ads980-90 after header
الإشهار 1

رحلة الشوق من محطة وجدة إلى حضن فكيك الدافئ

الإشهار 2

العرائش أنفو

رحلة الشوق من محطة وجدة إلى حضن فكيك الدافئ

عبدالحفيظ بوبكري

في قلب عاصمة الشرق، حيث تلتقي دروب المسافرين وتتقاطع حكاياتهم، تبدأ مغامرة السفر نحو واحات فكيك الساحرة بمجرد وضع القدم على عتبة المحطة الطرقية بوجدة. ليست هذه المحطة مجرد نقطة عبور جافة، بل هي فضاء حي ينبض بالحركة، والصوت، والحياة، يختزل في تفاصيله اليومية ثقافة السفر والترحال لدى المغاربة. عند المدخل الرئيسي للمحطة، تستقبلك اصوات بشرية فريدة من نوعها؛ هنا، يقف “الكورتية” ومندوبو الحافلات، وتتعالى أصواتهم المتداخلة التي تنادي بأسماء المدن: “فاس! مكناس! الدار البيضاء!”… ومن بين تلك الأصوات، يتردد صدى النداء الأثير: “فكيك! فكيك!”، ليحرك في وجدان المسافر حنيناً جارفاً وشوقاً لا يوصف لمعانقة تلك الواحة الهادئة، ويصبح هذا النداء هو الدليل الأول والترحيب الحار الذي يوجه الخطى وسط زحام الحقائب والوجوه. بمجرد تجاوز صخب البوابة، يتغير الإيقاع فجأة ليصبح أكثر تنظيماً أمام مكاتب المعلومات وشبابيك التذاكر المرتبة، حيث يجلس الموظفون في حركة دؤوبة لضمان حصول كل راكب على تذكرته. ومع مواصلة السير داخل الأروقة التي تشبه مدينة صغيرة متكاملة، تصطف دكاكين تجارية تعرض الوجبات الخفيفة والمشروبات، وفي زاوية مرئية، يظهر مكتب الشرطة ومكتب الإدارة الساهرة على الأمن والنظام، بجانبهما المرافق الصحية حيث يبرز عامل النظافة كجندي خفاء يشتغل بجد ومثابرة للحفاظ على المكان رغم التدفق الهائل للزوار. وقبل الخطوات الأخيرة، تفوح روائح القهوة السوداء والشاي بالنعناع من المقاهي، حيث يجلس المسافرون وعيونهم معلقة بالساعات؛ وعندما تشير العقارب إلى موعد الرحلة – تختلط المشاعر، ويتلاشى تعب الانتظار ليحل محله شعور بالراحة والسكينة والبهجة، وكأن الروح تستشعر هدوء الواحة وقصورها العريقة قبل حتى أن تحرك الحافلة عجلاتها ، حيث تصطف الحافلات الكبيرة في نظام بديع، والعمال ينشغلون بشحن الأمتعة وسط نظرات المودعين والمستقبلين.
تنطلق الحافلة المتوجهة إلى فكيك مخلفة وراءها صخب المحطة لتستسلم عجلاتها للطريق الطويل. وما إن تتجاوز المركبة ضواحي المدينة، تنكشف أمام العيون لوحة بصرية متناقضة الملامح عبر منعرجات كنفودة؛ فعلى جانبي الطريق، ترتسم ضيعات فلاحية صغيرة، بقع خضراء خجولة تقاوم جفاف المناخ وعقم التربة، تتناثر بينها مبانٍ سكنية؛ بعضها دافئ وقريب يلامس حافة الطريق كأنه يلقي التحية على العابرين، وأخرى تلوح في الأفق البعيد كأنها شواهد غارقة في صمت الفراغ، ومع كل كيلومتر، تبرز إشارات تشويرية لقرى ومدن مجاورة كعلامات ترشد العابرين في هذا الامتداد الشاسع. وفي الوقت الذي تذوب فيه المسافات داخل الحافلة لتتحول إلى مجتمع مصغر يموج بالحياة، وتتعايش فيه الكلمات وتتبادل الأحاديث بنغمات عربية (دارجة) وأمازيغية فجيجية لطرد شبح التعب، تكون الجغرافيا في الخارج قد بدأت تتحول إلى قصيدة بصرية ساحرة مع توغل الحافلة في عمق الهضاب العليا مروراً بـ عين بني مطهر ثم تندرارة.
هناك، تبدى للمسافرين جبال شاهقة تتلون بألوان الورود المختلفة، تتدرج بين الوردي والأرجواني والرمادي، تحيط بها أودية جافة حفرت مجاريها في جسد الأرض منتظرة سيولاً قد تأتي أو لا تأتي، وعلى طول البصر تمتد مساحات شاسعة قاحلة لا يكسر رتابتها إلا ظهور خجول لبعض الأعشاب الصحراوية المقاومة، بينما تلوح من بعيد السكة الحديدية التاريخية التي كانت تربط وجدة ببوعرفة كخط أسود يروي ذكريات زمن غابر. وفي عمق هذا المشهد الاستقصائي، تظهر جلياً ملامح غياب التنمية؛ فالرحلة المستمرة لساعات طويلة تصطدم بغياب تام لساحات أو باحات استراحة عصرية ومنظمة، مما يحول السفر إلى قطار من المعاناة الجسدية للركاب، ويفضح ضعف البنية التحتية الخدماتية على طول هذا المحور الإستراتيجي، لكن الحافلة تظل شريان الحياة الوحيد هنا، إذ تتوقف فجأة استجابة لإشارات البدو الواقفين على قارعة الطريق لنقلهم إلى أقرب مركز حضري، قبل أن تفاجئك عند مدخل بعض القرى والبلدات التي تبدو بسيطة وبدائية في معمارها حواجز الدرك الملكي بيقظتها التامة لتأمين الطريق، والتدقيق في الهويات بكل مهنية.
ومع الاقتراب من الحواضر الكبرى في هذا المسار، وتحديداً عند مشارف مدينة بوعرفة ثم عبوراً ببلدة عبو لكحل، يتغير الطابع الأمني بشكل لافت؛ فبالإضافة إلى حواجز الدرك، يجد المسافر نفسه في بوعرفة وفكيك أمام حواجز الأمن الوطني المكثفة نظراً لموقعهما الاستراتيجي والحدودي الهام. وعند منعرجات المدخل الأخير لـ «لؤلؤة الجنوب الشرقي» فكيك، ينقشع عن كاهل المسافر ذلك الثقل الذي رافقه طوال الطريق منذ غادر باب المحطة بوجدة، ويتبدد التعب تدريجياً ليفسح المجال لموجة عارمة من الفرحة والسرور تملأ الوجدان، يرافقها شعور عميق بالامتنان والوصول بسلام بعد رحلة شاقة ، لتتأرجح المشاعر في هذه اللحظات بين جانب سلبي يتجلى في الإرهاق الجسدي الشديد وتشنج العضلات بسبب الجلوس الطويل وصداع هسيس المحرك، وجانب إيجابي طاغٍ متمثل في إحساس الانتماء، وسحر هواء الواحة النقي المحمل برائحة النخيل والتراب المبلل، والراحة النفسية بانتهاء مخاطر الطريق الطويل. وأخيراً، تتوقف الحافلة وتفتح أبوابها لتكتمل الفرحة امام المحطة، حيث تتلاقى الأعين ويحدث الالتقاء المنتظر بأناس أعرفهم من أصدقاء وأقارب، يتسارعون نحو الرصيف بابتسامات عريضة، يسلمون عليّ بحرارة ويغمرونني بتحايا الترحيب الممزوجة بعبارات الاشتياق الفياضة معلنة كرم الضيافة الفجيجي الأصيل، لتذوب في تلك اللحظة كل مشاق السفر، وتعلن فكيك أنها لا تستقبل عابريها كمسافرين، بل كأبناء عائدين إلى أحضانها الدافئة بعد طول غياب.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5