خيانة الداخل أم مقاومة التغيير؟ نزار بركة وحسيسن في قلب السؤال السياسي المؤجل !

العرائش أنفو
خيانة الداخل أم مقاومة التغيير؟ نزار بركة وحسيسن في قلب السؤال السياسي المؤجل !
بقلم: عبدالقادر العفسي
يقال إن من لا يهزم من الخارج قد يهزم من الداخل ، وفي الحالة السياسية بمدينة العرائش ، تبدو هذه العبارة أكثر من مجرد حكمة متداولة ، إنها تختزل صراعا عميقا حول من يملك القرار ، ومن يحدد صورة الحزب ، ومن يستفيد من استمرار الوضع القائم ، غير أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في وجود خلافات داخلية ، فكل تنظيم سياسي حي يعرف التعدد والاختلاف ، بل في احتمال تحول الخلاف إلى حملة منظمة لإضعاف القيادة ، وتعطيل المؤسسات ، وإعادة توزيع النفوذ خارج القواعد الديمقراطية والآليات الحزبية المعلنة .
إن المقاطعة الواسعة التي عبر عنها سكان عاصمة الإقليم بالعرائش بل الاقليم ، وفق ما تداوله متابعون وفاعلون محليون ، لا يمكن قراءتها باعتبارها موقفا انتخابيا عابرا أو مجرد رد فعل ظرفي ! إنها ، في جوهرها ، تعبير عن أزمة ثقة مركبة ، تداخلت فيها السياسة بالإدارة ، وتشابكت فيها المصالح الخاصة مع المصلحة العامة ، حتى أصبح المواطن يشعر بأن المؤسسات لا تشتغل دائما من أجل المدينة ، بل أحيانا من أجل حماية توازنات ضيقة وإعادة إنتاج الوجوه نفسها والنفوذ نفسه ، وحين تغيب المصلحة العامة ، وتفشل السلطة في الظهور بمظهر الحكم المحايد ، تتحول السياسة من مجال للتنافس المشروع إلى مجال لإدارة الولاءات ، وتصبح الانتخابات مجرد واجهة لصراع أعمق حول من يملك مفاتيح القرار.
في هذا السياق ، تبدو الحملة الموجهة ضد حزب الاستقلال ، وضد أمينه العام نزار بركة ، وكأنها لم تأت فقط من الخصوم الخارجيين ، بل اتخذت شكل مقاومة من الداخل ، والمفارقة أن التنظيم الذي يفترض أن يكون أداة لتجميع الإرادات قد يتحول إلى ساحة لتفكيكها ، عندما تستبدل المؤسسات بالشبكات ، والقواعد بالولاءات ، والبرامج بمنطق الحماية المتبادلة ، عندها لا يعود السؤال : ماذا يريد الحزب للعرائش ؟ بل يصبح : من يملك الحزب في العرائش ؟ ومن يقرر باسم الحزب ؟ ومن يستفيد من بقائه على الصورة نفسها ؟.
إن منع نزار بركة من تصدر المشهد السياسي بالعرائش ، إن صحت هذه القراءة و هي ثابثة بالوقائع الصلبة ، لا يبدو مجرد اختلاف في التقدير السياسي ، بل محاولة لإعادة رسم حدود الشرعية داخل التنظيم ، فالأمين العام ، بوصفه عنوانا مؤسساتيا وسياسيا للحزب ، لا يستهدف فقط بصفته شخصا ، وإنما بصفته ممثلا لمشروع قد يهدد امتيازات ترسخت مع الزمن ، ولهذا فإن مقاومة حضوره قد تكون ، في العمق ، مقاومة لأي إعادة ترتيب للسلطة المحلية ، أو لأي انتقال من منطق التدبير المغلق إلى منطق المحاسبة والانفتاح .
الأخطر من ذلك أن تتحول موارد الحزب إلى أدوات في صراع داخلي ، وأن تستخدم الرموز التنظيمية والمؤسسات المنتخبة والتمثيليات المحلية لتكريس فكرة أن الحزب ملكية خاصة ، وأن شرعيته في المدينة لا تمر عبر أجهزته الوطنية أو قواعده ، بل عبر شبكة محلية تعتبر نفسها صاحبة الحق الحصري في الكلام والتمثيل والتفاوض !هذه الفكرة ، حتى عندما لا تعلن بصراحة ، تظهر في الخطاب والممارسة حين يقال إن الحزب سيختفي في حال تغيرت موازين النفوذ ، أو إن المؤسسات المنتخبة تظل مرتبطة بأشخاص بعينهم لا بالناخبين ولا بالتنظيم ولا بالقانون .
إن الحزب الذي يختزل في شخص أو مجموعة أو شبكة مصالح يفقد معناه السياسي ، ويتحول إلى جهاز لإعادة إنتاج النفوذ ، أما الحزب المؤسساتي ، فهو الذي يقبل التداول ، ويحتمل النقد ، ويخضع قياداته للمساءلة ، ويعترف بأن الشرعية لا تورث ولا تحتكر ، ولذلك فإن القول إن ” نزار بعيد عنهم ” ! لا ينبغي أن يكون حجة لإقصائه و التحريض ضده من داخل البيت الحزبي ، بل مناسبة لطرح سؤال أكثر جوهرية : هل المطلوب حزب قريب من المواطنين والمؤسسات ، أم حزب قريب من دائرة محدودة تخشى فقدان نفوذها ؟ .
لقد كشفت هذه الأزمة ، على ما يبدو ، عن بنية خفية تشتغل خلف الخطاب الرسمي ، فهناك سلطة معلنة تستمد شرعيتها من القوانين والانتخابات والهياكل ، وسلطة غير معلنة تستمد قوتها من التحكم في المعلومات ، وتوزيع المنافع ، وربط المصالح ، وتحديد من يسمح له بالظهور ومن يدفع إلى الهامش ! وفي مثل هذه البنية ، لا تتم المؤامرة دائما عبر اجتماعات سرية أو قرارات مكتوبة ، بل عبر الإقصاء التدريجي ، والتشويش ، وتفكيك الثقة ، وتقديم الولاء بوصفه معيار الكفاءة ، وتحويل الاختلاف إلى تهمة .
ومن هنا يمكن فهم الدعم الذي قيل إن السيد عبد الإله حسيسن قدمه من خارج الحزب ، باعتباره عنصرا أربك الحسابات التقليدية داخل المشهد المحلي ، فحين يظهر فاعل قادر على تحريك النقاش أو استقطاب جزء من الرأي العام خارج دوائر النفوذ المعتادة ، يصبح وجوده مصدر قلق لمن اعتادوا احتكار التمثيل ، ولا تكمن المشكلة في الدعم السياسي في حد ذاته ، فهو جزء من طبيعة التنافس الديمقراطي ، بل في أن يتحول هذا الدعم إلى ذريعة لبناء جبهة داخلية هدفها حماية ترتيبات قائمة ، أو إلى مبرر لتخوين كل من يطالب بفتح الأبواب أمام وجوه جديدة.
إن تلاقي الرغبة في إسقاط نزار بركة بالعرائش مع حملة قادتها بعض الوجوه الحزبية من لباسه ضد حضوره السياسي ، ومع ما يصفه متابعون برغبة بعض الجهات السلطوية الإقليمية في إسقاط لائحته ، يطرح أسئلة ثقيلة لا يجوز دفنها تحت شعارات الانضباط أو المصلحة العامة ، وإذا صحت هذه المعطيات ، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف حزبي ، بل يصبح تعبيرا عن تحالف موضوعي بين مصالح داخلية تخشى التغيير ، ومصالح إدارية أو سلطوية لا تريد شريكا سياسيا قويا ، وشبكات تستفيد من استمرار الانهيار المؤسساتي في المدينة .
فالمدينة التي تعاني التراجع الإداري ، وضعف الخدمات ، وتآكل الثقة ، لا تحتاج إلى صراع إضافي حول من يملك مفاتيح الحزب ، بل تحتاج إلى سياسة تعيد الاعتبار للمواطن ، وتضع المسؤول تحت المراقبة ، وتفصل بين النفوذ الحزبي والمصلحة العامة ، أما أن تستخدم هشاشة المدينة لتبرير استمرار التحكم ، فذلك يعني أن الأزمة لم تعد في الأشخاص فقط ، بل في نظام كامل من العلاقات يشتغل على تحويل الفشل إلى وسيلة للبقاء .
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي حزب ليس أن يختلف أعضاؤه ، بل أن يفقدوا القدرة على الاختلاف العلني والمؤسساتي ، فحين يمنع النقاش ، تنمو المؤامرة ! وحين تغلق الأبواب ، تنتشر الشائعات ! وحين تحتكر الموارد ، يصبح كل تغيير تهديدا وجوديا لمن راكموا الامتيازات ، لذلك فإن حماية حزب الاستقلال، بالعرائش كما في غيرها من التنظيمات ، لا تكون بالدفاع عن الأشخاص دفاعا أعمى ، ولا بتحويل القيادة إلى صنم ، بل بإعادة الحزب إلى قواعده ، وإلى مؤسساته ، وإلى الناخبين ، وإلى وضوح البرنامج والمحاسبة .
لقد أثبت التاريخ السياسي أن التنظيمات لا تسقط فقط عندما يهزمها خصومها ، بل عندما تتآكل من الداخل بفعل الغرور ، واحتكار القرار ، ورفض النقد ، والاعتقاد بأن المدينة أو الحزب أو المؤسسات ملكية خاصة ، وإذا كانت هناك فعلا حملة داخلية لإبعاد الأمين العام عن المشهد ، فإن الرد السياسي عليها لا ينبغي أن يكون بالانتقام أو التصعيد ، بل بكشف الحقائق ، وفتح تحقيق حزبي مستقل ، وتوضيح طرق تدبير الموارد، واحترام حق جميع الأطراف في التعبير والرد .
العرائش ليست ملكا لحزب ، والحزب ليس ملكا لأشخاص ، والمؤسسات المنتخبة ليست امتدادا لشبكات النفوذ و ليس اداة تنفذ انحراف لبعض مسؤولي السلطة ، ومن يعتقد أن بإمكانه الحفاظ على الوضع القائم عبر إقصاء الآخرين ، قد يكتشف أن الخيانة الأكبر ليست في اختلاف الاخوة ، بل في تحويل التنظيم إلى قشرة فارغة ، والمواطن إلى رقم انتخابي ، والمدينة إلى مجال مغلق تتقاسم مفاتيحه مصالح لا تخضع للمساءلة .
إن ما يجري، إن صحت عناصره و نكررها هي ثابتة بالواقائع الصلبة ، يستدعي من الأمين العام لحزب الاستقلال أن يعيد النظر في طبيعة ما يواجهه بالعرائش : هل هو خلاف عادي داخل حزب ، أم مقاومة منظمة لأي تغيير محتمل؟ وهل يتعلق الأمر برفض شخص ، أم برفض مشروع يهدد توازنات مترسخة ؟ الإجابة عن هذين السؤالين قد تكون المدخل الحقيقي لفهم المشهد ، ووضع حد لمنطق “من يملك الحزب يملك المدينة و اداة للسلطة و المال و النفوذ و التخادم ” ، وإعادة السياسة إلى معناها النبيل : خدمة المواطنين ، لا حماية الامتيازات .
