ads980-90 after header
الإشهار 1

مهرجانات “التعايش الفئوي” بكتالونيا: بروتوكولات معزولة وقضايا مستوردة خارج سياق الواقع المحلي

الإشهار 2

العرائش أنفو

مهرجانات “التعايش الفئوي” بكتالونيا: بروتوكولات معزولة وقضايا مستوردة خارج سياق الواقع المحلي

أمين أحرشيون

​تنظم الجمعيات والمؤسسات في إقليم كتالونيا، وتحديداً في مدينة “مطارو”، فعاليات احتفالية مستوحاة من مناسبات دينية كعيد الأضحى، تحظى بحضور بارز لمسؤولي البلدية والسياسيين المحليين وسط أجواء من المعارض والمنصات الخطابية. ورغم أن المشهد الخارجي يتم تسويقه كاحتفاء بالتنوع، إلا أن القراءة النقدية العميقة لسياق وتوقيت هذه الأنشطة تكشف عن فجوة حقيقية بين واقع المدينة ومعيشها اليومي. فأولى المفارقات تكمن في توقيت الحدث الذي يأتي متأخراً بعد أن انقضت المناسبة فعلياً في وجدان الناس، مما يحوّلها من شعيرة حية ومتجذرة في يوميات المواطن إلى مجرد استعراض فولكلوري بروتوكولي يتم استدعاؤه وفق أجندات رسمية لا تلامس الأولويات الراهنة للساكنة، والتي تنتظر حلولاً عملية لمشاكل الشغل والسكن والأمن بدلاً من تكرار احتفاليات معلبة انتهت صلاحيتها الزمنية.
​والخلل الجوهري الأكبر في هذه المقاربة يتجلى في تكريس “المنطق الفئوي”؛ فحين تُختزل لقاءات التعايش في تنظيم أنشطة موجهة لثقافة أو جالية بعينها، فإنها تسقط في فخ الإقصاء غير المباشر للأطراف الأخرى المكونة للمجتمع. إن التعايش الحقيقي لا يمكن أن يتحقق من خلال عزل المكونات الثقافية في جزر مستقلة يحتفي كل منها بنفسه أمام المسؤولين، بل ينبغي أن يتأسس على “ثقافة الجميع” وفي فضاءات مشتركة عابرة للخلفيات الدينية أو العرقية. عندما يغيب التفاعل الأفقي بين مختلف أطياف المجتمع في مثل هذه المحافل، يتحول الحدث إلى أداة لترسيخ الانقسام الضمني، حيث يُنظر إلى الفئات المختلفة ككتل معزولة تحتاج إلى بروتوكول خاص، بدلاً من إدماجها الكامل كجزء لا يتجزأ من النسيج المحلي للمدينة.
​وما يثير الانتباه ويزيد من عمق هذه الفجوة هو إقحام والترويج لقضايا وصراعات سياسية خارجية مغتربة عن واقع البلد والمجتمع الذي يعيش فيه هؤلاء المواطنون حالياً. إن تحويل هذه الفعاليات المحلية إلى منصات لتمرير رسائل سياسية عابرة للحدود يكشف عن استغلال واضح للفضاء الجمعوي لتحقيق مآرب وأجندات خارجية لا صلة لها بالهموم اليومية والمباشرة للمواطن في “مطارو” أو غيرها من المدن الإسبانية. هذا الشحن السياسي الخارجي لا يخدم مسار الاندماج، بل يساهم في تشتيت الأولويات وتحويل الأنظار عن التحديات الحقيقية داخل بلد الإقامة، مما يعيق الانصهار السليم في البيئة المحلية ويجعل من هذه الأنشطة وسيلة لإنتاج “ولاءات مزدوجة” تعمق عزلة الجاليات بدلاً من تقريبها من محيطها الجديد.
​وفي مدينة مثل “مطارو”، المعروفة بتعددها الثقافي المعقد وفي الوقت نفسه بالتحديات المرتبطة بالانضباط والاندماج، تصبح هذه اللقاءات الرسمية المنشغلة بالشعارات السياسية والبروتوكولات الفئوية منفصلة تماماً عن الواقع الميداني ومجرّدة من أي فاعلية حقيقية. إن الحضور السياسي المكثف والمصافحات أمام الكاميرات يخدمان أجندات العلاقات العامة والبحث عن صور تسويقية للتعددية، دون النفاذ إلى عمق الإشكالات البنيوية للمدينة. فالتعايش المشترك والاندماج الفعلي لا يُبنيان بالاستهلاك الثقافي العابر، أو بالخطابات والمجاملات السياسية، أو باستيراد صراعات الخارج، بل بسياسات عمومية شمولية تفرض النظام، وتخاطب المواطن كفرد في مجتمع موحد، وتضمن العدالة الاجتماعية والتكافؤ للجميع بناءً على واقعهم المعيش هنا والآن.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5