الأفروسنتريك بين البحث عن الجذور وسؤال الهوية: شمال أفريقيا في قلب النقاش

العرائش أنفو
الأفروسنتريك بين البحث عن الجذور وسؤال الهوية: شمال أفريقيا في قلب النقاش
في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك السرديات، لم يعد الصراع مقتصراً على الجغرافيا أو السياسة، بل امتدّ ليطال الذاكرة والتاريخ والهوية. وفي خضم هذا الجدل، برزت أطروحات “الأفروسنتريك” كإحدى أكثر القضايا إثارة للنقاش، بين من يراها محاولة لإعادة الاعتبار لجذور أفريقية مهمشة، ومن يعتبرها قراءة انتقائية قد تُستغل لإعادة تشكيل الوعي الجماعي.
لكن، بعيداً عن منطق المؤامرة أو التبسيط، يظلّ السؤال الأعمق: كيف نفهم هوية شمال أفريقيا؟ ومن يملك حق سرد تاريخها؟
1. شمال أفريقيا: فسيفساء حضارية ودينية لا تقبل الاختزال
تمتدّ رقعة شمال أفريقيا من المغرب إلى مصر مروراً بـالجزائر وتونس وليبيا وصولاً إلى موريتانيا، وهي منطقة لم تكن يوماً كتلة جامدة، بل فضاءً مفتوحاً للتفاعل الإنساني عبر آلاف السنين.
تتجلى الهوية المتعددة للمنطقة عبر مزيج من المكونات الثقافية واللغوية والدينية:
الأمازيغية كجذر ضارب في عمق التاريخ
العربية كلغة وثقافة جامعة منذ الفتح الإسلامي
الحسانية في عمقها الصحراوي الممتد
المكوّن الديني الإسلامي، الذي شكل القاعدة الروحية والثقافية الكبرى
المكوّن الديني المسيحي، خصوصاً في مصر عبر الكنيسة القبطية العريقة، التي أسهمت عبر القرون في الفكر، الثقافة، الفنون، والتعليم، وحفظت جزءاً مهماً من التراث الروحي والتاريخي للمنطقة
المكوّن الديني اليهودي، الذي ظل موجوداً في شمال أفريقيا منذ العصور القديمة وأسهم في الاقتصاد والفكر والثقافة
إن هذه المكونات الثلاث—الإسلام والمسيحية واليهودية—لم تكن مجرد مجموعات دينية، بل عوامل أساسية في صناعة قيم التسامح والتعايش والتعددية التي تميز شمال أفريقيا عبر التاريخ.
2. الأفروسنتريك: بين التصحيح والتوظيف
نشأت أطروحات “الأفروسنتريك” في سياق سعي مشروع لإعادة الاعتبار للتاريخ الأفريقي، بعد قرون من التهميش والاستعمار. غير أن الإشكال لا يكمن في الفكرة ذاتها، بل في بعض تأويلاتها المتطرفة التي تحاول:
تعميم سرديات غير دقيقة
إسقاط واقع جنوب الصحراء على شمال القارة
تقديم قراءة أحادية لتاريخ شديد التعقيد
وهنا يظهر التوتر، خاصة حين تصدر تصريحات من بعض الفاعلين أو الأفراد من دول جنوب الصحراء، تتحدث عن “أحقية تاريخية” في كامل القارة، بما فيها الشمال.
هذه التصريحات، حتى وإن كانت معزولة أو عاطفية، تُثير مخاوف مشروعة لأنها تمسّ حساسية الانتماء والهوية.
3. بين الواقع والخطاب: ضرورة التمييز
من المهم التمييز بين:
الهجرة كظاهرة إنسانية واقتصادية
والخطاب الذي يحمّلها أبعاداً تاريخية أو أيديولوجية
فشمال أفريقيا لم يكن يوماً فضاءً مغلقاً، بل كان معبراً للحضارات، واستقبل عبر تاريخه موجات بشرية متعددة.
لكن هذا لا يعني إعادة كتابة تاريخه أو نزع شرعية سكانه الحاليين.
العلم—سواء في مجالات التاريخ أو الأنثروبولوجيا أو الدراسات الجينية—يؤكد أن شعوب شمال أفريقيا:
متجذّرة في أرضها منذ آلاف السنين
تطوّرت داخلياً مع تأثيرات خارجية، لا استبدالاً بها
واحتفظت بهوياتها الدينية المتعددة، بما فيها الإسلام والمسيحية واليهودية
وميزتها التاريخية في التسامح والتعايش، ما جعلها نموذجاً للاستقرار والتعاون الاجتماعي على مدى قرون
4. التحدي الحقيقي: حماية الوعي لا صناعة الخوف
بدل الانزلاق نحو خطاب التخوين أو نظرية المؤامرة، يصبح التحدي الحقيقي هو:
تعزيز الوعي التاريخي
التمسك بالتنوع كقوة لا كتهديد
الاعتزاز بقيم التسامح والتعايش التي لطالما شكلت العمود الفقري للتماسك الاجتماعي
رفض كل خطاب يقسّم الشعوب على أساس عرقي أو ديني
كما أن مسؤولية النخب الثقافية والإعلامية تكمن في:
تقديم خطاب عقلاني
تفكيك السرديات المغلوطة
حماية الذاكرة الجماعية من التسييس
5. شمال أفريقيا: هوية تُبنى بالاعتراف لا بالإقصاء
إن قوة شمال أفريقيا لا تكمن في إنكار الآخر، بل في:
الاعتراف بتعدد مكوناته الثقافية والدينية
التمسك بقيم التسامح والتعايش
الانفتاح على عمقه الأفريقي
والتمسك بخصوصيته التاريخية
فهو ليس “امتداداً” فقط، ولا “استثناءً” منفصلاً، بل جسر حضاري بين أفريقيا والمتوسط والعالم، يجمع بين الإسلام والمسيحية خصوصاً في مصر، واليهودية، والعربية والأمازيغية والحسانية، مع قيم التسامح والتعايش التي تشكل صمام أمان اجتماعي وثقافي.
الخلاصة:
شمال أفريقيا ليس أرضاً بلا ذاكرة، ولا فراغاً يمكن ملؤه بسرديات جاهزة.
إنه تاريخ حيّ، وهوية نابضة، ووجدان مشترك تشكّل عبر قرون، يشمل جميع المكونات الدينية والثقافية: الإسلام والمسيحية خصوصاً في مصر، واليهودية، مع قيم التسامح والتعايش التي تميز المنطقة.
وحمايته لا تكون بالخوف، بل بالعلم، وبالوعي، وبالاعتزاز المتوازن بالذات.
لأن الشعوب التي تعرف نفسها جيداً…
لا يمكن أن تُستبدل، ولا أن تُمحى، ولا أن تُختزل.
بقلم : محمد اعبيدو
