ads980-90 after header
الإشهار 1

نهاية الأخلاق و ضرورة الإيتيقا

الإشهار 2

العرائش أنفو

نهاية الأخلاق و ضرورة الإيتيقا

“تظل الإيتيقا ، في عالم ليس على ما يرام ، سبب الوجود الوحيد للفلسفة” حسب تعبير الفيلسوف الكندي جون غروندان في كتابه أفق التأويل في الفكر المعاصر.
و نحن نعيش على أيقاع الإنهيار الأخلاقي و الشواهد على ذلك كثيرة و متعددة و لست في حاجة لسردها بالتفصيل، فما تنشره وسائل الإعلام و وسائل التواصل الإجتماعي كاف ليؤكد ما أقول، إضافة إلى أن النزول إلى الشارع و التجول بين الأزقة و في الأسواق سيمنحك ذات الإحساس بأننا أمام تشقق و انهيار لجدار الأخلاق و القيم، و مقالي هذا ليس مناسبة للتفصيل في الأسباب الكامنة وراء ذلك مع أن حالات الانفلات المتكررة و التعبيرعنها بممارسات نشاز كجرائم قتل الأم أو الأب أو الأبناء من طرف الأم أو الغش و الكذب في المعاملات لدى بعض الفئات الاجتماعية تفسرها ثنائية القهر والهدر، وفق ما صرح به عالم النفس اللبناني مصطفى حجازي في كتاب “سيكولوجية الإنسان المقهور” خاصة لدى المراهقين باعتبار ذلك، نتاج قهر اجتماعي من جهة، ناجم عن عجز الأسرة عن تحمل وظائف التنشئة والتربية والتكوين، وهدر القدرات، من جهة أخرى، ناجم عن خلو الفضاء العام من الخدمات الاجتماعية الموكولة إلى الدولة. و لن يكون هذا المقال كذلك نبش في تاريخ الفلسفة و الفلاسفة و تمثلهم لمفهوم الأخلاق و الإيتيقا. لذلك فالغاية من معالجة القضايا الأخلاقية التي نلاحظها اليوم مدفوعة لدي بضرورة توضيح على مستوى الصياغة أو تعليل القواعد والمبادئ التي تعمل الكائنات البشرية على السير بموجبها في سلوكاتها، ومن الملاحظ بصورة مثيرة أن هناك حاجة ملحة ومتزايدة للمتطلبات الأخلاقية سواء تعلق الأمر بصورة خاصة بنخبة ما أو بعض المهتمين، أو حتى بالمجتمع ككل، فضرورة الأخلاق تأخذ معنى قويا ليس فقط عندما نحدد الدواعي والمبررات العامة الكامنة وراء اتخاد قرار ما، أو المنحى الذي بات يتجه نحوه البحث العلمي ، بل الحاجة إلى إعادة صياغة القيم الأخلاقية لكي تتلاءم مع حاجة الإنسان اليوم و بتبرير المبادئ التي تتخذ على أساسها القرارات و مسائلتها . هنا يمكن للفلسفة الأخلاقية أن تلعب دورها الأكثر عمقا،من حيث تمكن من جعل الإرشادات التي تحدد الوعي الإتيقي المطلوب ليس مجرد قواعد أو إملاء لمبادئ يجب اتباعها ـ الشيء الذي يجعل القاعدة الأخلاقية بمعناها الضيق لا تحظى بكثير من الاهتمام- لكنها تستطيع إخراجهم من منطقهم وشروطهم وحتى من سياقاتهم وتجعل كل ذلك محط نقاش حقيقي، إن الفلسفة الأخلاقية تستطيع تأطير التداول الأخلاقي عبر تمثل مجموعة نصوص ومراجع اتيقية تستوجب تحديد مجموعة قواعد و مبادئ أخلاقية يتحقق من خلالها حضور الأسباب والتبريرات التي يستندون إليها في سلوكاتهم، لأن التحول القائم في السلوكيات سيؤدي إلى كوارث اجتماعية، يصبح معها التعايش والعيش المشترك أمرين مستحيلين.
لكن بداية ما نقصد بالأخلاق و كذلك بالإيتيقا؟ و هل هناك فرق بين المفهومين؟
يشتق مفهوم الأخلاق من الجذر اللاتيني mores وتفيد جملة من الشيم والأعراف والقواعد العامة في حين ينحدر مفهوم الإيتيقا من الأصل الإغريقي ethos وتتعلق بميدان الأفعال الفردية ومجال أحكام القيمة التي تحمل عليها، بحيث درج الناس على التفريق بين الوفاء والخيانة وبين الإخلاص والخديعة وبين الصدق والكذب وبين الشجاعة والجبن وبين الجرأة والخمول وبين التهور والتعقل وبين البر والبخل. واستعانوا أثناء هذا التمييز بمجموعة القيم التي توجه علاقاتهم مع الغير وتحدد كيفية تصرفهم في حالة وجودهم في وضعيات اجتماعية مغايرة لوضعياتهم الأخلاقية الأولية وتتأثر باندراجهم في العالم وتتغير بمرور حركة التاريخ وطبقات الميراث والعادات التي تشكل العلاقات الأسرية والاقتصادية والعاطفية، لقد جعل التفكير الأخلاقي شغله الشاغل و ذلك عبر الإجابة عن أسئلة من قبيل: كيف ينبغي على المرء أن يعيش؟ وماذا يجب عليه أن يفعل؟ وماهو الهدف السامي من حياته؟ وما الغاية من فعل الخير وترك الشر؟ وماهي السعادة؟ لكن أمام هذا التحول المهول الذي نشهده على مستوى الإنحطاط الأخلاقي في سلوكيات الناس يجوز لنا أن نتساءل بجرأة هل استنفذت أخلاقنا مهامها، و لم تعد قادرة على مواكبة التغيرات الإقتصادية و الإجتماعية؟ أم أننا أمام انهيار سرعان ما سيتم ترميمه لتعود الأمور إلى نصابها؟ و بصيغة أخرى هل لا تزال القيم الأخلاقية الموروثة صالحة للتداول و الإستعمال باعتبارها مرتكزات معيارية توجه سلوك الفرد في مجتمعنا الحاضر؟ أليس الحل هو ما تقدمه الإيتيقا باعتبارها تتجاوز قواعد السلوك الموجه في وسط ما و تنشد إنسانية الإنسان في شموليته؟ إذن كيف ينبغي لنا التمييز بين الإيتيقا والأخلاق؟
حقيقة لا شيء في الإيتيمولوجيا أو في تاريخ استخدام الكلمتين يفرض هذا التمييز، إذ الكلمة الأولى مشتقة من اللغة اليونانية، بينما جاءت الكلمة الثانية من اللغة اللاتينية، وكلاهما يشير إلى فكرة الشيم (الإيتوسEthos ، والمورسMores )، إضافة لذلك لا يتفق المؤرخون حول معنى الكلمتين وطبيعة العلاقة بينهما ولكنهم يجمعون على ضرورة المحافظة عليهما معا والبحث في أشكال الوصل والفصل بينهما. من جهة أخرى يمكن للمرء أن يلحظ وجود فوارق بينهما من جهة الوظيفة والمقاصد ويركز انتباهه حول استهداف الحسن أو ما يتم فرضه بالإلزام والوجوب على مستوى الأفعال والخيارات. كما يرى بول ريكور أن دلالة الإيتيقا باقتصارها على رغد الحياة بالقيام بأعمال حسنة هو مجرد اتفاق لا غير بينما إشارة مصطلح الأخلاق إلى الإلزامي ينم عن ضرورة كونية ويخضع إلى معايير وأوامر ونواهي، بناء على ذلك يعتمد ريكور على الموروث الفلسفي لتذليل صعوبة التمييز بين المفهومين والقول بتعارضهما ويرى بأن الموروث الأرسطي قد تناول مقصد الحياة الجيدة من منظوري غائي téléologique، بينما الموروث الكانطي قد اعتنى بالخضوع إلى المعايير وحدد الأخلاق من خلال خاصية إلزام المعيار والطابع الأمري للأفعال وفق المنظورية الأَدابَاتِية déontologique وحاول الخروج عن هذه الوثوقية الأرسطية والكانطية في ذات الوقت والبحث عن نحت مفهوما جديدا لتنظيم الأفعال في الحياة العملية. و في هذا السياق قد يقودنا المعيار إلى التناقض وقد ينتبه المقصد الإيتيقي إلى فرادة الوضعيات الجزئية وبالتالي: أليس من الأجدى أن نمنح الأولوية للإيتيقا على المسألة الأخلاقية ؟ و إلى أي مدى يمكن أن نختزل الإلزام الأخلاقي إلى تطبيق القاعدة المعيارية الاجتماعية؟ و متى يمكن أن يتحقق واجب الوجود السعيد؟ وهل الشر والكذب والعنف والحرب هي من الرذائل المدانة دائما؟ إذن أين توجد القيمة الاعتبارية للمثل في الأخلاق؟ و ماذا يتعلم الإنسان من الإحساس بالذنب؟ وهل من الضروري أن يخضع المقصد الإيتيقي إلى غربال المعيار والقاعدة الأخلاقية ؟ ألا تقتضي الحكمة العملية sagesse pratique عودة المعيار إلى المقصد والبحث عن شرعية القاعدة من استهداف الحياة الجيدة؟
عموما هناك اختلاف طفيف بين مفهوم الإيتيقا و مفهوم الأخلاق، فالايتيقا هي التسليم بجملة من المبادئ أو الأوامر المحددة لكيفية التعامل بين الأفراد، و حسن تدبير شؤون الحياة و هي أساسا وضع قواعد الأفعال، بينما الأخلاق هي مجموع الأوامر السائدة و المفروضة في عصر ما أو مجتمع ما من أجل الاقتداء بها. و هنا تكمن شرعية الشؤال النتشوي عن من وضع الأخلاق؟ و ما غايته من ذلك؟ و لأننا في مجتمع تهيمن عليه الرأسمالية و قيمها الأنانية التي أطلقت العنان للفردانية بكل وقاحة تحت شعارات خادعة مثل الحرية، و تحقيق الذات و الرفاهية، الشيء مما بخس كل من الوجود و الموجود معا باعتبارهما مجرد أشياء تحقق أرباحا للرأسمالي، إذ اتضح أن المال هو إله الرأسمايين الجديد، و الذي من أجله تباع قيم مثل الكرامة و الضمير و الشهامة و عزة النفس و ما إلى ذلك كقرابين من أجله. و أمام هذا الإنحسباس القيمي يصبح خطاب الأخلاق متجاوزا سواء كان تحت مسوغ ديني أو تربوي إنساني، و تعدو الإيتيقا مخرجا لا بد منه. فكيف ذلك؟
لا يعدو أن يكون الكلام الإيتيقا في تاريخ الفلسفة بمثابة إعادة بعث الخطاب الأخلاقي مجدداً، على الرغم من ذلك الفصل الذي نقيمه بينهما إجرائياً ومفهومياً، ونحن إذ نقدر ذلك إيبستيمولوجياً، فإننا نؤكد على الطابع الجدلي العلائقي بين الإيتيقا والأخلاق والذي نبقيه في مستوى الفصل الرفيع لا النهائي، بحيث يتركز الهم الفلسفي المعاصر على إقامة إيتيقا جذرية كلانية قائمة على مفاهيم عالمية كمفاهيم المواطنة والفضاء العمومي والأنسنة والإختلاف…إلخ، وفلاسفة أمثال ماكس فيبر وليفيناس وريكور وتايلور هم فلاسفة الإيتيقا بامتياز، وهذه النظريات الإيتيقية على جديتها تبقى دوماً على تواصل مع التراث الفلسفي الأخلاقي وهي بالرغم من تتجاوزه فإنها تحتفي بمقولة التطبيق دون الوقوف على الطابع المتعالي الذي حكم التفلسف في الأخلاق قديماً. هكذا يجعلنا الحديث عن الإيتيقا في تاريخ الفلسفة مضطرين منهجياً إلى استرجاع أسماء سقراط، أفلاطون، أرسطو، سبينوزا، كانط، نيتشه، برغسون، وصولاً إلى فيجنشتاين، فلا مبالغة إذا ما وصفنا فلسفة سقراط في كليتها بأنها فلسفة أخلاقية. أما أفلاطون ومن خلال معايشته للظروف القاسية التي مر بها معلمه سقراط فإنه أرجع الأخلاق إلى عالم مفارق ومتعال هو عالم المثل. في حين يمكن تلخيص كتاب أرسطو “الأخلاق النيقوماخوسية” في فكرة عريضة مفادها أن الإنسان أفقه الإنسان، أما اسبينوزا، فإنه لوحده يمثل تياراً إيتيقياً، لقد جعل من لا نهائية الجوهر ووحدته الحكمة الأساسية في فهم هندسية الطبيعة، ومع كانط سيأخذ سؤال الأخلاق انعطافاً حاسماً للغاية، إنها بمثابة رؤية جديدة للعالم، بطرحه لعقل عملي قائم على مبدأ الفعالية الأخلاقية قبلياً في إستقلالية تامة عن العقل المجرد، أخلاق يحكمها الضمير الإنساني وقائمة على مبدأ الواجب كإمكان ينزع الإنسان لتحقيقه، ومع نيتشه سيثور الخطاب الأخلاقي إن لم نقل سيقع تحت طائلة إنقلاب تاريخي، إنها فلسفة المطرقة و الهدم القائمة على نقد مفاهيم الضعف والإستسلام التي جاءت المسيحية لترسيخها باسم الإله، واستبدالها إن لن نقل قًلْبِهَا إنصافاً للكرامة الإنسانية وتحقيقاً للعقلانية من خلال إعلائه من شأن الحياة والقوة التي هي من شأن الإنسان الأعلى، أما فيجنشتاين الذي سعى إلى إقامة علائقية فلسفية خالصة بين اللغة والإيتيقا من خلال تأكيده على الطابع العنيف الناجم عن عدم فهم اللغة، وتحميلها سبب معظم الحروب في العالم، و مقابل ذلك، يقيم ربطاً حقيقياً بين الايتيقا والفن، على اعتبار أن الخطأ على مستوى الذوق يعادله الخطأ على مستوى الفكر. و يتواصل هذا الحضور للخطاب الأخلاقي في صبغته المعاصرة، كأخلاق تطبيقية خصوصاً بعد مجهودات هايدغر في نقد التقنية وماركوز في نقد تطرفات الرأسمالية الصناعية، وليفيناس في نقد الأنطولوجيا الأساسية، وكل هذا النقد هو نقد إيتيقا بالأساس. بحيث اهتمت الفلسفة المعاصرة بالأخلاق التطبيقية بالأساس و ذلك من خلال كتابات كل من ماكس فيبر وليفيناس وهابرماس وتايلور وريكور. نتحدث هنا عن نظريات إيتيقية راهنية بامتياز، من إيتيقا التعقل والعقلانية في مقابل إيتيقا الماوراء/ الميتاـ لوغوس عند فيبر، إلى إيتيقا العدالة كتوجيه منهجي لليبيرالية المتطرفة عند جون راولز، ومن إيتيقا الرغبة لـ فوكو/باطاي، إلى إيتيقا العيش عند دولوز، وصولاً عند إيتيقا التواصل كتأسيس واقعي للتفاعل الحواري مع هابرماس والقائم على قيمة الإعتراف عند أكسيل هونيت، كتدشين فلسفي لمِثَاقِيَة الإجتماع، إنتهاءاً بإيتيقا الحب مع آلان باديو، بوصفها عودة إلى الأصل حيث الإحتفاء بالصورة الخالصة للإنسانية، أو باعتبارها تعبير عن مشهد التلاقي الحتمي وقبل هذا كله، يمكن لنا أن نتساءل مع “كارل أتو آبل” عن معنى أن يكون الإنسان كائناً إيتيقياً؟
يجيب الفيلسوف الفرنسي ليفيناس بأن الإيتيقا هي اختبار حاسم تجريه الفلسفة ضد أنانية الفرد وذلك بالتساؤل عن عفوية الأنا ومجهوده في المحافظة على وجوده في ظل حضور الغير والتحلي بالمسؤولية اللامتناهية تجاهه دون تحفظ أو احتراز، اذ لا يمكن تعويض وجهة نظر الأنا المنخرط في التجربة المعيشة والكف عن النظر إلى الأخلاق بوصفها بلورة قواعد للحياة الجيدة وفق الخير الأسمى أو وفق مبدأ الواجب وإعادة تعريفها باعتبارها تحمل الذات مسؤوليته تجاه الغير والانفتاح على ماوراء الماهية والإقرار بالوجود المختلف، لذلك فإن الإيتيقا لا ترتكز على احترام قانون كلي متعارف عليه أو مفروض، بل هي فلسفة أولى تسبق الأنطولوجيا ولا تبحث عن التأسيس ولا تعتمد على الانفعالية المطلقة وإنما تنطلق من لقاء الغير وتحتك بالوجه وتفتح بُعْدَ الدلالة وتحرر الذات. لهذا أعطى ليفناس الأولوية المطلقة للعلاقة الإيتيقية مع الغير وجعل من الإيتيقا هي الفلسفة الأولى التي تتفوق على فلسفة المعرفة وعلى الأنطولوجيا، في هذا المقام اهتم بالوجه والهوية والمسؤولية والنظرة والإنساني وبحث عن إنسانية الآخر في إنسان بلا وضع وماوراء الماهية ويوجد بشكل مختلف ومنفصل، لقد ميز ليفيناس بين الغير والآخر وبَيَنَ أن الغير يَبْرُز إلى الذات من خلال اللقاء بوجهه حيث يظهر لها في صورة كائن فريد لا يمكن اختزاله أو رده إلى أحد مقولات الهوية وإدراجه ضمن سلاسل التصنيف. تتجلى العلاقة الثرية وغير القابلة للاختزال في المقابلة مع وجه الغير والنظر إليه وجها لوجه والانتماء إلى نفس البعد الزماني والمكاني وتحمل مسؤولية اللقاء والتحلي بالحب والصداقة واحترام علاقة القربى وحسن الجوار على الرغم من الانفصال والغربة والمجهولية والتباين وغياب حسابات المصالح والانتفاع. و بذلك فقد حاول ليفيناس تخطي التعارض التقليدي الذي أقامه أفلاطون بين المماثل والآخر بوصفهما من الأنواع العالية المتعارضة ومنح الحق للآخر من حيث هو آخر أي إلى الغيرية المطلقة التي لا تنتمي إلى داخل الوجود وليست لها نسبة إلى المماثل ولا تمثل مقولة صورية في تمفصل اللّوغوس في إحالته إلى الوجود بل تتجلى بشكل أصلي في العلاقة الإيتيقية بين الأنا والآخر وخارج مقولات المنطق وأبعاد الأنطولوجيا. بيد أن الأخر من حيث هو الآخر المطلق ومن جهة كونه يمنح الدلالة إلى الذات وينتج المعنى هو الغير ويصفه ليفيناس بأنه الإنسان الآخر الذي لا يمكن مقارنته ويمثل الخصوصية المطلقة في وضعه البشري وبالتالي لا يجوز معاملته بوصفه فردا آخر يتقاسم مع الذات نفس الماهية ونفس الوجود والمجتمع ذاته، كما تخْفِضُ تجربة الغير كل مزاعم امتلاك الوعي ودعاوي الحرية وقدرات الذات الأنانية على الحضور والمعرفة والتملك والكينونة بمعزل عن تدخل الآخرين وترفع من شأن المسؤولية بوصفها علاقة إيتيقية. و بذلك فإن ليفيناس ينتقد الماهية من حيث هي حضور محض يتخطى كل حد ويحاول تجاوز المراوحة بين الوجود والعدم من خلال نحت مفهوم الوجود المختلف، ويرى أن المسألة ليس في الوجود أو عدم الوجود وإنما العدم في حد ذاته ليس نقيض الوجود وإنما لا يمتلك معنى إلا بالمقارنة مع الوجود، ان الوجود المختلف هو اللاّنهائي الذي يخترق شمولية الوجود وينتزع نفسه من مقولاته وينتج المعنى، لهذا يصبح مطلب بول ريكور مشروعا في تحقيق الغاية القصدية للإتيقا و الذي يكمن في استهداف الحياة الجيدة مع الآخرين ومن أجلهم عبر مؤسسات عادلة و هذا المقصد الإيتيقي نحو حياة جيدة يتحقق عبرالإعتناء بالآخر البعيد الذي يوجد في منطقة الغرابة أبعد من الأنت وأشد التباسا من علاقة الوجه للوجه في العدالة، وبالتالي لا تتوقف الحياة الجيدة على العلاقات البَيْشَخْصِية بل تتعدى ذلك إلى الحياة داخل المؤسسات وتشترط بناء مساواة تكون من طبيعة مغايرة عن المحبة والصداقة والتَوَادُد والإحسان وتقوم على الهبة والبذل والجود والعطاء وقريبة من الشراكة والرعاية والعناية التي تفرضها الأبعاد الإيتيقية لعدالة المؤسسة. و هكذا تصبح الإيتيقا خلاصا أو محاولة لتجاوز فشل الأخلاق، و إذا كانت فنومينولوجيا الانسان تحدده باعتباره ذلك الكائن القادر على الفعل والكلام والسرد والتذكر والنسيان وتمكنه من الإنتصار على الإنسان المذنب والخطاء فإن العَزْوِيَةascription بالأنجليزية أو imputabilité وimputation بالفرنسية هي الإضافة التي يقدمها ريكور في المجال الأخلاقي بالمقارنة مع أرسطو وكانط واسبينوزا لكي يدرج مفاهيم التقدير والاحترام والمسؤولية والعناية ضمن نسق المعايير وإدراجها بصورة مرنة في إطار شجاعة الوجود والحياة الجيدة، إذ العَزْوِية imputabilité هي القدرة لدى كل شخص على الوعي بذاته من حيث هو الفاعل الحقيقي للأفعال المنسوبة إليه. لكن مع ذلك يبقى السؤال مطروحا، فإذا سلمنا بأن مشكل الشر الجذري لا يطرح ضمن تصور الخطيئة الأصلية بل ضمن مشكل العجز عن الفعل الحَسن، فكيف تساعد العَزْوِية imputabilitéالإنسان على التعرف على القاعدة الصحيحة في الحالات الصعبة؟ و عليه فإنه عوض الإكتفاء بالتربية على الأخلاق و قيمها تبقى الضرورة ملحة في الإنفتاح على الإيتيقا كخلاص و إعادة تشكيل إنسان كوني عوض انحصاره في مجال الضيق.
و كل حجر و الإيتقا نشيدنا
ذ.شفيق العبودي

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5