ads980-90 after header
الإشهار 1

ما العلاقة بين الجائحة وموت الموت وفلسفة الأنوار؟ (الجزء الثالث)

الإشهار 2

العرائش أنفو

ما العلاقة بين الجائحة وموت الموت وفلسفة الأنوار؟ (الجزء الثالث)

أحمد رباص

لذلك، بعدما انهارت اليوم الرؤى اليوتوبية والشمولية الكبرى لليسار واليمين – هذه الحلول النهائية التي كسرت الكثير من البيض – فإن شبح يوتوبيا أخرى لا يزال يلاحقنا؛ أقصد به ما بعد الإنسانية، التي يتم تقديمها مرة أخرى على أنها المسار الوحيد الذي سيؤدي إلى الحل النهائي (التكنولوجي) لجميع مشاكل المجتمع، والتي يتم الترويج لها من قبل حفنة من الباترونات الذين يريدون أن يقودوا إليها قافلة الإنسانية. ومع ذلك، فإن رفض الإجابات التي لا لبس فيها على تعقد الواقع والإنسان والحي على وجه التحديد هو ما أعارض به أيديولوجيا ما بعد الإنسانية وكذلك أي أيديولوجيا.
للقيام بذلك، يمكننا الاعتماد على ملاحظة من كانط، التي اعتبرها أشعياء برلين أحد التعليقات الأكثر حكمة حول الشرط الإنساني: “في خشب منحني مثل الخشب الذي صنع منه الإنسان، لا يمكنك قطع أي شيء مستقيم تماما”. لهذا السبب، يبدو لي، أنه لا يوجد حل مثالي يفترض أنه غير ممكن ولا مرغوب فيه في الشؤون الإنسانية: أي محاولة للقيام بذلك لن تؤدي فقط إلى الفشل، ولكن قبل كل شيء إلى زيادة في العنف.
هذا إذن هو الاعتراض الفلسفي، يبدو لي نهائياً، الذي يمكننا توجيهه لفكرة الكلية الكاملة، بل فكرة الحل النهائي الذي يمكن أن تجد فيه جميع مشاكل الإنسان حلها، ولكن أيضا فكرة حل تكنولوجي وما بعد إنسانية كأفق نهائي لجميع أسئلتنا. ويصدق هذا في وقت الأزمة الوبائية حيث هشاشة بنيتنا الاقتصادية والسياسية – خاصة فيما يتعلق بالأساسات التي تتأرجح بين قصرنا الورقي وشبكة العولمة الكبرى – التي تم تذكيرنا بمأساويتها: تجربة الموت، هذه الظاهرة المزعجة والمخيفة التي أردنا أن نطردها من أفكارنا، تصر على العودة.
على شاشة التلفزيون، يقدم لنا دقيقة بعد ذقيقة تطور عدد الوفيات على الصعيدين الوطني والدولي؛ على شبكات التواصل الاجتماعي، ينشر أقارب أولئك الذين جرفهم المرض رسائل لإعلامنا بالسرعة التي يقتل بها الفيروس؛ يثير الخوف من الموت حالة من الذعر المعمم وجرعة مفاجئة من اللاعقلانية بين أولئك الذين يفرغون رفوف المتاجر الكبيرة؛ في بعض البلدان، تم بناء مقابر جماعية ضخمة فيها يدفن الموتى؛ متخيل الموت ينساب ببطء ولكن بثبات تحت أقدامنا. لقد عاد إلينا.
الإنسان، دائما، ولكن أكثر من ذلك منذ موجة الأنوار، يمكن أن يتخيل بالكاد أن وعيه، “هذا الوعي القادر على عرض نفسه في المستقبل” كما قال غادمير، يمكن أن ينطفئ تماما في يوم من الأيام. نحن هنا في حضرة شيء يمنعنا من النوم ليلا وهو أمر مزعج بشكل غريب: “هناك ارتباط عميق بين والوعي بالموت، من جهة، والوعي بالمحدودية الخاصة، أي اليقين من أننا يجب أن نموت في يوم من الأيام، ومن ناحية أخرى، الإرادة القوية والعاجلة لعدم معرفة أي شيء عن هذا النوع من الوعي.“
وبعبارة أخرى، من المضمون للإنسان أن يكون له مستقبل طالما أنه لا يدرك أنه في الواقع ليس له مستقبل. إرادتنا للعيش تمر من خلال كبت الموت. هذه العلاقة الشخصية والحميمة للغاية بتجربة الموت لم تفلت من الأنوار، بل على العكس، يمكننا أن نقول بالتأكيد أن عالم الحضارة الحديثة يحاول بحماس وبفائض من الحماس أن يؤدي هكذا بكبت الموت، الذي يترسخ في الحياة نفسها، إلى مأسسة كاملة، ولهذا السبب، فإنه يحيل تجربة الموت على هوامش الحياة العامة.
في ظل هذه الظروف، يمكننا أن نقول إن “مشروع ما بعد الإنسانية يحاول، بأحد المعاني، إطالة مسيرة التنوير”، كما قال جيمس هيوز في مقال له بعنوان “تناقضات من الجذور التنويرية لما بعد الإنسانية”. ومع ذلك، يبدو أن هناك اختلافا معينا بين الإثنين في تصورهما للعالم، ربما بحجم كبير، لا أعرف: بينما كان رجال التنوير يكتفون باستبعاد الموت من المجال المباشر للانشغالات، بدا مؤيدو ما بعد الإنسانية كلهم ثقة في أمل القضاء التام عليه، بغض النظر عن تكلفة فكرة كهاته.
لكن الخوف من لغز الموت، الرعب المحدد من صمته المطبق وخاصيته المقدسة، أو التجربة الغريبة لمثل هذا الانفصال الجذري عن الشخص الذي كان، قبل لحظات قليلة، لا يزال على قيد الحياة، لا يمكن إزاحته بظاهر اليد. تجربة الموت – وعلاقة الكبت الحميمية والعادية بهذا الأخير – متأصلة في حياة كل إنسان.
هذا هو بالضبط سبب اتهام مشروع ما بعد الإنسانيين، وبالتالي مشروع التنوير العلمي، بتدمير جدار أبدي، لأنهم “يتصادمون مع سر الحياة والموت كحد لا يمكن تجاوزه”، على حد تعبير غادمير. والأكثر من ذلك، يبدو لي أن هذا الحد يحمل معه قيمة معينة: إنه مكان حقيقي حيث يمكن للناس التعبير عن أنفسهم، وهم حساسون لخصوصية إنسانيتنا، يدافعون جنبا إلى جنب عن أسرار الحياة والموت. إذا لم يكن هناك كائن حي يمكنه أن يقبل الموت بالكامل ، فيجب على كل كائن حي القبول به. هنا تكمن عقدة وجوده.
وهكذا، من خلال هذه الأزمة الوبائية وكل ما تكشفه عنا، من الممكن لنا (إعادة) التفكير في مكانة تجربة الموت في مجتمعنا: الوباء الذي نمر به يجبرنا جميعا على مواجهة – بأقصى طريقة ممكنة – هذه التجربة الأساسية للنهاية. في عصر ديزني حيث يفرض علينا التفاؤل بأي ثمن – على الأقل في ما يبدو – ويسحقنا جميعا، علينا أن نعترف بأننا أحيانا نشعر بحزن من الأهمية بحيث يُسمح لنا بالاعتراف بها علنا، وقد يكون الوقت قد حان لاستعادة مساحة من التعبير حيث يمكننا أن نعيش بحرية مشاعرنا – مهما كانت متنوعة وسوداء – على طريقة نقلص بها في النهاية من الألم قليلا. فلنشرع في هذا المسار اليوم حتى نجعل من هذا الوباء تجربة لا تذهب سدى.
(انتهى)
عن: jetdencre

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5