المفاوضات بين إقرار ترامب وإنكار إيران وإعادة تثبيت سردية الكذب السياسي

العرائش أنفو
المفاوضات بين إقرار ترامب وإنكار إيران وإعادة تثبيت سردية الكذب السياسي
إن الكذب في السياسة لم يعد مجرد انحراف أخلاقي، بل أصبح تقنية لإنتاج الواقع المراد فرضه على الآخرين خاصة الخصوم والأعداء، وفي مشهد العدوان الذي يشنه التحالف الصهيوأمريكي ضد على الشعب الإيراني لأزيد من شهر يصر الرئيس الامريكي على ترديد العديد من السرديات بين الانصار والقضاء على القدرات الإيرانية العسكرية وبنيته التحية النووية، وبين إجراء المفاوضات من أجل قبول ما يقول ترامب شروط أمريكا. هنا نجد أنفسنا أمام روايتان متناقضتان، حقيقتان متصارعتان، وواقع واحد يُعاد تشكيله عبر الخرجات الإعلامية المتكررة.
حين يعلن دونالد ترامب وجود مفاوضات، بينما تُسارع إيران إلى نفيها، في هذه الحالة فإننا لا نكون أمام اختلاف في المعطيات، بل أمام صراع على تعريف ما يحدث. هنا يصبح السؤال، من يقول الحقيقة؟ متجاوزا ويفرضه سؤال آخر بدلا عنه وهو، من يملك القدرة على فرض روايته كحقيقة؟
أو كيف يتحول الكذب إلى استراتيجية تفاوض؟
في منطق السياسة الواقعية، لا تُدار المفاوضات فقط داخل القاعات المغلقة، بل أيضاً عبر التصريحات الإعلامية والتسريبات المقصودة والإشارات الرمزية، وبالتالي فإن إقرار دونالد ترامب بوجود مفاوضات مع إيران قد لا يكون مجرد نقل لواقع، بل أداة ضغط لإحراج الطرف المقابل (إيران)، أو لخلق انطباع بالتحكم في مسار الأحداث، أو لتهيئة الرأي العام لنتائج محتملة.
في المقابل، إنكار إيران ليس بالضرورة نفياً للحقيقة التي ربما تؤكدها الوقائع على الأرض، لكن قد يكون
حماية لموقع تفاوضي، أو رفضاً للاعتراف بشروط مفروضة أو إدارة لصورتها أمام جمهورها الداخلي،
هكذا يتحول الكذب من خطيئة إلى تكتيك تفاوضي مشروع.
ها هنا نجد أنفسنا أمام تتعدد الحقائق، فلو استحضرنا منطق شارل بيرلمان، فإن الحقيقة في المجال السياسي ليست مطلقة، بل تُبنى عبر الإقناع بحيث كل طرف لا يقدم “وقائع” بقدر ما يقدم حججاً موجهة لجمهور بعينه، لذلك فإن تصريحات ترامب تستهدف الداخل الأمريكي وجزء من العالم وخاصة الأسواق التي تتقلب عشرات المرات في اليوم الواحد، خصوصا أسواق النفط والغاز، كما أن إيران أيضا تخاطب شعبها وحلفاءها.
في هكذا سياق لا يصبح الكذب مجرد تشويه للواقع، بل إعادة ترتيب له بما يخدم استراتيجية سردية بعبنها، لأن الحقيقة حسب فوكو ليست ما يُكتشف، بل ما يُنتَج داخل علاقات القوة. وبالتالي فإن إقرار أو إنكار المفاوضات ليسا مجرد موقفين، بل ممارستان للسلطة، لأن من يعلن، يسعى إلى فرض أجندته، ومن ينكر، يقاوم إدراجه داخل تلك الأجندة. وهكذ، لا يصبح الكذب نقيض للحقيقة، بل أحد آليات إنتاجها، فاتحا الباب إلى ما بعدها، وذلك عندما يتحول الجمهور بدوره إلى شريك في اللعبة، وهو ما يثبته زمن الإعلام الفوري، حيث لا تعود الروايات المتناقضة مشكلة، بل تصبح مادة للاستهلاك، هنا الجمهور لا يبحث دائماً عن الحقيقة، بل عن ما يؤكد انحيازاته، وما يعزز موقفه السياسي. وبذلك يتكرس ما يمكن تسميته بالتواطؤ غير المعلن بين السلطة والمتلقي، إذ كل طرف يصدق الرواية التي يريدها، فيتحول الكذب إلى حقيقة انتقائية، معلنا بذلك انهيار المعيار الأخلاقي، بحيث يبدو كانط مثيرا للشفقة وهو يصيح قائلا: “الصدق واجب أخلاقي مطلق” و”قول الحقيقة واجب مقدس”، لأن كل هذه المواعيظ وغيرها ينهار أمام براغماتية سياسية ترى أن “الحقيقة تُقاس بمدى فائدتها”، ومعها يتحول الكذب من فعل مدان إلى خيار عقلاني في إدارة الصراع، لدرجة يختلط الكذب بالحقيقة ويغدو السؤال “من يكذب؟” متجاوزا، لانه صار يخفي حقيقة أعمق تقول أننا أمام نظام سياسي لم يعد يميز بوضوح بين الحقيقة والكذب والخطاب الاستراتيجي، بذلك يؤسس لعالم سياسي لا يكون الكذب فيه مجرد انحراف، بل لغة من لغات السياسة
خلاصة القول إننا لم نعد نعيش صراعاً بين الحقيقة والكذب، بل بين سرديات متنافسة على احتكار الحقيقة.
شفيق العبودي
العرائش 30 مارس 2026
