ads980-90 after header
الإشهار 1

في حضرة الخطابي: حين تتكلم الذاكرة وتنهض الروح

الإشهار 2

العرائش أنفو

في حضرة الخطابي: حين تتكلم الذاكرة وتنهض الروح

في قلب أرض الكنانة، حيث تختلط ذاكرة التاريخ بأنفاس الحاضر، لم تكن زيارتي لضريح المجاهد المقاوم محمد بن عبد الكريم الخطابي مجرد لحظة عابرة، ولا وقفة بروتوكولية أمام قبر رجل من رجالات الأمة، بل كانت رحلة في عمق الوجدان، واستحضارًا لروح مقاوم لم يغادر الزمن، بل ظل حيًا في ضمير الشعوب.
هناك، في سكون المكان وهيبة المقام، وقفت رفقة ثلة من الأصدقاء الذين يجمعهم عشق التاريخ والإيمان برسالة الكلمة، يتقدمهم الكاتب والصحفي المصري أيمن عبد العزيز، صاحب الرؤية المتبصرة في العلاقات المغربية المصرية، والدكتور الباحث حسن محمد حسن البدوي، الذي أفنى سنوات من عمره في التنقيب في ذاكرة الخطابي وتوثيق مسيرته النضالية في مؤلفه القيم حول دوره في تحرير شمال إفريقيا.
لم تكن الزيارة مجرد تأمل في ماضٍ مجيد، بل كانت نافذة مفتوحة على مشروع فكري ونضالي متكامل، أكدت معالمه أحاديث أفراد عائلة الخطابي بالقاهرة، الذين استحضروا بروح الاعتزاز والوفاء مواقف الرجل، ليس فقط كمقاوم شرس للاستعمارين الإسباني والفرنسي، بل كصاحب رؤية وحدوية عميقة، تتجاوز حدود الجغرافيا الضيقة نحو أفق المغرب الكبير وشمال إفريقيا ككيان موحد في المصير والتاريخ.
لقد كان الخطابي، كما أجمع من عرفوه وعايشوا أثره، يؤمن بأن التحرر لا يُمنح بل يُنتزع، وأن الكرامة لا تُفاوض بل تُصان بالقوة والإرادة. ومن هذا المنطلق، كان يميل إلى خيار المقاومة المسلحة باعتبارها السبيل الأصدق لمواجهة آلة الاستعمار، في وقت اختارت فيه بعض مكونات الحركة الوطنية مسار التفاوض والعمل الدبلوماسي. ولم يكن ذلك الاختلاف تناقضًا بقدر ما كان تعبيرًا عن تعدد الرؤى داخل معركة واحدة، عنوانها الأكبر: الحرية.
وفي خضم هذا الامتداد التاريخي، استوقفتني شهادة العائلة الكريمة حول العلاقة المتينة التي جمعت الخطابي بالمغفور له الملك محمد الخامس، في لحظة تختزل عمق التقدير المتبادل بين رمز المقاومة ورمز الشرعية الوطنية. كما يظل الاهتمام المولوي الذي حظيت به أسرة الخطابي، سواء في مصر أو المغرب، دليلًا حيًا على وفاء الدولة المغربية لرموزها التاريخيين، حيث حظيت ابنته عائشة بتكريم خاص من الملك محمد السادس، وحضر جنازتها الأمير مولاي رشيد ممثلًا لجلالة الملك، في مشهد يختصر معاني الاعتراف والامتنان.
وأنا أقف أمام الضريح، أقرأ الفاتحة ترحمًا على روح طاهرة، شعرت أنني لا أودع رجلًا من الماضي، بل أستحضر مشروعًا لم يكتمل بعد، مشروع وحدة وكرامة واستقلال حقيقي، يتجاوز الحدود ويخاطب الأجيال.
إن الخطابي لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان فكرة… والفكرة لا تموت.
رحم الله المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، وجعل من سيرته نبراسًا تهتدي به الأجيال في زمن تتجدد فيه معارك الوعي والكرامة
محمد اعبيدو

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5