العزوف السياسي والانتخابي: انتفاضة صامتة أم انزواء حول الذات؟

العرائش أنفو
العزوف السياسي والانتخابي: انتفاضة صامتة أم انزواء حول الذات؟
قراءة في الأسباب والآثار في ضوء أرضية تيار اليسار الجديد المتجدد
ذ. محمد ابو الغازي ـ قيادي بتيار اليسار الجديد المتجدد
مدخل: سؤال العزوف
هل العزوف السياسي انتفاضة صامتة، أم انزواء حول الذات ينتظر فجر العدل بعد أن استحكم اليأس وضاع المعنى؟ أم هو الأمران معا؟ هذا هو السؤال الذي تفرضه علينا انتخابات 2026، وهو سؤال لا ينبغي أن يتجاهله الفاعل السياسي، ولا أن تعتبره الطبقة الحاكمة مسألة ثانوية.
تروم هذه الورقة تحليل مشهد العزوف السياسي والانتخابي من حيث أسبابه وآثاره، انطلاقا من الأرضية التي يطرحها تيار اليسار الجديد المتجدد، الذي يقرأ العزوف بوصفه مؤشرا على أزمة شرعية عميقة لا على لامبالاة. فنسبة المشاركة الرسمية لانتخابات 2026 كما أعلنتها وزارة الداخلية تبلغ 38.2 % ضعيفة جدا وتعطي تراجعت عن الانتخابات السابقة: بنحو 43% سنة 2016 و50.35% سنة 2021.
أولا- العزوف صرخة في وجه المؤسسات
بعبّر العزوف الواسع عن صرخة مدوية في وجه مؤسسات الدولة بسبب ما يراه كثيرون انحرافات أخلاقية وسياسية، من قبيل الاعتقالات السياسية، وحماية الفساد المالي، والتخلي عن حماية المال العام، وترك المواطنين ضحايا لتضارب المصالح والانتهازية والاحتكار وغلاء الأسعار وهدم البيوت.
ثانيا- تصدع الأيديولوجيا وأزمة الشرعية
يعكس هذا العزوف أيضا التناقض الصارخ بين الأيديولوجيا المعلنة للدولة وسلوكها الفعلي على أرض الواقع، وهو ما يكشف غياب الإيمان الجماعي بتلك الأيديولوجيا. فالأيديولوجيا، في التحليل الماركسي، تؤدي وظيفة تبرير الواقع وإخفاء تناقضاته، فإذا فقدت مصداقيتها أمام التجربة اليومية للناس، تحولت إلى شعار فارغ يعمل كقناع لا يقنع أحدا.
وحين تفشل الدولة في الوفاء بشروط العقد الاجتماعي بينها وبين الشعب، تصبح صورتها الأخلاقية، أي بنيتها الفوقية بتعبير ماركس، وما تنتجه من قبول وإقناع، أهم لهيبتها من جهازها القمعي، لأن القمع لا يعوض فقدان السمعة والشرعية، وهي فكرة تقترب مما طوره غرامشي في مفهوم الهيمنة وألتوسير في أطروحة الأجهزة الأيديولوجية للدولة.
ونسمع كثيرا أن الممارسات السلطوية، وما يتبعها من سلوكات تمس الوجدان الشعبي وتحتقر الضمير الجمعي، تفقد الشعب ثقته في مؤسسات الدولة. وهذا صحيح، لكنه ينتقل بالضرورة إلى المستوى الأيديولوجي أيضا: فمن فقد الثقة في المؤسسات يفقد الثقة في الخطاب الذي يبررها.
ثالثاـ الانتخابات بين النموذج الديمقراطي والواقع المغربي
في الدول الديمقراطية تكون الانتخابات وسيلة لحكم الشعب نفسه، وتنبثق عنها حكومة منتخبة ومسؤولة أمام الشعب، تراقبها مؤسسة تشريعية، وتخضع عملها لقضاء مستقل، في نظام يربط المسؤولية بالمحاسبة، وتؤدي فيه الصحافة دورها كاملا دون مضايقة أو مصادرة لحقوقها.
أما في المغرب، فكما تشير أرضية تيار اليسار الجديد المتجدد، تجري الانتخابات في شروط تفتقد إلى الشفافية الحقيقية، ويغلب عليها منطق المال الانتخابي والقبيلة، ويتزايد فيها العزوف الشعبي. وهذا مؤشر على فقدان الثقة في جدوى المسار الانتخابي الرسمي الذي يتباهى به الحاكمون، في ظل نظام هجين يجمع بين الاستبداد وديمقراطية الواجهة. وتبقى العملية الانتخابية، في هذا السياق، هامشا ديمقراطيا ضيقا أمام التنظيمات السياسية الجادة.
رابعاـ صناعة الخريطة الحزبية
تسترسل الأرضية في سرد وقائع تاريخية متسلسلة بوصفها دليلا على “بلقنة” المشهد السياسي ورسم خريطته من قبل المخزن، وتخلص إلى أن استراتيجية الدولة ظلت قارة منذ الاستقلال، وهي فبركة أحزاب إدارية. وتشمل أبرز المحطات المذكورة:
من الحركة الشعبية سنة 1957.
جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية (الفديك) سنة 1963 والحزب الاشتراكي الديمقراطي في نفس السنة، ثم حزب التجمع الوطني للأحرار (1978) وحزب الاتحاد الدستوري (1983) وصولا الى حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008.
وتستند الأرضية كذلك إلى شهادات شخصيات وطنية، مثل محمد بوستة، وإلى شخصيات من داخل الدائرة الملكية مثل الأمير مولاي هشام، في الحديث عن تزوير الانتخابات. والأدهى أن الأحزاب اليوم فقدت الجرأة على الجهر الرسمي بحقيقة التزوير، إما لأنها تستفيد منه بالمقاعد أو بفتات من المال العمومي، وإما خوفا من فقدان وضعية اعتبارية مزيفة.
ويستدل على هذا الانحدار بتجربة التناوب التوافقي (1998-2002)، إذ يرى منتقدوها أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية استفاد من أجواء انتخابات 1997 في مواجهة حزب الاستقلال، ثم جرى الالتفاف على “المنهجية الديمقراطية” بعد انتخابات 2002، حين عين وزير أول تقنوقراطي, الذي تولى وزارة الداخلية قبلها، رغم تصدر الاتحاد الاشتراكي النتائج، وقبل الحزب المشاركة في الحكومة.
إن هذا كله يعكس هشاشة الحقل السياسي والحزبي المغربي وبؤسه.
خامساـ آثار ودلالات العزوف
أدى هذا الوضع إلى نفور غالبية الشعب من الانتخابات، إما احتجاجا وإما انزواء. وهنا يكمن الجواب عن سؤال المدخل: فالعزوف الاحتجاجي موقف سياسي صامت، يرفض المشاركة في لعبة محسومة سلفا، أما العزوف الانزوائي فتعبير عن يأس وفقدان للمعنى، قد يتحول إلى قطيعة نهائية مع السياسة. وفي الحالتين، هو انتكاسة حقيقية للدولة المخزنية، لأنه يسحب منها ما تسعى إليه الانتخابات أصلا اي إضفاء الشرعية على الاختيارات القائمة.
وفي ضوء أرضية تيار اليسار الجديد المتجدد، فإن التحدي المطروح على اليسار ليس مجرد إدانة العزوف، وإنما تحويل هذا الصمت الاحتجاجي إلى فعل منظم يعيد للسياسة معناها، ويربط الفعل الجماعي بمطلب العدل والكرامة والمحاسبة.
