بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 2

العرائش أنفو
بروكسيل ذاك الزمن الجميل/ 2
تطوان : مصطفى منيغ
لم يكن الدافع للهجرة ، سوى البحث عن أسلوب حياة ، تُواكبُ وعي شاب لمسؤولية التَقرُّب لإنسانية افتقَدَ (حيث أقام) نُبل شيمها وصِدْقِيَة تعاملها مع ترجمة الحقوق المُحصَّل عليها (كشرعية التواجُد عُنصراً ضمن جماعة صالحة مُصلحة ، مُدركة بما يُنسَب اليها القيام به) لواجب مدروسة أبعاده وفق تخطيط يواصل ما وقَف عنده جيل الإباء ، من أعمالٍ تستحق الصيانة أو الإضافة أو إلحاقها بما يتطلبه العصر ، المنسجم مع سُنَّة التجديد المُراد منه التغيير ، لضمان الأجود بدل الاكتفاء بالجيِّد . لذا اخترت المملكة البلجيكية حالما انتهيت من دراسة تاريخها ونجاعة موقعها الاستراتيجي الممثل قلب أوربا النابض بطموحات شعب رغم النطق بلغتين الفرنسية والفلامانية ، في التوحُّد الأساسي المحافظ على تراث الأصل ، والدفاع عن بقائه بإرادة سياسية لا تعرف الخمول ولا القبول بأي كان دون مستوى الشخصية البلجيكية ، المتشبثة أكثر ما يكون التشبث بعشق الحرية والعيش بكرامة واثبات الحضور مهما دَعَا التحضر الانسجام مع وقائع ومستلزمات التطور الواسع الآفاق المحتضن الغير ما دام الخير فوق الأرض وتحتها خصَّ بلجيكا بمقومات الاعتماد على النفس ، وإجادة البناء مع المساهمة المباشرة في إسعاد الناس ، بتوفير الوصول للتمتع بحقوقهم الإنسانية ، وفق مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية ولكل شخص قيمة . لم أفكر طويلا حتى وجدت نفسي بمدينة “سبتة” انتظر الباخرة لأعانق جو “الجزيرة الخضراء” ، كأول نقطة سكنية في شبه الجزيرة الايبيربة الشطر التابع لأسبانيا ، واهتمامي كله متعلق بآخر المطاف في رحلتي صوب بلجيكا التي أحببتها قبل زيارتي لها ، وبعد العاصمة مدريد مرورا بالشهيرة باريس يتوقف القطار فاسحا لهذا الوافد الجديد أن يحط الرحال فوق العزيزة “بروكسيل” لأتحسس ما بقي في محفظتي من مبلغ، لكن فرحتي بالوصول الى المقام / الهدف ، شغلتني عما بقي ولا يكفي كأجرة مبيت في أدنى حجرة لأرخص فندق ولو لليلة واحدة . الجو ممطر كان والبرد يكاد يسقط عوارضي من كثرة اصطكاكها ، ما ارتدي لا يناسب الفصل الذي ما حسبت فساوته ‘ الجاعل من بروكسيل مجمع غير محدود من الفارين لبيوتهم أو أي مكان يقيهم من الرقص التلقائي داخل فضاءات لا يعرف فيها الا مقهى شكلت لعقله الحل الوحيد انتظارا لطلوع فجر جديد الأول له في تلك المدينة الرائعة ، التجأت أيها ومن الباب راقبت داك التكدس المستغل لكل الكراسي ، وما هي الا لحظات قليلة من الترقب رأيتها تشير الي ملوحة بيدها وكأنه في بياض بشرته قطعة من مرمر ابيض غير مألوف في مناجمنا حتى الكائنة منها في بعض قرى مدينة صفرو القريبة من العاصمة العلمية للمملكة المغربية فاس ، لم اصدق بادئ ذي بدء أنها في ذلك تعنيني ، الى أن تيقنت بعد شديد إمعان أنني المقصود بتلك الدعوة المُرسلة بتلك الإشارات اليدوية المرحبة بمن رأته يكاد يرقص على أنغام موسيقى البرد ، قصدتها عن طيب خاطر فطلبت مني الجلوس فوق كرسي بجانبها بل ولتأمر النادل بإحضار فنجان قهوة وقطع من الخبز محشوة بأصناف لم اتبين منها الا الجبن أما الباقي لم اعر له الا اهتمامي بلذته والجوع يرحب بالتهامه في صمت غريب مشوب بفرحة مثل الحلول لأعْقَدِ مشاكلي الآنية آنذاك ، سألتني إن كنت مغربيًا: – أجبتها وكيف عرفت ، قالت : – لآني مثلك أصلاً وجذوراً ، نزَحَت أسرتي الى هنا بعد استقلال المغرب مباشرة ، ليؤسِّس والدي تجارة أستطاعَ بها أن يحقِّق وجوده بين تجار هذه المدينة ، واكتفينا معه بما أردناه بيتاً يضمنا ومناصب شغل لكافة إفراد أسرتنا الصغيرة ، ووفرة مادية تقينا الحاجة لو انقلب علينا الزمان بصروفه غير المرغوب فيها أصلاً ، وأنتَ ما حكايتك ؟ :
– حكايتي (قلتُ لها) حكاية كل باحث عن وضعية مريحة أساير بها مرحلة أعتقد أنها ستكون الأهم في حياتي ، معيشةً وتعلُّماً وتأسيساً لنواة عائلة أستقرُّ بها كحقٍ من حقوقي الإنسانية لا غير . سألتها :
وأنت مَن أجلسك في هذه المقهى و التوقيت غير مناسب لمن له بيت وأسرة في هذه المدينة ؟ .
– ابتسمت وعيناها لا تفارق عيناي : ربما قَدَرِي ، كنتُ في “لاَهَايْ” الهولندية مؤدية واجباً يقتضيه عملي ، وعند عودتي من هناك ، قرَّرتُ الاستراحة قليلاً قبل أن أواصل طريقي نحو البيت ، وأنت ؟ :
فاجأتني بمثل التوسُّع في الحديث ، ما أنت فاعِل ؟ :
– لا أدي قاطعتها بتلقائية وعفوية تثير الدهشة .
نهضت لتؤدي ثمن المُستَهلَك من طرفينا شُرباً وأكلاً ، وأخذتني من يدي متجهة بي نحو سيارة لاستقرَّ داخل بيت لا أحد فيه سوانا ، أطلعتني على جميع مرافقه ، من الحمام الى المطبخ الي قاعة الجلوس الى حجرة النوم ، مانحة إياي مفتاح نفس البيت متمنية لي قضاء ليلة سعيدة ثم غادرت على أمل زيارتي لتناول وجبة الإفطار معا غداً صباحا .
… لم أستطع مقاومة العياء وأقصاه عياء القلق مما هو حاصل غداً مع الفتاة اللُّغز ، التي مهما عصَّرتُ فكري لن أصلَ الى حقيقةِ تصرُّفها معي ، على هذا الشكل الذي أعتبرُ وقائِعه يفوق تهيؤات الخيال ، البارع في تصوير ما لم يقبل التَصَوُّر ولو في الأحلام ، قد تكون ملاكاً يمشي على الأرض ، أو جنية سكنَت جَسد إنسانة بريئة ، أم هكذا المتشبعين بأخلاقيات البلجيكيين المتطوعين عن حسن نية ، لمساعدة المحتاجين وخاصة مثلي في أوقاتهم الحرجة . مسألة أنستني متعة الكَرَى وإغراء هذا الفراش النقي الوثير المكيَّفة الحجرة حيث وُضِعَ ، الأنيقة المرتَّب ما احتوته من كماليات بتنسيق في الألوان ووضعيات لا تملُّ العين من مشاهدتها ، كتلك التي طالما شاهدتها في أفلام تُظهِر مقامات أثرياء هوليود المحيطين عالمهم الخاص بالغالي الثمين ، المساعد على النوم العميق المريح الخالي من التهيؤات المزعجة ، لاسْتَخْلِصَ لمقولة غير غادية ، “دعني أبصرُ غرفة نومكِ لأعرفَ من تكونين” ، ومِن هنا تيقَّنتُ أن الفتاةَ مِن الغِنَى ما يجعلها مِن عالية القوم ، تحيا سِراً لن أرتاحَ حتى اعرفه جملةً وتفصيلاً .
… طبعاً فرحت بنتيجة ما أوصلني إليه قدري ، ومنذ الليلة الأولى من مقامي المُحَقَّق في العزيزة بروكسيل ، حتى وإن كان الغموض أحياناً يجرني للحيرة ومعانات الشكوك . قد نعيش مثل اللحظات المدرجة في خانة المستحيلات ، ولا نهدأ بتاتاً فالاكتفاء بالامتداد فوق حصير داخل كوخ غير صالح للسكن ، يوفِّر أحسن من ذلك راحة البال وعدم التفكير اللاَّمُنقَطِع ، فيما ينقل من الحاجة المُلِحَّةَ لإنقاذِ النفس مِن ورطةِ المَبِيت صاحبها في العَراء ، والشتاء لا يفتر هطوله ، والبرد يغرز أشواكه المُضِرَّة في بشرة جسده ، الى مثل الغرفة الشبيهة بما لأميرة من الأميرات المكانة المادية اللَّامحدودة ، لترتمي فوق سريرها الناعم المَلْمَس ، الأحَن على احتضان جسد من حقه أن ينعم براحة الراحة ، السابح المنتمي إليه ، في عالم اللاوعي المنعش الحواس جميعها عند الاستيقاظ ، بحيوية زادِ الحياةِ كحياةٍ مِن ورائِها تتخلَّص من حياةٍ بلا طُعم ، لمتطلبات غير ملموسة لحياة ذات طعم ، وآخر نقاش مع النفس قبل أن يتغلب عليَّ النوم كان مجرد سؤال : مَن تكون هذه الفتاة ، ولما فعلت معي ما فَعلَت ؟؟؟
(يتبع).
