إعدام الأسرى أو عندما تتحول القوة إلى اعتراف بالفشل

العرائش أنفو
إعدام الأسرى أو عندما تتحول القوة إلى اعتراف بالفشل
أقر الاحتلال الصهيوني يوم الإثنين 30 مارس 2026 أخطر القوانين فاشية والأمر يتعلق ب”قانون بإعدام الأسرى” الفلسطينيين طبعا ومنهم اللبنانيين، في يوم له دلالته الرمزية الخاصة لتزامنه مع تخليذ ذكرى يوم الأرض، وهو قرار لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه واقعة معزولة أو تفصيلاً ميدانياً في حرب طويلة، بل كعلامة كثيفة الدلالة داخل بنية صراع مفتوح، فالإعدام هنا ليس فقط فعلاً عنيفاً فقط، فليس ثمة قرار أكثر فجاجة من أن تُشرعن سلطةٌ ما قتل الأسير، فالإعدام هنا لا يُفهم بوصفه إجراءً قانونيًا باردًا، بل باعتباره لحظة انكشاف وانهيار أخلاقي سياسي، لحظة تعترف فيها القوة دون أن تقصد، بأنها بلغت حدودها القصوى، وأنها رغم فائض عنفها وجبروتها عاجزة عن إخضاع إرادة من تقاتلهم.
إن قانون إعدام الأسرى لا ينبغي قراءته كتصعيد عادي في سياق صراع طويل، بل كتحول نوعي في المعركة، إنه انتقال من إدارة الصراع إلى محاولة إنهائه عبر الإبادة الرمزية والجسدية. فحين يُقتل الأسير، لا يُقتل لأنه خطر آني، بل لأنه يظل، حتى وهو مقيد، وهو أيضا دليل حي على فشل إخضاعه.
لطالما قامت المنظومة الاستعمارية تاريخيا على فكرة الردع إما على السجن أو القمع أو العزل أو حتى التحكم في الأجساد والأزمنة. غير أن هذا الردع يفترض ضمنيًا أن الخوف يمكن أن يكسر الإرادة. لكن ماذا لو لم يحدث ذلك؟ هنا ينقلب المنطق، من “كيف نُخضعه؟” إلى “كيف نُلغي وجوده؟”.
الإعدام إذن ليس تصعيدًا في الردع، بل إعلانًا عن موته. إنه اعتراف بأن السجن لم يعد كافيًا، وأن الزمن لم يعد حليفًا، وأن الأسير بدلاً من أن يتحول إلى كائن مُدجَّن، تحول إلى رمز للمقاومة، بل إلى مصدر إلهام لها. الإعدام إ ذن هو اعتراف بأن المستعمِر فشل في تحويل الأسير إلى كائن مطيع.
غير أن هذا القرار لم يولد في فراغ، لأن كل عنف مفرط يحتاج إلى بيئة تسمح به، أو على الأقل لا تعترض عليه ولا تعاقبه.
في حالتنا العربية، نحن أمام أشبه بتواطؤ فجّ وعجزٌ مُقنَّع، وصمتٌ مُشرعَن وجبان، فقد تحولت القضية الفلسطينية، لدى أغلبية الأنظمة السياسية العربية، من قضية مركزية إلى عبء دبلوماسي، ومع هذا التحول، تراجعت كلفة كل أفعال الاحتلال المتطرفة. لم تعد هناك خطوط حمراء بالنسبة له، لأنه يعرف مسبقا ردود الفعل الرسمية بحيث لن تتجاوز في أحسن الأحوال مجرد بيانات شجب باردة، لا تردع ولا تُقلق. فهل إقرار قانون الإعدام في حق الأسرى خاصة الفلسطينيين منهم دليل قوة وانتصار أم علامة ضعف لدى الاحتلال؟
للوهلة الأولى قد يبدو القرار تعبيرًا عن قوة مفرطة، عن كيان محتل يمتلك الجرأة على الذهاب إلى أقصى الحدود، لكن القراءة العميقة تكشف مفارقة أساسية مفادها أنه كلما تصاعد العنف إلى حدوده القصوى، كان ذلك مؤشرًا على وجود أزمة بنيوية.
العنف هنا ليس علامة سيطرة، بل علامة ارتباك، وليس دليل حسم، بل دليل انسداد. فالاحتلال الذي يثق في قدرته على التحكم لا يحتاج إلى الإعدام، الاحتلال الذي يملك أفقًا سياسيًا لا يلجأ إلى إنهاء حياة الأسير، الاحتلا الذي ينتصر فعلاً في الميدان، لا يخاف من ذاكرة خصمه. أما حين تغيب الحلول السياسية، ويتعطل الأفق، ويتحول الصراع إلى معركة وجود، فإن العنف الأقسى يصبح اللغة الوحيدة المتبقية لغة يائسة، وإن بدت صاخبة.
ومع فتح كل الجبهات على الكيان المحتل يجب ان يقرأ قانون إعدام الأسرى بشكل غير معزول عن سياقه الداخلي، فالتشريعات المتطرفة غالبًا ما تخدم وظيفة مزدوجة، فهي تساهم في قمع الخارج، وفي نفس الوقت تعبئة الداخل.
الإعدام هنا ليس موجّهًا فقط ضد الفلسطيني واللبناني وكل المقاومين، بل أيضًا نحو مجتمع المستوطنين الإسرائيلي نفسه، رسالة مفادها أن الكيان المحتل حازم، وأنه قادر على “الحسم”، ولن يتردد في الذهاب بعيدًا، إنه نوع من السياسة القائمة على إدارة الخوف، الخوف من العدو، والخوف من المستقبل، والخوف من الفشل. ومن هذا الخوف، يُصنع الإجماع، لأن أخطر ما في القانون ليس الإعدام ذاته، بل تقنينه. فحين تُصبح الجريمة قانونًا، فإننا نكون أمام لحظة انهيار في المعايير.
غموما لا يمكن قراءة قانون إعدام الأسرى الفاشيستي إلا بوصفه تعبيرًا مركبًا، باعتباره فشل في إخضاع الإرادة، وباعتباره استثمار في فراغ عربي، وبمثابة انعكاس لأزمة استراتيجية عميقة،
وكونه أيضا أداة تعبئة داخلية قائمة على الخوف
لكنه، قبل كل شيء، يكشف حقيقة مرة، وهي أن القوة حين تعجز عن السيطرة، تتحول إلى عنف أعمى، وأن العنف الأعمى، مهما بلغ، لا يصنع انتصارًا بل يؤجل الهزيمة فقط، هزيمة المحتل أمام أصحاب الحق والأرض.
شفيق العبودي
العرائش 1 أبريل 2026
