ads980-90 after header
الإشهار 1

العرائش… حين يكتب البحرُ التاريخ، وتروي الأرضُ حكاية الحضارات

مدينةٌ سكنت القلب قبل أن نسكنها... وجوهرةٌ مغربية تستحق أن تستعيد مكانتها بين كبريات الحواضر

الإشهار 2

العرائش أنفو

العرائش… حين يكتب البحرُ التاريخ، وتروي الأرضُ حكاية الحضارات

مدينةٌ سكنت القلب قبل أن نسكنها… وجوهرةٌ مغربية تستحق أن تستعيد مكانتها بين كبريات الحواضر

بقلم محمد اعبيدو

هناك مدنٌ تُزار، ومدنٌ تُعشق، ومدنٌ تتحول مع مرور الزمن إلى جزءٍ من الروح والهوية والذاكرة. والعرائش ليست مجرد مدينة من مدن المغرب، بل هي قصة وطن، وسفرٌ مفتوح على الحضارات، ومرآةٌ تعكس عراقة المملكة المغربية الممتدة عبر آلاف السنين.

وليس حديثي عن العرائش حديث مؤرخ يقرأ الوثائق، ولا حديث سائح ينبهر بجمال المكان، وإنما هو حديث إنسان يعيش فيها، ويتنفس هواءها، ويعرف نبض شوارعها، ويؤمن بأن لهذه المدينة رسالة حضارية لم تُكتب فصولها كاملة بعد.

لقد استقرت عائلتي بمدينة العرائش منذ نهاية خمسينيات القرن الماضي، قادمة من قبيلة بني عروس، الأرض المباركة التي تحتضن ضريح القطب الرباني، مولانا عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه، شيخ أهل المعرفة، وإمام السالكين، ومنبع المدرسة الشاذلية التي أنارت مشارق الأرض ومغاربها.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت العرائش وطننا الكبير، وذاكرتنا الجماعية، ومستقبل أبنائنا، فامتزج حبنا لهذه المدينة بحب المغرب، وأصبح الدفاع عن تاريخها ومستقبلها واجباً أخلاقياً ووطنياً.

العرائش… مدينة ولدت من رحم الحضارة

حين نتحدث عن العرائش، فإننا لا نتحدث عن مدينة عادية، بل عن واحدة من أقدم الحواضر في غرب البحر الأبيض المتوسط، مدينة تمتد جذورها إلى أعماق التاريخ الإنساني، حيث تقف ليكسوس شامخة، شاهدة على أكثر من ثلاثة آلاف سنة من الحضارة.

لقد كانت ليكسوس بوابة للفينيقيين نحو إفريقيا، ثم أصبحت مركزاً تجارياً للقرطاجيين، قبل أن تتحول إلى واحدة من أهم المدن الرومانية بشمال إفريقيا.

وفي كل حجر من أحجارها، وفي كل أثر من آثارها، رسالة تؤكد أن المغرب لم يكن يوماً هامشاً في التاريخ، بل كان دائماً قلباً نابضاً للحضارة الإنسانية.

ثم جاءت الحضارة الإسلامية لتمنح العرائش بُعدها الروحي والعلمي والعمراني، قبل أن تمر عليها فترات الوجود البرتغالي والإسباني، تاركة آثاراً معمارية وثقافية اندمجت في الشخصية المغربية دون أن تنال من هويتها الأصيلة.

إن العرائش ليست مدينة ذات تاريخ فحسب، بل هي تاريخ قائم بذاته.

مدينة التعايش والانفتاح

من يزور العرائش يدرك أن الجمال فيها ليس جمال الطبيعة وحدها، وإنما جمال الإنسان أيضاً.

فهي مدينة آمنت عبر تاريخها بأن الحضارات لا تتصارع، وإنما تتحاور، وأن الاختلاف مصدر غنى لا سبب فرقة.

ولهذا احتضنت المسلمين واليهود والمسيحيين في نموذج حضاري راقٍ، وساهمت في ترسيخ ثقافة الاحترام والتسامح والتعايش.

كما كانت مصدر إلهام لكبار الأدباء والمفكرين والفنانين، الذين وجدوا في هدوئها وروحها ما جعلها مدينةً لا تُنسى.

العرائش… ثروة اقتصادية لم تُستثمر كما ينبغي

ورغم هذا الإرث الحضاري العظيم، فإن العرائش تمتلك أيضاً إمكانيات اقتصادية تجعلها من أهم الأقاليم القادرة على قيادة التنمية في شمال المملكة.

فأراضي اللكوس من أخصب الأراضي المغربية، وتنتج أجود الفواكه الحمراء والخضروات والحوامض، وتُسهم بشكل كبير في الأمن الغذائي الوطني وفي صادرات المغرب نحو الأسواق الدولية.

أما البحر، فقد منح المدينة واحدة من أغنى الثروات السمكية بالمغرب، وجعل ميناء العرائش ركيزة أساسية للصيد البحري والصناعات المرتبطة به.

وتزخر المدينة كذلك بشواطئ خلابة، وغابات طبيعية، ومؤهلات سياحية وبيئية نادرة، تجعلها قادرة على أن تتحول إلى وجهة عالمية للسياحة الثقافية والبيئية والبحرية.

غير أن هذه الإمكانيات، رغم أهميتها، ما تزال بحاجة إلى رؤية تنموية أكثر جرأة وطموحاً.

ماذا نريد للعرائش؟

نريد للعرائش أن تستعيد مكانتها الطبيعية بين كبريات المدن المغربية.

نريد أن يصبح موقع ليكسوس الأثري قبلةً للباحثين والسياح من مختلف أنحاء العالم، وأن يُدرج ضمن المشاريع الثقافية الكبرى التي تعكس العمق الحضاري للمملكة.

نريد إعادة الاعتبار للمدينة العتيقة، وترميم أسوارها ومعالمها، وتحويلها إلى فضاء حي يجمع بين الثقافة والسياحة والاقتصاد الإبداعي.

نريد تطوير ميناء العرائش، ودعم الصيد البحري التقليدي والعصري، وتشجيع الصناعات البحرية، والاقتصاد الأزرق، والاستثمار في الطاقات المتجددة.

نريد تثمين المنتوجات الفلاحية المحلية، وإحداث مناطق صناعية حديثة للصناعات الغذائية، بما يخلق فرص شغل حقيقية للشباب.

نريد جامعة أو مؤسسة للتعليم العالي والبحث العلمي تُعنى بالآثار، والاقتصاد البحري، والفلاحة، والبيئة، حتى تصبح العرائش مركزاً للإشعاع العلمي والمعرفي.

ونريد أن تحظى المدينة ببنية تحتية أكثر تطوراً، وشبكة نقل حديثة، ومرافق ثقافية ورياضية وترفيهية تليق بتاريخها ومكانتها.

العرائش… مسؤولية الجميع

إن مستقبل العرائش ليس مسؤولية الدولة وحدها، ولا مسؤولية المنتخبين وحدهم، بل هو مسؤولية جماعية يتقاسمها أبناء المدينة داخل الوطن وخارجه، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، والجامعات، والمثقفون، والإعلام، وكل من يحمل في قلبه حب هذه الأرض.

فالمدن لا تنهض بالشعارات، وإنما بالرؤية، والعمل، والإخلاص، والاستثمار في الإنسان.

رسالة وفاء

كلما تجولت في شوارع العرائش، وتأملت أمواج الأطلسي وهي تعانق ضفاف اللكوس، شعرت أنني لا أسير فوق أرض عادية، بل فوق صفحات من تاريخ الإنسانية.

وأدرك أن هذه المدينة لم تمنح أبناءها مجرد مكان للعيش، بل منحتهم هوية، وذاكرة، وقيم الانتماء، والإيمان بأن الأوطان تُبنى بالمحبة والعمل.

إن العرائش ستظل بالنسبة إلي مدينة القلب، ومدينة الروح، ومدينة الحضارة والجمال، ومدينة الوفاء، لأنها احتضنت عائلتي منذ أكثر من ستة عقود، واحتضنت أحلامنا، وذكرياتنا، وآمالنا.

وسيظل أملي كبيراً في أن تستعيد هذه الجوهرة المغربية كامل إشعاعها، وأن تصبح نموذجاً وطنياً في التنمية المستدامة، والسياحة الثقافية، والاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الأزرق، وصون التراث، حتى تظل العرائش كما كانت دائماً… مدينةً يكتب البحر على شواطئها أجمل قصائد التاريخ، وتكتب الأجيال القادمة على أرضها فصولاً جديدة من المجد والازدهار.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
الإشهار 5

شاهد أيضا