ads980-90 after header
الإشهار 1

حين تفتح المرأة المغربية بابا جديدا في تاريخ الحكومة

الإشهار 2

العرائش أنفو

حين تفتح المرأة المغربية بابا جديدا في تاريخ الحكومة

بقلم :محمد اليطفتي

ليست كل لحظة سياسية مجرد انتقال من اسم إلى اسم، أو من مرحلة إلى أخرى، فبعض اللحظات تحمل في طياتها معنى يتجاوز الأشخاص، لتصبح جزءاً من ذاكرة الوطن. ولعل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، يوم 29 شتنبر 2026، ينتمي إلى هذا النوع من اللحظات التي تستحق أن تُقرأ بأكثر من زاوية، وأن يُنظر إليها باعتبارها محطة جديدة في مسار المغرب السياسي والمؤسساتي.
فقد أصبحت المنصوري، بموجب التكليف الملكي بتشكيل الحكومة الجديدة، أول امرأة مغربية تتولى رئاسة الحكومة، في سابقة سياسية ومؤسساتية هي الأولى من نوعها منذ استقلال المملكة. وجاء هذا التعيين عقب تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر، في احترام للمقتضى الدستوري الذي يجعل تعيين رئيس الحكومة من الحزب الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها.
غير أن أهمية هذا الحدث لا تختزل في كونه «سابقة نسائية»، كما قد يوحي به التداول الإعلامي الواسع الذي رافق التعيين. فالمرأة المغربية لم تكن غائبة عن الحياة العامة، ولا عن المؤسسات المنتخبة، ولا عن الحكومة أو الجماعات الترابية، بل راكمت خلال العقود الماضية حضوراً متنامياً في مختلف مواقع المسؤولية. الجديد اليوم هو أن هذا المسار بلغ أعلى موقع في هرم السلطة التنفيذية.
ومن هنا، فإن الصورة الأعمق للحدث هي أن المغرب يواصل، بهدوء المؤسسات لا بضجيج الشعارات، إعادة تشكيل علاقة المرأة بالمجال العام وبمراكز القرار. فالانتقال من الحضور إلى القيادة، ومن المشاركة إلى تحمل المسؤولية التنفيذية الأولى، يعكس مساراً مجتمعياً وسياسياً تراكمياً لم يبدأ اليوم، وإن كان قد وجد في هذا التعيين إحدى أبرز محطاته.
ثم إن فاطمة الزهراء المنصوري لا تدخل رئاسة الحكومة من خارج التجربة السياسية. فقد راكمت مساراً في المحاماة والتدبير المحلي والعمل البرلماني والمسؤولية الحكومية والقيادة الحزبية، قبل أن تجد نفسها اليوم أمام أكبر امتحان سياسي في مسيرتها.
لكن المسؤولية الجديدة لا تسمح كثيراً بالاستغراق في رمزية السبق التاريخي. فبعد لحظة الاحتفاء تأتي لحظة العمل، وبعد أن يُسجل التاريخ أن امرأة مغربية وصلت لأول مرة إلى رئاسة الحكومة، سيصبح السؤال الطبيعي هو: ماذا ستفعل الحكومة الجديدة بهذه الثقة؟ وكيف ستترجم نتائج الانتخابات إلى سياسات عمومية تستجيب للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية؟
وهنا تحديداً ينبغي أن يكون النقاش في مستوى اللحظة. فالبلاد مقبلة على مرحلة دقيقة تتقاطع فيها تحديات التشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة والاستثمار، إلى جانب الأوراش الوطنية الكبرى والاستحقاقات المرتبطة بمغرب 2030. ولذلك فإن قيمة التعيين لن تُقاس فقط بكونه حدثاً تاريخياً، وإنما بما سيترتب عنه من قدرة على تشكيل حكومة منسجمة، واضحة الأولويات، وقادرة على تحويل البرامج إلى نتائج ملموسة.
وإذا كان من الطبيعي أن يحظى وصول أول امرأة إلى رئاسة الحكومة باهتمام رمزي واسع، فإن الأهم هو ألا تتحول هذه الرمزية إلى غاية في حد ذاتها. فالمرأة المغربية، مثلها مثل الرجل، تُقاس مسؤوليتها في نهاية المطاف بما تقدمه للوطن وبقدرتها على تحمل أعباء القرار وخدمة الصالح العام.
لقد قال المغاربة كلمتهم في صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر، وجاء التعيين في الإطار الدستوري الذي يلي هذا الاستحقاق. والآن تبدأ مرحلة أخرى: مرحلة بناء الأغلبية، وتشكيل الحكومة، وترجمة الاختيارات السياسية إلى التزامات وبرامج، ثم إخضاع كل ذلك لمنطق المحاسبة السياسية والمؤسساتية.
إن المغرب، وهو يكتب اليوم هذه الصفحة الجديدة، لا يحتفي فقط بأول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة، بل يختبر أيضاً قدرة مؤسساته ونخبه السياسية على جعل هذا التحول امتداداً طبيعياً لتطور المجتمع المغربي.
فالتاريخ قد يسجل اسم أول رئيسة للحكومة، لكن المغاربة سيحكمون على التجربة بما ستتركه في حياتهم اليومية.
ذلك أن الوصول إلى رئاسة الحكومة يصنع سابقة تاريخية، أما النجاح في حمل أمانة المسؤولية فيصنع التاريخ نفسه.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5