إيمان المصالح: كيف يتحول “دين الله” إلى “سياسة الإخوان” في إسبانيا وكتالونيا

إيمان المصالح: كيف يتحول “دين الله” إلى “سياسة الإخوان” في إسبانيا وكتالونيا
امين أحرشيون
هناك حقائق يراد لها أن تظل حبيسة الرفوف، وصمت مطبق يلف مبالغ ضخمة لا يعرف عنها عموم المسلمين في إسبانيا شيئاً، وكأن الأمر يتعلق بسر من أسرار الدولة وليس بمال عام وُجه لخدمة الشأن الديني. فوفقاً لما كشفه موقع “eldebate.com”، توصل الحساب البنكي للمفوضية الإسلامية بإسبانيا (CIE) بتاريخ 10 فبراير 2026 بمبلغ إجمالي قدره 444,000 يورو كمنحة ودعم من الحكومة المركزية في مدريد. هذا الغلاف المالي الضخم، الذي تم التحقق منه عبر النظام الوطني للمساعدات العامة، يطرح تساؤلات حارقة حول الشفافية والوضوح؛ فأين هم أعضاء المفوضية من كبيرهم إلى صغيرهم؟ ولماذا لم يخرج أي منهم في فيديو أو مقال ليخبر المسلمين بهذا المبلغ وكيفية التصرف فيه؟ إن السكوت هنا يثير الريبة، خاصة حين نرى القائمين على الشأن الديني في مناطق مثل كتالونيا يستمرون في حث الناس على التبرع من أجل شراء المحلات والمنازل “باسم الله”، بينما الملايين تدخل الحسابات الرسمية دون أثر يذكر على أرض الواقع.
إن الطامة الكبرى لا تتوقف عند غياب المعلومة، بل تمتد إلى استغلال “الإيمان” لخدمة أجندات سلطوية ضيقة، حيث نرى شيوخ الظلام يحللون لأنفسهم النفوذ والمال، ويحرمون على غيرهم السؤال عن المصير، محولين الدين إلى “بيزنس” يخدم مصالحهم الشخصية. والأخطر من ذلك هو إقحام الدين في دهاليز السياسة، حيث تُستغل هذه المبالغ لخدمة جهات معينة تلعب على أوتار صناديق الاقتراع، تماماً كما يفعل أصحاب الفكر الإخواني الذين يتقنون فن نشر صور “الخير والصدقة” كواجهة دعوية، بينما الهدف الحقيقي هو حشد الولاءات وتوجيه الجالية لصالح أحزاب سياسية. فكيف يعقل لمجموعة تتبنى فكراً موروثاً مبنيًا على عقلية “القطيع” وتصنيف العالم إلى مسلم وكافر، أن تقبل بكل أريحية تلك “التزكية” والمنح السخية ممن يصفونهم هم أنفسهم بـ “أعداء الإسلام”؟ إنها ازدواجية مقيتة، يصبح فيها المال العام “حلالاً طيباً” يغذي أرصدتهم، بينما يظل المصدر في أدبياتهم محل تخوين.
هنا يبقى السؤال المطروح: من يحق له فتح تحقيق في هذه التبرعات وهذه المبالغ الضخمة؟ وهل سيظل الرأي العام الإسباني، والكتلاني خاصة، غافلاً عن حقيقة أن هذه الأموال التي تُدفع من جيوب دافعي الضرائب تذهب لتعزيز نفوذ أشخاص يملكون أجندات سياسية ودينية محنكة؟ إن هؤلاء يستخدمون الديمقراطية والمنح الحكومية لبناء قلاع من الفكر المنغلق الذي يرفض في جوهرة قيم التعايش، ويستبدلها بالولاء الحزبي المغلف بالدين. إن فتح تحقيق صارم ومستقل في مالية المفوضية وطرق صرفها هو المطلب الوحيد الذي يمكن أن يوقف هذا النزيف، ويضع حداً لاستغلال الدين في معارك السياسة وصناديق الاقتراع، فإذا كان الرأي العام لا يستوعب بعد أن هذه الأموال لا تذهب لإصلاح المساجد بل لتثبيت أقدام تنظيمات سياسية بلباس دعوي، فإننا أمام “شيك على بياض” يُمنح لمن لا يؤمن أصلاً بالوضوح والشفافية.
