صوفيا أغيلاس… حين يصبح الفن ذاكرةً للمكان

صوفيا أغيلاس… حين يصبح الفن ذاكرةً للمكان
بقلم الفنان والكاتب: سعيد ودغيري حسني

هناك فنانات يعبرن من الفن إلى الشهرة، وهناك من يعبرن من الفن إلى شيء أعمق: إلى الذاكرة، إلى المكان، وإلى الإنسان.
وصوفيا أغيلاس واحدة من تلك الوجوه المغربية التي اختارت أن تجعل من الصورة أكثر من مجرد صورة، ومن السينما أكثر من مجرد شاشة، ومن الثقافة جسرًا يصل المغرب بماضيه، وبالعالم من حوله.
من عوالم الفنون الجميلة والمسرح والأزياء بدأت رحلتها، قبل أن تحمل شغفها بالصورة إلى عالم الإنتاج السينمائي والسمعي البصري. عاشت سنوات في إسطنبول، وخاضت تجربة تنظيم الفعاليات وعروض الأزياء، ثم انتقلت بين عواصم وثقافات مختلفة، قبل أن تعود إلى المغرب حاملة معها تجربة صنعتها المسافات، وصقلتها المغامرة.
أسست Gumus Productions، وأصبحت من الأسماء النشيطة في مجال الإنتاج السينمائي والسمعي البصري، حيث اشتغلت على أفلام وثائقية وأعمال سينمائية وتلفزيونية، وظلت الثقافة المغربية حاضرة في اختياراتها.
ومن بين الأعمال التي ارتبط اسمها بإنتاجها الفيلم الوثائقي «الريف 58-59: كسر الصمت»، وهو عنوان يكشف جانبًا من علاقتها بالذاكرة والتاريخ والمكان.
لكن الحكاية لا تتوقف عند الإنتاج.
ففي الحسيمة، المدينة التي تفتح نافذتها على المتوسط وتحتفظ في ذاكرتها بالكثير من الحكايات، ارتبط اسم صوفيا أغيلاس بالمشهد السينمائي والثقافي، من خلال مهرجان الحسيمة الدولي للفيلم، الذي جعل من المدينة فضاءً للسينما، وللقاء بين الفنانين والجمهور، وبين المغرب والعالم.
الفن… والبيئة
ولأن علاقتها بالمكان لا تنفصل عن علاقتها بالإنسان، فإن اهتمام صوفيا أغيلاس لا يقف عند حدود السينما والثقافة؛ فهي أيضًا من المهتمات والمدافعات عن البيئة، وترى في حماية الطبيعة جزءًا من حماية الذاكرة نفسها.
فالريف، بجباله وبحره وغاباته ومشهده الطبيعي الفريد، ليس مجرد خلفية جميلة للصورة؛ إنه جزء من هوية المكان وذاكرته ومستقبل أبنائه.
ومن هنا يأتي اهتمامها بالقضايا البيئية والعمل من أجلها، انطلاقًا من قناعة بأن الثقافة لا يمكن أن تنفصل عن محيطها، وأن الفنان حين يدافع عن المكان، فهو في الحقيقة يدافع عن الإنسان الذي يعيش فيه.
فما قيمة أن نوثق جمال البحر في فيلم، إذا لم نحافظ عليه في الواقع؟
وما جدوى أن نحكي عن جبال الريف، إذا تركناها تفقد خضرتها وذاكرتها؟
ربما لهذا تبدو علاقتها بالبيئة امتدادًا طبيعيًا لاختياراتها الفنية: الكاميرا توثق، والثقافة تذكّر، والعمل المدني يحمي.

من الريف إلى العالم
ولعل خصوصية تجربتها أنها لا تنظر إلى الثقافة باعتبارها ترفًا، بل باعتبارها طريقة أخرى للدفاع عن صورة المغرب؛ مغرب متعدد، غني بذاكرته، متنوع في روافده، وقادر على أن يحكي نفسه بنفسه.
ومن الريف إلى فضاءات السينما الدولية، ظلت الفكرة واحدة:
أن يكون للمكان صوته، وللتاريخ صورته، وللإنسان حكايته، وللطبيعة حقها في أن تبقى.
وفي مشروعها السينمائي حول التعدد الثقافي المغربي، اتجهت أيضًا إلى موضوع حساس وجميل: ذاكرة اليهود المغاربة وعلاقة هذه الذاكرة بالنسيج المغربي الأوسع، في محاولة للاقتراب من تاريخ التعايش والتعدد الذي يشكل أحد وجوه المغرب.
وهكذا تصبح صوفيا أغيلاس، في النهاية، أكثر من منتجة أو مخرجة.
إنها امرأة اختارت أن تمشي في طريق الفن وهي تحمل معها شيئًا من تراب المكان.
الحسيمة ليست مجرد مدينة على الخريطة؛ والريف ليس مجرد جغرافيا في عنوان فيلم.
إنه ذاكرة.
والبيئة ليست مجرد منظر جميل خلف الكاميرا؛ إنها أمانة بين أيدينا.
والسينما، حين تكون صادقة، لا تكتفي بأن تُمتع العين؛ إنها تحفظ ما يخشى الإنسان أن ينساه.
لهذا، فإن التعريف بصوفيا أغيلاس هو أيضًا تعريف بوجه من وجوه المغرب الفني الذي يأتي من الجهات، من المدن والقرى والذاكرات المحلية، ليصنع لنفسه مكانًا في المشهد الوطني والدولي.
فالمغرب لا تصنعه العاصمة وحدها، ولا تختصره الأضواء الكبرى.
هناك، بعيدًا عن صخب المركز، نساء ورجال يحملون الفن في حقائبهم، ويحملون معه همّ المكان والبيئة والذاكرة، ليقولوا للعالم:
نحن هنا…
لنا حكاياتنا، لنا ذاكرتنا، لنا طبيعتنا، ولنا فنّنا الذي يشبهنا.
وصوفيا أغيلاس واحدة من تلك الحكايات المغربية التي ما زالت تُكتب…
بكاميرا، وبذاكرة، وبحبّ للمكان، وإيمان بأن حماية الوطن تبدأ أيضًا من حماية جماله.
