تجارب شعرية جديدة في ديوان “أصوات معاصرة”
شهادات عن الكتابة الشعرية وقصائد في مديح العزلة وهشاشة الكائن

العرائش أنفو
تجارب شعرية جديدة في ديوان “أصوات معاصرة”
شهادات عن الكتابة الشعرية وقصائد في مديح العزلة وهشاشة الكائن
دار الشعر بمراكش تبدأ موسمها الثقافي والشعري العاشر برؤى جديدة
“تجسيد الجرح الإنساني، وحالات الشك والأسئلة والعزلة، وهشاشة الكائن” ضمن هذه الثلاثية الآسرة اختصرت شهادات ومداخلات الشعراء: آمال الغريب، محمد أشرف الشاوي، عبدالإله مهداد، وعبدالحق بلمادن، في افتتاح فعاليات “صالون الدار الشعري” وضمن انطلاق البرنامج الثقافي والشعري للموسم العاشر لدار الشعر بمراكش، ليلة الأربعاء الماضي (التاسع من شتنبر). برنامج “أصوات معاصرة”، وهو الديوان المفتوح دائما على التجارب الشعرية الجديدة، شكل فضاء حواريا حول الشعر والعالم واللغة، كما تحول الى فضاء مائز للإنصات الشعري، قصائد بأنماط الإبداع المتعدد، تتقاطع حينا وتتواشج، وتبتعد حينا وتتصادم.
أطلقت دار الشعر بمراكش رؤية جديدة في تدبير لحظة اللقاء، إذ تحاورت الشاعرة أمال الغريب والشاعر محمد أشرف الشاوي، كما حاور الشاعر عبدالإله مهداد الشاعر عبدالحق بلمادن. حوار “صامت” بالشهادات والنصوص، أمام جمهور ينصت ويتلمس نقط الضوء وأيضا نقط التقاطع والوشائج التي تجمع الخطابات هنا وهناك. حديث مفتوح على الكتابة واللغة والعالم وأسئلة القصيدة، وقصائد في مديح العزلة حيث الشاعر يبدو صوتا مفردا ومتفردا في آن.. ظل الفنان إبراهيم لبلول يعزف على قيتارته، أمام شعراء “سحرة الضوء”، في تجديد للصورة القديمة حيث “هوميروس” أمام قيتارته.
المقام الأول، تقاسمته الشاعرة أمال الغريب والشاعر محمد أشرف الشاوي. الشاعرة آمال الغريب من مشتل دار الشعر بمراكش والمتوجة بالمرتبة الأولى في “جائزة الشعراء الشباب” والتي تنظمها وزارة الشباب والثقافة والتواصل، الدورة الثانية 2023.. فتحت “حرجا كبيرا”، في حديثها عن معاناتها “مع اللغة والكلمات عندما كانت صغيرة” وبعد تمرين متواصل كان ينتهي بسؤال “هل تفهمني؟”..
هكذا بدأت قصة الشاعرة آمال الغريب مع الكتابة: “الحاجة، لا الترف”.. حين تعترف أن «الكتابة أنقذت حياتي» فهي لحظة اعتراف حقيقية في فترة من فترات حياتها.. لم يكن بوسعها سوى الكتابة؛ أن تكتب عن كل ما تشعر به، وأن تفصله تفصيلًا، وأن تشرحه إلى قطع صغيرة، ثم تتركه يتحلل ويختفي”. بدأت حيوات الكتابة عند آمال ب”صنف اليوميات”.. ثم اكتشفت أن اللغة تستطيع أن تكون موسيقى وعاطفة، ويمكنها أن تكون شعرًا، بالتالي تكتب الشاعرة، بتعبير بورخيس، ما تستطيعه. وتعرف أنها مخلصة في كتابتها لما يمور في دواخلها، لكنها اليوم لم تعد تسأل “هل تفهمني؟”.
الشاعر والدكتور محمد أشرف الشاوي، مؤسس ورئيس النادي الجامعي للكتاب ومدير التحرير مجلة أفانين ومنسق مشروع كتاب الزيتون، في حوار مفتوح يعترف أنه لا يستطيع تحديد “اللحظة التي بدأ فيها الكتابة، ويتعامل مع الشعر باعتباره طريقة في النظر إلى الأشياء، ومحاولة لفهم ما لا يُفهم بسهولة.”، وبالنسبة للشاوي “الكتابة ليست امتلاكًا للغة، وإنما الوقوف أمامها في حالة من الشك الدائم. والقصيدة لا تبدأ من الإجابة، بل من ذلك الارتباك.. لذلك الكتابة، بالنسبة له، مساحة للنبش، في الذاكرة، وفي الذات، وفي الأشياء التي نظن أننا تجاوزناها ثم نكتشف أنها ما تزال تسكننا.”.
في النهاية، يعتبر الشاعر أشرف الشاوي في مواصلة للحظة البوح الشعري، أن “الهامش، بالنسبة إليّه، ليس مكانًا ثانويًا وإنما هو المكان الذي يمكن للإنسان أن يرى منه المتن بطريقة مختلفة.. حيث التفاصيل والأصوات والذات وهي تتشظى، وهكذا تصبح الكتابة تعرية. الشاعر، عليه أن «يتعرّى» أمام العالم؛ أن يقبل هشاشته، وأن يسمح للقصيدة بأن تكشف ما كان يريد إخفاءه.. وأن يصبح أكثر شكًا، وأكثر انتباهًا إلى هشاشة اللغة”.
المقام الثاني، تقاسمه الشاعر عبدالإله مهداد والشاعر عبدالحق بلمادن.. “الوتر الأول” كان للشاعر مهداد عبدالإله، المتوج بجائزة “أحسن قصيدة” في دورتها الثالثة (2021) والتي تنظمها دار الشعر بمراكش سنويا والشاعر المولع بالسوسيولوجيا والقصة، في “زمَنُ القصيدة” حيث استسلم عبد الإله مهداد ل”سلطة الحكي، كانت وسيلته للقبض على معنى العالم، وأمام تجربة الفقد كانت القصيدة كافيةً لترميم فراغ المعنى”. يرى الشاعر مهداد أن “أصالة القصيدة تكمنُ في تَجسِيدِها للجُرْحِ الإنساني الأول، ولِلتَّجْرِبَة الوُجُودِيّة المُمْتَدَّة مُنْذُ الأزل، وتَكمُنُ أصالتها في احتِفَائِهَا بالذاكرة الجماعية لا باعتبارها سِجِلاً للماضي، بل كَوعيٍ كُلّي يُعِيدُ تَشْكِيلَ علاقة الذات بالأشياء من حولها، بدون انفصالٍ عن التجربة الشُّعُورِية الفردية المُعاصِرَة”.
إن القصيدة، بتعبير الشاعر مهداد “سيرورة جَمَالية، تَشغلُ المِسَاحات اللاَّمَرْئِية من المعنى، وتَفْتَحُ آفاقا، وتُؤَسِّسُ على هامش اللغة مَعْنَاً جديد، يُعِيدُ تَشكيل علاقتنا بالكلمات، ويظل الرهان دائما على الشعر كفعلٍ إنساني مُتَفردٍ يُجسِّدُ القلق الوجودي، وتجربة الألم، مُعِيدا ابتكار اللغة خارج أي احتمالات رياضية منطقية.. وهو ما لمسه، هو نفسه، في الوعي الجمالي للشعراء، واشتغالهم الفَضائي الجديد، الذي انتَقَلَ مِن فَنِّ السَّمَاع إلى تَجْسِيدِ المعنى بَصَرِيًّا، مُستفيدين من سيميولوجيا الشكل والكاليغرافية وصولا لإمكانيات اللامحدودة لِتَوْلِيدِ النُّصُوصِ باحتمالات إحصائية خوارزمية..”.
الشاعر عبدالحق بلمادن في شهادته حول علاقته بالكتابة الشعرية، يرى الكتابة قدَر محتوم، فلا بد لأناس محددين أن يكتبوا في هذا العالم، و في لحظة ما سَبَته القصيدة، واغتاله البيت والوزن والقافية، وسقط صريعا في البحور، وتلقفَته الأرواء والمجازات، .. يرى الشاعر بلمادن الشعر ملاذا، يفر إليه “من الصمت والخذلان والجنون، ومن الموت أيضا.” ويتذكر أولى هديه بالشاعر المولوع بالنفس التقليدي، ادريس بلبصير، حيث تولع بسحر القوافي، وامتح من كل شيء..
يرى الشاعر بلمادن، أن تعبيره عن القضايا الكونية حينا، واهتمامه بما يحيط به حينا، وأن يتعرى أمام العالم حينا آخر، دون كلل في المحاولة وكل هذا في قالب شعري مخصوص، هو القصيدة العمودية، والتي يعتبرها “ملاذه الصلب، وصرحا آمنا ما زال قادرا على التعبير والتغيير”. ولا ينسى الشاعر عبدالحق بلمادن، “صرح ثقافي شعري هام في هذه الرحلة، وهو دار الشعر بمراكش، والتي “كان لها فضل كبير في أن تصقل هذه الموهبة، عن طريق اختيار لجن التحكيم في أربعة مواسم لقصائد شارك بها الشاعر للنشر ضمن “إشراقات شعرية”.
قصائد من وحي اللحظة، ضمن التجاذب والحوار الداخلي بين الشعراء، نسجت مقاما ثالثا وهو ما جعل من برنامج “أصوات معاصرة” لحظة جديدة، ضمن رؤية صاغتها دار الشعر بمراكش، وفق منظور جديد يراعي تداولا أوسع وأشمل للقاءات الشعرية والثقافية. “في مديح العزلة”، الديوان المصغر الذي كتب قصائده الشعراء: آمال الغريب، محمد أشرف الشاوي، عبدالإله مهداد، وعبدالحق بلمادن.. حوار داخلي لشعراء ينتمون الى راهنهم اليوم.. تجارب شعرية شبابية تنتمي للراهن الشعري، في مواصلة حثيثة من دار الشعر بمراكش، لاستضافة شعراء من الجيل الجديد للقصيدة المغربية الحديثة، شعراء يكتبون للمستقبل،…
1. آمال الغريب
من قصيدة “في سوق الخردة أرواح مستعملة”:
“اشتريت حذاء قديما/ من سوق الذكريات المستعملة/ هو غالبا لشخص ميت من بلد ما/ يعرضه شخص ميت آخر هنا/ إلا أنه لم يجد قبرا مستعملا بعد/ الحذاء مفتوح قليلا من الأمام/ أشعر أنه يريد قول شيء ما/ لهذا ألصقته بغراء/ لكي يمشي وهو صامت / تكفيني هذه الأصوات القوية في رأسي../”
2. أشرف محمد الشاوي
من قصيدة “في جوفكَ شعرٌ”:
“ما زلت أعُدُّ قصائدي، أصابعي، فراغاتي، وكلّ المنازِل التي حطَطْت بها قدميّ. ما زالت بعضُ الرّسميّة تؤُمّ خطابنا اللّيليّ؛ أنا والشّعر. لم نتعرّ كامِلًا بعدُ،/…/”
3. عبدالإله مهداد
“النجمة”: “كلما صِحْتُ: / “ها إنني اصطدْتُ نجمةَ شِعْرٍ”/ وجدتُ بداخلها / شاعرٌ/ يجلِسُ القرْفُصاءْ.
“كنت وحيدا في الغُرْفةِ/ كانَ القلبُ قصيدهْ/ من يَفهَمُ موتَ قصيدَه؟/ غير الاسكافيّ المُتَوَسِّدَ صَهْدَ الزنك/ وذاكرةٍ مُتْخَنَةٍ بالأبوابِ../ وصفْحاتِ المَوتى بِجَرِيدَه..”
4. عبدالحق بلمادن
من قصيدة “أوحَتْ لنا الحمرا”: “”أمورُ نْ أكوشَ”، و”بهجةُ” “ًحمرا”/ وسَعفةُ نخلٍ تُجاري العصورْ/ تَلَقَّفَتِ السرَ من كل درب/ ومن كل دار وباب وسورْ/ من “الكتبيين” و”قصر البديعِ” / و”عَرصتُنا” فاح منها العبيرْ/ و”باهية” جشَّمَتْ كل قاص/ ودانٍ مشقّتَهُ كي يزورْ/ ومئذنة حفظتْ كلَ وجهٍ/ وَوطأَة شيخٍ يدبُ المَسيرْ/ بمنسأةٍ عمَّرَتْ نصفَ قَرْنٍ / فَلَمْ تُخطِ يوما ممَرَّ العُبورْ/”
شعراء أصوات معاصرة يكتبون للمستقبل، في تنوع اختياراتهم الجمالية وأسئلة الكتابة، وهم أيضا يتقاطعون في مسارات واختياراتهم الكتابة الشعرية.. أربعة شعراء من نفس الجيل الشعري الجديد، يزاوجون بين الكتابة الشعرية وانشغالاتهم بأسئلة الإبداع المغربي الجديد، ومعها تفتح دار الشعر بمراكش نافذة جديدة للحوار والتفاعل وفق منظور تدبيري جديد، في افتتاح موسمها العاشر.
