي إلى تقسيم المجتمع إلى مؤمن وغير مؤمن، ومتدين وغير متدين، و«مع الدين» و«ضده».
وهنا تكمن خطورة توظيف المقدس: فالاختلاف السياسي مشروع، أما تحويل الاختلاف السياسي إلى اتهام ديني فهو أمر مختلف تماماً.
من الرمز الديني إلى “شرعية انتخابية” مصطنعة
المشكلة لا تتوقف فقط عند استعمال آية قرآنية أو رمز ديني أو صورة ذات حمولة روحية في حملة انتخابية، وإنما تصبح أكثر تعقيداً عندما يُراد من هذه الرموز أن تمنح مرشحاً أو لائحة انتخابية نوعاً من الشرعية الدينية التي لا تمنحها صناديق الاقتراع.
فالمواطن لا ينبغي أن يُدفع إلى التصويت لمرشح لأنه قدم نفسه باعتباره «الأكثر تديناً»، أو لأنه حاول تصوير منافسيه باعتبارهم أقل التزاماً بالدين.
المعيار الديمقراطي هو أن يُحاسَب المرشح على برنامجه، ومواقفه، ونزاهة ممارسته، وقدرته على خدمة المواطنين، وليس على مقدار ما يستطيع توظيفه من الرموز الدينية في حملته.
حين تصبح أماكن العبادة مجالاً للحملة
أما رصد حملات انتخابية داخل أماكن العبادة، فهو يطرح سؤالاً أكثر حساسية.
فالمسجد مكان للعبادة والذكر والتوجيه الديني، وليس فضاءً للمنافسة الحزبية أو الانتخابية. وحماية حياد أماكن العبادة لا تعني إبعاد الدين عن المجتمع، وإنما تعني حماية المقدس من أن يتحول إلى مجال للصراع السياسي.
والمجتمع المغربي، بما راكمه من تقاليد دينية وروحية ومؤسساتية، في حاجة إلى الحفاظ على هذا التوازن: الدين حاضر في حياة المغاربة، لكنه ليس سلعة انتخابية.
المقدس والإشراف والانتساب: أين تنتهي الرمزية وتبدأ الدعاية؟
ومن بين الإشكالات التي تستحق النقاش أيضاً توظيف الانتساب الشريف أو الرمزية الروحية أو الإشراف في الحملات الانتخابية، عندما يتحول النسب أو الانتماء الروحي من مكوّن تاريخي واجتماعي إلى وسيلة لإقناع الناخب بأن أحد المرشحين يمتلك، بسبب هذا الانتساب، أحقية انتخابية خاصة.
إن احترام الأنساب الشريفة، والزوايا، والعلماء، والرموز الدينية والروحية، لا يعني تحويلها إلى أدوات للمنافسة على الأصوات.
فالانتخابات لا ينبغي أن تكون منافسة بين الأنساب، ولا بين الرموز الدينية، ولا بين من يدعي امتلاك تمثيل حصري للدين، وإنما ينبغي أن تكون منافسة بين برامج وكفاءات ورؤى لخدمة الوطن والمواطن.
وفي المقابل، فإن مجرد حضور رمز ديني أو شخصية ذات مكانة روحية في سياق انتخابي لا يكفي، وحده، لإثبات مخالفة؛ إذ ينبغي التمييز بين التعبير الشخصي المشروع وبين الاستعمال المقصود للمقدس لاستمالة الناخبين. وهذه نقطة مهمة في قراءة ملاحظات المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
مسؤولية الجميع
إن حماية المجال الانتخابي من توظيف الدين ليست مسؤولية الدولة وحدها، ولا المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ولا السلطات الانتخابية فقط.
إنها مسؤولية الأحزاب والمرشحين والفاعلين المدنيين والإعلام والمواطنين أيضاً.
وعلى الأحزاب أن تجعل من البرامج والسياسات العمومية محوراً للتنافس، وعلى المرشحين أن يخاطبوا الناخب بعقل المواطنة لا بمنطق التخويف الديني، وعلى الإعلام أن يميز بين الخطاب السياسي والخطاب الديني، وعلى المواطن أن يختار بناءً على قناعته السياسية والبرنامجية لا تحت تأثير استمالة دينية أو رمزية.
وقد أعلن المجلس الوطني لحقوق الإنسان منذ بداية مسار ملاحظة انتخابات 2026 عن اعتماد ملاحظات وملاحظين للقيام بملاحظة مستقلة ومحايدة، وبلغ عدد الملاحظين المعتمدين 3006 ملاحظين، بما يعكس حجم عملية الرصد التي رافقت الاستحقاق الانتخابي.
حماية قدسية الدين وحماية نزاهة الانتخابات
إن النقاش حول توظيف الدين في الانتخابات لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش ضد الدين، كما لا ينبغي أن يتحول إلى مواجهة مع المتدينين.
المسألة أبسط وأعمق في الوقت نفسه:
نحن بحاجة إلى حماية الدين من الاستغلال السياسي، كما نحن بحاجة إلى حماية الانتخابات من الاستغلال الديني.
فالدين قيمة جامعة، والانتخابات آلية ديمقراطية، ولكل منهما مجاله ووظيفته.
وإذا كان من حق كل مواطن أن يمارس قناعاته الدينية، فمن حق المواطن أيضاً أن يدخل إلى صندوق الاقتراع حراً من كل ضغط ديني أو رمزي أو أخلاقي مصطنع.
إن ملاحظات المجلس الوطني لحقوق الإنسان ينبغي أن تكون مناسبة لفتح نقاش وطني رصين حول أخلاقيات الحملات الانتخابية، وحدود استعمال الرموز الدينية، وضرورة حماية أماكن العبادة من التنافس الحزبي، بما يعزز الثقة في العملية الديمقراطية ويحافظ في الوقت نفسه على مكانة الدين في المجتمع المغربي.
فالمقدس أكبر من أن يكون شعاراً انتخابياً، وصوت المواطن أمانة أكبر من أن يُستمال باسم المقدس.
