ads980-90 after header
الإشهار 1

نهاية مفتوحة أو حديث عابر

الإشهار 2

العرائش أنفو



نهاية مفتوحة
أو
حديث عابر


محمد الشريف الطريبق

 

 



وأنت تحضر في  إحدى المناسبات العائلية أو مسافر اعلى متن قطار لا تعرف كيف تبدأ الدردشة مع شخص لا تعرفه يجلس قبالتك أو بجانبك . في منتصف الحديث تكون مضطرا لتقديم نفسك بالاسم فقط لكن الشخص يلح في معرفة مهنتك عندما يلاحظ رغبتك في التخفي، تخبره أنك تعمل في السينما يرد عليك مباشرة، هل الأخ ممثل؟ ترد أنك مخرج سينمائي. آه !يعلق الشخص وهو يتراجع إلى الوراء قليلا بابتسامة بلهاء و كأنه فجأة يجد نفسه بحضرة كائن فضائي . يتطلع إليك بنوع من الدهشة .أنت تعرف مسبقا وابل الأسئلة التي يجب عليك أن ترد عليها والطريق ما زالت طويلة ولا مفر.
يبدأ الشخص أولا بسؤالك عن أعمالك التي سبق لها أن بثت على شاشة التلفزيون. عندما تسرد عليه عناوينها ، لا يبدو أنها تذكره بشيء، فتضطر لتقديمها بصيغة أخرى ،مثلا فيلم عن الحريك و عن الطلبة و عن الرشوة وعن أثر المخدرات على الشباب و الهجرة القروية …هنا يبدو أن الشخص بدأ يتعرف على أعمالك لكنه في نفس الآن يفاجئك بسؤال لا علاقة له مرة أخرى بموضوع الحديث و لا بالأعمال التي تتحدث عنها . هل سبق لك أن تعاملت مع رشيد الوالي ؟ ترد بتعبير متأسف : لا. ترى على وجهه تعبير خيبة أمل ثم يواصل : و السي محمد البسطاوي و حمامة (ثريا العلوي ) … مع تكرار الأجوبة السلبية يبدو على الشخص أنه بدأ يشك بأنك منتحل شخصية أو ببساطة نصاب. تود أنت أن يعود للحديث عن أعمالك عسى أن تسمع منه شيئا يفيدك في معرفة كيف يراها الناس وكيف يستقبلونها. لكن الشخص يسألك السؤال القدري الذي تجيب عنه كل مرة و كأنه رقم بطاقة هويتك. يبدأ بطلب السماح له بسؤالك ؟ ثم يواصل ما أن تأذن له ، لماذا ينتهي الفيلم المغربي دائما بنهاية مفتوحة ؟سؤال كلما طرح عليك تعد نفسك بأن تستعد له بكل ما أوتيت من قدرة على التحليل و لو تعلق الأمر بالعودة إلى قراءة كتاب فن الشعر لأرسطو و الأعمال الكاملة لشكسبير و فن الرواية لميلان كونديرا لكي تتخلص من المأزق الذي تجد نفسك فيه دائما دون جواب مقنع ، لأنه بالإضافة لوجوب حمل وثائق الهوية و بطاقة الائتمان قبل السفر يجب عليك أن لا تغادر منزلك إلا وأنت مسلح بأجوبة قطعية و مقنعة عن هذا السؤال القدري .
لكنك في انتظار ذلك تحاول في كل مرة ارتجال رد بدرجة إقناع متفاوتة حسب النفسية و درجة ذكاء المتلقي. تبدأ بسؤال مخاطبك ربحا للوقت هل هو يتحدث عن الأفلام التلفزيونية أم السينمائية’؟ الشخص لا يعرف الفرق و دعوى الفرق بالنسبة له كل ما يقدم من أعمال روائية على شاشة التلفزيون هو سينما … تصمت للحظة لتعيد ترتيب أفكارك و تطلب منه أن يعطيك نموذجا لفيلم شاهده مؤخرا تنطبق عليه ملاحظته…يشرد قليلا ثم يجيبك أنه لا يتذكر فيلما بالتحديد . في هذه الأثناء يكون قد غير مكانه ليصبح أقرب و خارج المقصورة يمر مراقب القطار و هو يقبض على شاب ضبط وهو لا يحمل ثمن تذكرة. يلتفت الشخص إليك و هو يبتسم كمن اكتشف علاج مرض السرطان أن هذه هي المواضيع و المواقف هي التي تستحق أن تحكى في الأفلام .تنظر إليه و أنت تحاول ما أمكن أن تحافظ على ملامح صارمة  وتحافظ على هدوء أعصابك مشيرا في نفس الآن أنك لم تفهم ما يريد ان يقوله , ينفجر ضاحكا وهو يقول بصوت مرفوع بأنه سعيد بتواجده بصحبة ‘ فنان اديالنا ‘.
تواصل وأنت تقول: إذا افترضنا أنك تتحدث عن السينما فالسينما المغربية،  هي كأي سينما العالم باستثناء سينما هوليود و بوليود و السينما المصرية لا تهدف إلى الفرجة و الإثارة فقط لكنها تطمح أن تكون واقعية و أن تتبنى احدى القضايا التي تهم المجتمع ، إنها إلى حد ما  سينما مؤلف ذات طابع ثقافي أكثر منه تجاري وحتى وإن حققت النجاح الجماهيري المطلوب في بعض الحالات . و لأنها سينما لا تعطي الحلول للقضايا المتناولة و لا تحاكم شخصياتها فمن المنطقي أن لا تكون النهاية سعيدة و أن تبقى مفتوحة لتكون أقرب للواقع الذي تتناوله …قبل أن تنهي فكرتك، يعقب الشخص ليعطي مثالا وهو يستحضر هنا فيلما مصريا شاهده مؤخرا على هاتفه المحمول …لا تعلق على الطريقة التي شاهد بها الفيلم التي لا تمت بصلة لا لسينما و التلفزيون لكنك رغم ذلك تجيبه بأن السينما المصرية رغم أهميتها  وانتشارها و عراقتها هي سينما ،غالبية إنتاجها تجاري يعتمد على النجم الضامن لشباك التذاكر …إن الواقع لا يشبه النهايات التي تقترحها علينا هذه النوعية من الأفلام فعندما يقبض على المجرم في النهاية، لا يعني أن العدل قد تحقق و لو افتراضيا, عندما ينتصر الحب في فيلم فريد الأطرش أو عبد الحليم حافظ رغم الفوارق الاجتماعية لا يضمن ذالك حياة سعيدة لزوجين . بالعكس فعندما يتمكن شخصان أن يعيشا تحت سقف هنا بالضبط تبدأ المشاكل الحقيقية وتكون هناك إمكانية لحبكة درامية مشوقة …وتواصل بقول أن الفيلم هو فسحة للتفكير و إعادة النظر في البديهيات و اكتشاف عوالم أخرى…عندما تتطلع لشخص قبالتك تجده ينظر إليك بطريقة تفهم منها أنه يشفق عليك و أنه كما أكتشف أخيرا بالملموس سبب انحطاط السينما المغربية. تصاب بخيبة أمل حينما تتأكد أنك فشلت في إقناع مخاطبك رغم أنك استنفدت كل اللعاب الذي يسهل عملية النطق و قرع الشفتين. ينتقل مخاطبك للقول أنه الأجدى بالأموال التي تخصص لدعم السينما أن تخصص لمحاربة الفقر و النهوض بمستوى التعليم و إصلاح قنوات الصرف الصحي …وينهي مرافعته وهو يعود لابتسامته المعهودة بقوله أنه لم يكن يتوقع أن يسافر يوما مخرج معروف على متن قطار ثم قبل أن تجيب ، يعود ليسألك بنبرة استنطاق عن رأيك في فيلم “الزين لي فيك” و عن استعمال العبرات النابية في الأفلام المغربية و عن المدير الحالي للمركز السينمائي و عن قفاطين لطيفة أحرار و أهمية مهرجان مراكش…تسأله أنت هل الأشياء التي تحدث عنها فيلم الزين لي فيك واقع أم خيال علمي ؟.يرد وهو يحرك رأسه بابتسامة تواطئ أنه متفق معك و أن هذا الفيلم لم يظهر إلا الشيء القليل من الواقع المر الذي نعرفه أنا وهو، لكن الجمهور المغربي ليس مستعدا بعد لتقبل هذه السينما .تواصل و الدليل أن مشاهدة الفيلم على الانترنيت حققت أرقام خيالية علما أن النسخة المسربة هي نسخة عمل و لا تتوفر بعد على مقومات الفيلم النهائي…يعلن موظف القطار عن التوقف في أحدى المحطات يستأذن الشخص و يغادر القطار متمنيا لك و لجميع الركاب سفرا سعيدا, تشكره و تشكر الأقدار التي حررتك من نقاش من ينتظرون غودو(Godo)…تجد أن باقي المسافرين المتواجدين في نفس العربة ينظرون إليك بمن تابعوا الحديث باهتمام شديد و يتحينون الفرصة ليحملوا المشعل و لكي تستمتع بقراءة الرواية التي حملتها معك أو على الأقل تستمع لعظامك تقرر أن تغير المقصورة.
ترى من خلال النافدة مخاطبك و هو يقف على الرصيف، ينتظر شخصا ما ، ربما كان عليه أن يأتي للقائه . لا تلاحظ عليه أي أثر للاهتمام الذي كان يبديه للنقاش الذي دار بينكما و يبدو أن الحياة تستمر بالنسبة له وكأن الدردشة التي دارت بينكما حدث طواه النسيان، في لامبالاة لما يشغلك أنت  وزملاؤك…تعد نفسك أن تكون أكثر إقناعا في المرة القادمة و أن تعطي الموضوع الأهمية التي يستحقها ولو تطلب الأمر أن تستشير بعض الأصدقاء أو بتنظيم ندوة في الموضوع. على كل حال لا أحد يسألك  وتضطر للحديث عن اختياراتك الفنية و انشغالاتك أو عن مرجعيتك السينمائية .كان الأجدر بك أن تصمت .

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5