ads980-90 after header
الإشهار 1

المغرب وإسبانيا… تاريخ مشترك وذاكرة لم تُغلق ملفاتها بعد

من الأندلس إلى أنوال، ومن مقاومة الريف وجبالة إلى سبتة ومليلية... حين يظل التاريخ حاضراً في السياسة

الإشهار 2

العرائش أنفو

المغرب وإسبانيا… تاريخ مشترك وذاكرة لم تُغلق ملفاتها بعد

من الأندلس إلى أنوال، ومن مقاومة الريف وجبالة إلى سبتة ومليلية… حين يظل التاريخ حاضراً في السياسة

بقلم: محمد اعبيدو

ليست العلاقة بين المغرب وإسبانيا مجرد علاقة جوار يفصل بينه مضيق جبل طارق، ولا تقتصر على التعاون الاقتصادي والأمني أو التنسيق في قضايا الهجرة. إنها علاقة معقدة بين بلدين جمعتهما قرون من التفاعل الحضاري والصراع السياسي والتأثير المتبادل، وتركت في ذاكرة كل طرف روايات لم تُحسم بالكامل رغم مرور عقود على انتهاء الاستعمار وتوقيع الاتفاقيات الدبلوماسية.
فالمغرب يستحضر إرث الحماية الإسبانية في شمال البلاد، وما رافقها من قمع للمقاومة، واستغلال للموارد، وتهميش للسكان، وسياسات عسكرية واقتصادية ألحقت أضراراً عميقة بالمجتمع، فضلاً عن الاتهامات المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية والغازات السامة خلال حرب الريف. واجبالة وفي المقابل، تنظر إسبانيا إلى ملفات سبتة ومليلية والجزر والصخور الواقعة تحت إدارتها باعتبارها قضايا سيادة ووحدة ترابية، بينما يصر المغرب على إدراجها ضمن ملف تصفية الاستعمار وحقوقه التاريخية.
لذلك، فإن الخلاف المغربي الإسباني لا يتعلق بالحاضر وحده، بل يستدعي تاريخاً ممتداً من الأندلس إلى حروب الشمال، ومن مرحلة الحماية إلى الحرب الأهلية الإسبانية، ثم إلى قيام المغرب المستقل. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن التصالح مع التاريخ من دون نسيانه، وبناء المستقبل من دون محو الذاكرة؟
الأندلس… إرث حضاري يتجاوز الصراع
منذ دخول المسلمين إلى شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 711، ظلت أجزاء واسعة من الأندلس تحت الحكم الإسلامي، بدرجات متفاوتة، إلى سقوط غرناطة سنة 1492. ولم تكن الأندلس دولة واحدة طوال هذه الفترة، بل تعاقبت عليها إمارات وخلافات ودويلات وممالك، وتعايشت فيها جماعات وثقافات وأديان متعددة.
ومع ذلك، تركت الأندلس أثراً عميقاً على ضفتي المتوسط في اللغة والموسيقى والعمران والفكر والعلوم والعادات والمطبخ والذاكرة الشعبية. كما لم يكن التأثير في اتجاه واحد؛ فقد انتقلت عناصر ثقافية وحضارية من الأندلس إلى المغرب، كما كان للمغرب حضور سياسي وعسكري متكرر في شبه الجزيرة الإيبيرية، خصوصاً خلال عهدي المرابطين والموحدين.
ولهذا لا يصح اختزال التاريخ في مواجهة بسيطة بين “المغاربة” و“الإسبان”، فقد كان أكثر تعقيداً، وشكلته دول وسلالات وشعوب وقبائل وجيوش وتجارات وهجرات. وكان السكان في كثير من الأحيان ضحايا لصراعات سياسية صنعتها السلطات والنخب، بينما ظل البحر بين الضفتين جسراً للتبادل بقدر ما كان مسرحاً للحروب.
مقاومة الشمال… الريف وجبالة في مواجهة الاستعمار
عند الحديث عن حرب الشمال المغربي، غالباً ما يُختزل المشهد في تسمية “حرب الريف”، رغم أن المقاومة امتدت إلى مجالات واسعة شاركت فيها قبائل ومناطق متعددة، وفي مقدمتها جبالة.
فمنطقة جبالة، بما تتميز به من اتساع جغرافي وكثافة سكانية وموقع استراتيجي، كانت حاضرة في مواجهة التوسع الاستعماري الإسباني، سواء من خلال المشاركة في المعارك أو توفير الإمدادات والتموين والملاذ للمقاومين. كما قدمت مناطق شمالية عديدة مقاتلين واجهوا القوات الاستعمارية في ظروف قاسية.
ومن ثم، لم تكن حرب الشمال حرب منطقة واحدة، بل مقاومة واسعة شارك فيها الريفيون والجبليون وسكان مناطق أخرى، ضمن سياقات محلية مختلفة، لكنها التقت في رفض السيطرة الأجنبية والدفاع عن الأرض والكرامة. كما أن عدداً من المشاركين في معركة أنوال والجبهات المحيطة بها كانوا من جبالة أو من المناطق الشمالية المتاخمة للريف.
ولا ينتقص إبراز هذا الدور من مكانة محمد بن عبد الكريم الخطابي أو من رمزية المقاومة الريفية، بل يوسع صورة الحدث ويمنحها دقة أكبر. فأنوال لم تكن ثمرة جهد فرد أو منطقة منفردة، وإنما نتيجة تفاعل مقاوم شاركت فيه مكونات بشرية وجغرافية متعددة.
إن إنصاف تاريخ المقاومة يقتضي تجاوز الاختزال، وعدم استخدام تسمية “الريف” بطريقة تستبعد جبالة أو غيرها من مناطق الشمال. فقد كانت المقاومة شبكة من التضامن والقتال والإمداد، وكان الريف وجبالة معاً جزءاً أساسياً من تاريخ مواجهة الاستعمار.
الاستعمار الإسباني… السيطرة العسكرية واستنزاف المجتمع
جاء الوجود الإسباني في شمال المغرب ضمن سياق التنافس الأوروبي على النفوذ وتقاسم مناطق السيطرة. وبموجب نظام الحماية، فُرضت إدارة استعمارية تحكمت في القرارين السياسي والعسكري، وأخضعت السكان لمنظومة قانونية واقتصادية غير متكافئة، استفاد منها المستوطنون الأوروبيون على حساب المغاربة.
ولم يقتصر الاستعمار على الوجود العسكري والإداري، بل أعاد تنظيم الأرض والموارد والاقتصاد بما يخدم مصالح القوة المحتلة. فاستُحوذ على مساحات من الأراضي، ووجهت الاستثمارات إلى المناجم والموانئ والمناطق ذات القيمة الاقتصادية، بينما عانت قطاعات واسعة من السكان الفقر والتهميش وضعف الخدمات.
كما أثقلت الضرائب والإجراءات الاقتصادية كاهل الأهالي، وقُيد وصولهم إلى الأرض والموارد والأسواق. وفي مناطق المقاومة، تحولت هذه السياسات إلى أدوات للحصار والعقاب الجماعي، شملت التضييق على التنقل والتجارة والتموين، بما أضعف قدرة السكان على دعم المقاومين.
الأرض المحروقة وتجويع السكان
مع اتساع المقاومة في الريف وجبالة ومناطق أخرى، لم تقتصر العمليات العسكرية على استهداف المقاتلين، بل امتدت إلى القرى والمجالات الزراعية ومصادر المياه والماشية والطرق التجارية.
وتشير شهادات محلية وروايات تاريخية وأبحاث أكاديمية إلى ممارسات قريبة من سياسة الأرض المحروقة، تمثلت في إحراق المحاصيل والمساكن، وتدمير القرى، واستهداف الماشية ومخازن الغذاء، وفرض الحصار على المناطق الرافضة للوجود الاستعماري. وكان الهدف عزل المقاومة عن حاضنتها الاجتماعية، وتحويل حياة المدنيين إلى وسيلة ضغط تدفعهم إلى الاستسلام أو النزوح.
لذلك، فإن دراسة الاستعمار في شمال المغرب لا ينبغي أن تقتصر على المعارك والاتفاقيات، بل يجب أن تشمل أثر الحرب على المدنيين والزراعة والاقتصاد المحلي والبنية الاجتماعية والذاكرة الجماعية. فالتجويع والحصار لم يكونا دائماً نتائج عرضية للقتال، بل ارتبطا في مراحل معينة بسياسات هدفت إلى إنهاك المجتمع وقطع صلته بالمقاومين.
الأسلحة الكيميائية… ملف يحتاج إلى تحقيق علمي
يُعد استخدام الأسلحة الكيميائية والغازات السامة خلال حرب الريف من أكثر الملفات حساسية في الذاكرة المغربية الإسبانية. فقد تناولت دراسات تاريخية وصحفية وأبحاث أكاديمية اتهامات باستخدام مواد كيميائية، من بينها غاز الخردل، خلال العمليات العسكرية الإسبانية في عشرينيات القرن الماضي.
ولا تزال طبيعة هذا الاستخدام وحجمه والمسؤوليات المرتبطة به موضع نقاش، بسبب صعوبة الوصول إلى الأرشيفات العسكرية الكاملة وتباين الوثائق والشهادات. غير أن الحديث عن آثار صحية وبيئية طويلة الأمد، وربط بعض الباحثين بين مناطق القصف الكيميائي وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض مزمنة، يجعل القضية جديرة بتحقيق مستقل وشفاف.
ولا ينبغي أن يتحول هذا الملف إلى أداة للمزايدة أو إلى اتهام جماعي للشعب الإسباني، كما لا يجوز دفنه تحت شعار النسيان. فإذا أثبتت الوثائق والأدلة استخدام أسلحة محظورة، فإن الأمر يتعلق بانتهاك خطير يستوجب الاعتراف والبحث في سبل جبر الضرر وحفظ الذاكرة.
ويتطلب ذلك فتح الأرشيفات المغربية والإسبانية، وتشجيع فرق بحث مشتركة، وإجراء دراسات طبية وبيئية في المناطق المتضررة، والاستماع إلى شهادات السكان وأحفاد الضحايا بعيداً عن الإنكار أو التوظيف الدعائي.
أنوال… انتصار صنعته مقاومة واسعة
كانت معركة أنوال سنة 1921 من أبرز محطات مقاومة الاستعمار في شمال المغرب، وقد شكلت هزيمة قاسية للقوات الإسبانية وهزة عسكرية وسياسية كبيرة. وتختلف التقديرات بشأن حجم الخسائر، غير أن الدراسات تشير إلى سقوط آلاف القتلى، فيما ترفع بعض التقديرات العدد إلى أكثر من عشرة آلاف، بحسب طريقة احتساب الجنود والاحتياط والقوات المساعدة والأسرى.
لكن أهمية أنوال لا تختصر في عدد الضحايا، بل تكمن في إظهار قدرة شعب خاضع للاستعمار، رغم محدودية إمكاناته، على إلحاق هزيمة بقوة استعمارية كبرى.
وكان محمد بن عبد الكريم الخطابي أحد أبرز رموز المقاومة، غير أن الانتصار لم يكن ثمرة جهد فرد أو منطقة واحدة. فقد ساهمت قبائل ومجموعات من الريف وجبالة ومناطق شمالية أخرى في القتال والإمداد والتموين وتوفير الدعم الشعبي.
إن إعادة قراءة أنوال من منظور شمالي شامل لا تهدف إلى نقل البطولة من طرف إلى آخر، بل إلى رد الاعتبار إلى جميع المكونات التي ساهمت في صناعة ذلك الانتصار. كما أن استحضار المعركة ينبغي أن يقود إلى فهم التاريخ، لا إلى الدعوة للانتقام من الشعب الإسباني المعاصر، لأن الذاكرة التي لا تتحول إلى معرفة قد تتحول إلى حقد، والحقد لا يبني دولة.
المغاربة في حرب فرانكو… تاريخ مركب
تظل مشاركة الجنود المغاربة في صفوف قوات فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية بين عامي 1936 و1939 من أكثر صفحات التاريخ تعقيداً. وتشير دراسات إلى مشاركة نحو 80 ألف جندي مسلم، كان معظمهم من المغرب، ضمن القوات القومية.
وقد أُنشئت وحدات “ريغولاريس” في سياق الاستعمار الإسباني لشمال المغرب، ثم أصبحت من القوات التي اعتمد عليها فرانكو خلال الحرب الأهلية. وكان أبناء الريف وجبالة ومناطق شمالية أخرى جزءاً من هذه التجربة.
غير أن تفسير هذه المشاركة يحتاج إلى تجاوز الأحكام المبسطة. فالمغربي الذي قاتل في صفوف فرانكو لم يكن بالضرورة يدافع عن إسبانيا باعتبارها وطناً له، بل كان يتحرك داخل منظومة استعمارية واقتصادية وعسكرية معقدة. وقد دفعت ظروف الفقر والحاجة والاستعمار كثيراً من أبناء الشمال إلى الانخراط في جيوش تخدم مصالح قوى أجنبية.
لذلك لا ينبغي اختزال هذه التجربة في ثنائية “وطني” و“خائن”، بل يجب فهمها ضمن بنية تاريخية جعلت أفراداً من شعب خاضع للحماية يقاتلون في حرب داخل بلد آخر، بينما كان وطنهم يعيش تحت السيطرة الاستعمارية.
سبتة ومليلية… عودة الجغرافيا إلى السياسة
بعد عقود من انتهاء الحماية، ما تزال سبتة ومليلية والجزر والصخور الواقعة تحت الإدارة الإسبانية حاضرة في صلب النقاش المغربي الإسباني. ولم يعد ملف الحدود تقنياً، كما لم تعد الهجرة مجرد حركة بشرية، ولا الأمن مجرد تعاون بين الأجهزة، إذ تداخلت هذه القضايا مع أسئلة السيادة والهوية والذاكرة والمستقبل.
تؤكد الرباط أن المدينتين والمواقع التابعة لهما جزء من ملف تصفية الاستعمار والمطالب التاريخية للمغرب، بينما تتمسك مدريد بسيادتها وترفض إدراجها في مفاوضات ثنائية حول الوضع السياسي لهذه المناطق.
وقد شهدت مدن إسبانية مسيرات وتجمعات رفعت شعارات تؤكد وحدة الأراضي الإسبانية وترفض أي نقاش حول وضع سبتة ومليلية والجزر والصخور. وتعكس هذه التحركات انتقال القضية من المجال الدبلوماسي إلى المجال الشعبي والإعلامي، لكنها لا تختزل بالضرورة موقف المجتمع الإسباني كله، إذ توجد أيضاً أصوات سياسية ومدنية تدعو إلى الحوار والحلول التفاوضية.
ومن الضروري التمييز بين الخلاف السياسي والعداء للشعوب. فمن حق المغرب التمسك بموقفه التاريخي والقانوني، من دون تحويل ذلك إلى خطاب كراهية ضد الإسبان، كما أن الشعب الإسباني لا يتحمل مسؤولية كل قرارات حكومته، تماماً كما لا ينبغي اختزال المغاربة في مواقف حكومتهم.
الرياضة والرموز الوطنية
امتد النقاش حول سبتة ومليلية أحياناً إلى المجال الرياضي، كما حدث عندما زار مدرب المنتخب الإسباني المدينة حاملاً كأس العالم وقدمها إلى حاكمها. وقد أثارت الخطوة نقاشاً حول توظيف الرموز الرياضية في تثبيت رسائل سياسية وهوياتية.
فالكأس رمز للإنجاز الرياضي، لكنها عندما تُحمل إلى مدينة متنازع على وضعها السياسي وتُقدم إلى مسؤول محلي، يمكن أن تتحول إلى رسالة تتجاوز الرياضة لتؤكد الانتماء والسيادة وفق الرؤية الإسبانية.
ولا تكمن الإشكالية في الزيارة الرياضية بحد ذاتها، بل في احتمال توظيف الرياضة ضمن خطاب قومي أوسع، خصوصاً عندما تتزامن مع مسيرات وأعلام وأناشيد وطنية. فالرياضة قادرة على التقريب بين الشعوب، لكنها قد تتحول إلى أداة لترسيخ الانقسامات إذا استُخدمت لتأكيد رواية سياسية واحدة.
الهجرة… أزمة إنسانية وأمنية وتنموية
تكشف الهجرة عمق التفاوت بين الضفتين. فالشاب المغربي الذي ينظر إلى إسبانيا لا يرى حدوداً فقط، بل يتطلع إلى فرصة ومستقبل وخدمات يعتقد أن بلده لم يوفرها له. أما إسبانيا فتتعامل مع الهجرة باعتبارها قضية حدود وأمن وسيادة وضغط اجتماعي.
ولا يمكن معالجة هذا التعارض بالعنف والأسلاك والردع وحدها، كما لا ينبغي أن يتحول المغرب إلى حارس دائم للحدود الأوروبية، أو أن تتعامل إسبانيا معه باعتباره حاجزاً بشرياً يمنع الهجرة عن القارة.
الأمن ضروري، لكن التنمية أكثر استدامة، والحدود مهمة، لكن العدالة الاجتماعية أكثر قدرة على تقليص اليأس. وقد أظهرت أزمات الهجرة في سبتة حجم التعقيد الذي يحيط بالملف، وسط نقاشات مغربية وإسبانية وأوروبية حول المسؤوليات وحقوق الإنسان وإدارة الحدود.
نحو مصالحة تاريخية وذاكرة مشتركة
لا يمكن بناء شراكة استراتيجية متينة فوق ذاكرة مكسورة. فالمغرب وإسبانيا يحتاجان إلى مصالحة تاريخية لا تعني محو الماضي أو الانتقام منه، بل تعني فتح الأرشيفات وتشجيع البحث العلمي وإعادة قراءة تاريخ الحماية وحروب الريف وجبالة وأنوال، ودراسة سياسات الحصار والتجويع والأرض المحروقة، والتحقيق في استخدام الأسلحة الكيميائية، وفهم مشاركة المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية، وحفظ ذاكرة الضحايا.
ومن المفيد إنشاء مركز مغربي إسباني للذاكرة التاريخية، يضم مؤرخين وباحثين من البلدين لدراسة:
– تاريخ الأندلس والتبادل الحضاري بين الضفتين.
– مقاومة الريف وجبالة ومعركة أنوال.
– مشاركة القبائل والمناطق الشمالية في مواجهة الاستعمار.
– بنية الحماية الإسبانية وأبعادها العسكرية والاقتصادية والإدارية.
– سياسات الحصار والتجويع والعقاب الجماعي.
– تدمير القرى والمحاصيل ومصادر العيش.
– استخدام الأسلحة الكيميائية والغازات السامة وآثارها المحتملة.
– دور الجنود المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية.
– تاريخ الهجرة المغربية إلى إسبانيا.
– وضع سبتة ومليلية والجزر والصخور والمواقع الواقعة تحت الإدارة الإسبانية.
– العلاقات الاجتماعية والثقافية بين سكان الضفتين.
– تأثير السياسة والرياضة في تشكيل الوعي القومي حول قضايا السيادة.
إن تحويل هذه الملفات من مادة للصراع السياسي إلى موضوع للبحث الأكاديمي سيساعد على بناء معرفة مشتركة، ويمنع توظيف التاريخ في نشر الكراهية أو إنكار الوقائع.
العدالة التاريخية ليست ثأراً
هناك فرق بين العدالة التاريخية والثأر. فالعدالة تبحث عن الحقيقة وتحفظ كرامة الضحايا، بينما يبحث الثأر عن خصم جديد. والمغرب الذي يريد أن يكون دولة قوية في القرن الحادي والعشرين لا يحتاج إلى تضخيم الأرقام أو تزوير الوقائع، بل إلى الدفاع عن حقوقه بالحجة والقانون والدبلوماسية والوعي.
وفي المقابل، لا يمكن مطالبة المغرب بنسيان تاريخه إذا كانت إسبانيا تريد شراكة استراتيجية حقيقية. فالثقة لا تُبنى على تجاهل الذاكرة، والاحترام المتبادل يبدأ بالاعتراف بأن القضايا التاريخية لا تختفي بمجرد الصمت عنها.
لكن على المغرب أيضاً أن يتعامل مع التاريخ بعقل الدولة، لا بانفعال الشارع. فالدول القوية لا تمحو ذاكرتها، لكنها لا تسمح لها بأن تتحول إلى قيد يمنعها من بناء المستقبل.
من الأندلس إلى المستقبل
عاشت الضفتان حروباً طويلة، لكنهما عرفتا أيضاً قروناً من التبادل والتأثير المتبادل. واليوم، لا يمكن أن تبقى العلاقات المغربية الإسبانية رهينة الماضي وحده، فهناك مصالح مشتركة في الأمن والتجارة والاستثمار والطاقة والمناخ والهجرة والبحر المتوسط ومكافحة الجريمة المنظمة والثقافة والسياحة.
غير أن أي شراكة حقيقية تحتاج إلى قاعدة واضحة: الاحترام المتبادل؛ احترام السيادة والتاريخ والشعوب والذاكرة والإنسان.
وعلى الأجيال الجديدة أن تعرف تاريخ الأندلس وأنوال والاستعمار ومقاومة الريف وجبالة، وأن تدرك ما رافق الحرب من حصار وتجويع وتدمير واستخدام محتمل للأسلحة الكيميائية، من دون تحويل الإسباني المعاصر إلى مسؤول عن أفعال أسلافه. كما ينبغي فهم الحضور المغربي في تاريخ إسبانيا، سواء من خلال المقاومة أو المشاركة العسكرية أو الهجرة أو بناء الجسور الثقافية.
فالتاريخ ليس أبيض وأسود، بل مساحة واسعة من التناقضات والتجارب الإنسانية. والشعوب التي تحترم تاريخها لا تحتاج إلى تزويره، كما أن الشعوب الواثقة من نفسها لا تحتاج إلى كراهية الآخرين.
ستظل سبتة ومليلية والجزر والصخور جزءاً من النقاش السياسي والتاريخي المغربي، وستظل أنوال شاهدة على مقاومة الاستعمار، كما ستبقى الأندلس رمزاً لتفاعل حضاري طويل. وستظل قضايا التجويع والأرض المحروقة والأسلحة الكيميائية ومشاركة المغاربة في الحرب الأهلية الإسبانية ملفات تحتاج إلى توثيق ودراسة، بعيداً عن الشعارات والتوظيف السياسي.
لكن السؤال الأهم ليس: من انتصر على من؟ بل: ماذا تعلمنا من هذا التاريخ؟
لقد تغيرت الحدود وسقطت الإمبراطوريات ورحل المستعمرون ومات الجنرالات، لكن الشعوب بقيت. وما تحتاجه اليوم هو تحويل ذاكرة الألم إلى معرفة، وذاكرة الصراع إلى جسور، وذاكرة الماضي إلى مستقبل أكثر عدلاً وكرامة للمغاربة والإسبان.

فالأمم لا تُقاس فقط بما حققته في الحروب، بل بما استطاعت أن تتعلمه من جراحها. والتاريخ، مهما حاولنا دفنه، لا يموت؛ إنه ينتظر من يملك الشجاعة ليفتح أبوابه، ويقرأه بصدق، ويمنع تكرار مآسيه.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5