جبالة المغربية في مواجهة الذاكرة الإسبانية… من مأساة طرد الأندلسيين إلى جراح الاستعمار: متى تعتذر إسبانيا؟

العرائش أنفو
جبالة المغربية في مواجهة الذاكرة الإسبانية… من مأساة طرد الأندلسيين إلى جراح الاستعمار: متى تعتذر إسبانيا؟
لماذا أنصفت إسبانيا الذاكرة اليهودية السفاردية، بينما لا يزال المسلمون الأندلسيون وضحايا الاستعمار الإسباني بشمال المغرب ينتظرون اعترافاً تاريخياً واعتذاراً أخلاقياً عادلاً؟
بقلم: محمد اعبيدو
ليست الأندلس بالنسبة إلى المغاربة مجرد حضارة غابرة، ولا قصوراً تزيّن المدن الإسبانية، ولا حكاية رومانسية تُروى في كتب التاريخ. إنها ذاكرة إنسانية عميقة، تختزن أمجاد العلم والعمران والتعايش، كما تختزن مآسي الاقتلاع والاضطهاد الديني والطرد الجماعي.
وليست بلاد جبالة المغربية مجرد جبال تطل على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، بل هي مجال تاريخي وحضاري احتضن جانباً مهماً من الذاكرة الأندلسية، وحافظ على روافدها الثقافية، ثم وجد نفسه، بعد قرون، في مواجهة الاستعمار الإسباني الذي مسّ سيادة المغرب وترك جراحاً عميقة في ذاكرة سكان شماله.
إن فتح ملف العلاقات التاريخية بين جبالة وإسبانيا لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تعبيراً عن عداء للشعب الإسباني، أو رغبة في إحياء صراعات الماضي، بل باعتباره طرحاً لسؤال أخلاقي وتاريخي مشروع:
لماذا استطاعت إسبانيا الحديثة أن تخطو خطوات مهمة في إنصاف الذاكرة اليهودية السفاردية، بينما لم تقدم اعتذاراً رسمياً مماثلاً عن اضطهاد المسلمين الأندلسيين وطردهم، ولا عن ممارساتها الاستعمارية في شمال المغرب؟
ولكي يكون الموقف واضحاً منذ البداية، فإن أبناء جبالة المغاربة لا يطالبون بالجنسية الإسبانية، ولا يعتبرونها تعويضاً عن تاريخ أجدادهم.
فنحن مغاربة بالجذور والهوية والانتماء والمصير. والمغرب ليس وطناً بديلاً لجأ إليه أجدادنا في انتظار العودة إلى إسبانيا، بل هو وطننا الأصيل الذي نعتز بسيادته ووحدته وترابه.
ما نطلبه من إسبانيا ليس جواز سفر، بل كلمة حق.
نطلب اعترافاً تاريخياً شجاعاً، واعتذاراً أخلاقياً صريحاً، ومصالحة عادلة مع ذاكرة الأندلسيين المسلمين وضحايا الاستعمار الإسباني في شمال المغرب.
فالكرامة لا تُمنح بقانون للجنسية، والذاكرة لا تُشترى بجواز سفر، والحق التاريخي لا يسقط لمجرد مرور القرون.
أولاً: بلاد جبالة… جغرافيا احتضنت التاريخ
تمتد بلاد جبالة في الشمال الغربي للمملكة المغربية، ضمن مجال جغرافي وتاريخي واسع يرتبط بمرتفعات الريف الغربي، ويتصل بمحيط طنجة وتطوان والعرائش وشفشاون ووزان وتاونات، مع اختلاف حدود هذا المجال بحسب التقسيمات التاريخية والقبلية.
إنها أرض الجبال والوديان والسهول الخصبة، حيث تتعانق غابات الزيتون والتين والبلوط مع القرى العتيقة، وحيث يلتقي الامتداد المتوسطي بالمجال الأطلسي.
وقد جعلها موقعها الجغرافي، المقابل للأندلس والقريب من مضيق جبل طارق، إحدى أهم مناطق التواصل التاريخي بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية.
وتضم بلاد جبالة قبائل عريقة، من بينها بني عروس، وبني زجل، والأخماس، وبني حسان، وبني يسف، وسماتة، وبني جرفط، وبني عمار، وغيرها من القبائل التي أسهمت في تشكيل النسيج الاجتماعي والثقافي للشمال المغربي.
ولم تكن المنطقة أرضاً خالية استقبلت الوافدين الأندلسيين، بل كانت مجالاً مغربياً أصيلاً ذا جذور تاريخية متعددة، تفاعلت فيه المكونات الأمازيغية والعربية والشريفة مع الهجرات القادمة من الأندلس.
ومن هذا التفاعل نشأت شخصية جبلية متميزة، تجمع بين العمق المغربي والتأثيرات الأندلسية والمشرقية والمتوسطية.
ولذلك، فإن الحديث عن الحضور الأندلسي في جبالة لا يعني اختزال أصول جميع قبائلها في نسب واحد، وإنما الاعتراف بأحد الروافد المهمة التي أغنت تاريخها وهويتها.
ثانياً: الأندلسيون المطرودون… حين أصبح الإنسان غريباً في وطن أجداده
شكّل سقوط غرناطة سنة 1492 منعطفاً مأساوياً في تاريخ المسلمين بالأندلس.
فبعد قرون من الحضور الإسلامي، بدأت مرحلة جديدة من التضييق على الهوية الدينية والثقافية للمسلمين، وتوالت سياسات التنصير القسري والملاحقة الدينية، وصولاً إلى قرارات طرد الموريسكيين التي بدأت سنة 1609 واستمرت خلال السنوات التالية.
لم يكن هؤلاء غرباء عن أرض إسبانيا. كانوا أبناءها وأحفاد أجيال عاشت فيها، وشيدت مدنها، وفلحت حقولها، وأسهمت في ازدهار علومها وفنونها وصناعاتها.
كان بينهم العلماء والفقهاء والأطباء والتجار والحرفيون والفلاحون، كما كانت بينهم نساء حملن أطفالهن نحو المجهول، وشيوخ غادروا بيوتاً لم يعرفوا غيرها.
لقد تحولت الأرض التي احتضنت أجدادهم إلى أرض تضيق بوجودهم، وأصبحت الهوية الدينية سبباً للاضطهاد والإقصاء.
ومن بين الوجهات التي قصدتها موجات المهاجرين، برز المغرب باعتباره امتداداً جغرافياً وروحياً وحضارياً للعالم الأندلسي.
وقد استقبلت مدنه الشمالية ومناطقه القروية والجبلية أعداداً من الوافدين، الذين أسهموا في إثراء الحياة الاقتصادية والعلمية والعمرانية والاجتماعية.
إنها مأساة لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها مجرد انتقال سكاني من ضفة إلى أخرى، بل باعتبارها اقتلاعاً قسرياً لجماعات بشرية من فضائها التاريخي والثقافي.
وإذا كانت الإنسانية المعاصرة قد جعلت من حرية المعتقد ورفض التمييز الديني مبادئ أساسية، فإن الوفاء لهذه المبادئ يقتضي أيضاً مراجعة المظالم التي ارتُكبت باسم الدين في الماضي.
ثالثاً: من غرناطة إلى جبالة… ذاكرة أندلسية استقرت في شمال المغرب
تشير المصادر التاريخية والروايات المحلية إلى استقرار جماعات أندلسية في مناطق متعددة من شمال المغرب، خلال مراحل مختلفة سبقت سقوط غرناطة وأعقبته، ثم خلال موجات طرد الموريسكيين.
وقد ارتبطت بعض الهجرات بمناطق الجزيرة الخضراء ورندة وغرناطة وغيرها من الحواضر والقرى الأندلسية.
وتشير الروايات المتعلقة بالاستقرار الأندلسي إلى حضور وافدين في طنجة وأحوازها، والفحص وأنجرة ووادراس، وأصيلة والمناطق المجاورة لها، وتطوان وشفشاون، وبعض مجالات غمارة والريف الغربي.
وقد أصبحت تطوان، على وجه الخصوص، من أبرز الحواضر المغربية التي احتضنت التراث الأندلسي، كما ارتبط تاريخ شفشاون باستقبال الوافدين ومقاومة التوسع الإيبيري.
وامتدت التأثيرات الأندلسية إلى مجالات أوسع من بلاد جبالة، حيث تفاعلت مع التقاليد المغربية المحلية، وأسهمت في نقل المعارف الزراعية والصناعات التقليدية وأساليب البناء والعادات الاجتماعية.
وتستحق الروايات التي تتحدث عن أصول بعض الأسر والقبائل الجبلية دراسة علمية معمقة، من خلال تحقيق المخطوطات والوثائق التاريخية ومقارنتها بالموروث الشفهي.
فليس المطلوب صناعة أنساب جماعية مفترضة، وإنما توثيق التاريخ الحقيقي للهجرات والاندماج والتفاعل الحضاري.
إن قوة بلاد جبالة لا تكمن في الادعاء بأن جميع سكانها ينحدرون من أصل واحد، بل في قدرتها التاريخية على استيعاب روافد متعددة وصهرها في انتماء مغربي مشترك.
رابعاً: اللهجة الجبلية… حين تحفظ اللغة ما تنساه الوثائق
من أبرز خصوصيات بلاد جبالة لهجتها العربية المحلية، التي تحتفظ بظواهر صوتية ومعجمية وتركيبية تستحق اهتماماً علمياً خاصاً.
وتُعد الإمالة من الخصائص اللافتة في عدد من التنوعات الجبلية، حيث يميل نطق بعض الحركات نحو الكسرة أو الياء.
وقد أثارت هذه الظاهرة اهتمام عدد من العلماء والباحثين، ومن بينهم الحسن اليوسي، الذي سجل ملاحظات بشأن طريقة نطق سكان بعض جبال المغرب لكلمات تختلف عن نطقها في لهجات مغربية أخرى.
وتوجد للإمالة نظائر في تقاليد عربية متعددة، بما فيها بعض اللهجات المشرقية، كما حضرت في الدراسات المتعلقة بالعربية الأندلسية.
ولا يكفي هذا التشابه وحده لإثبات أصل سكاني واحد، لكنه يفتح مجالاً مهماً للبحث في التفاعل اللساني بين المغرب والأندلس والمشرق.
إن اللهجة الجبلية ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل مستودع لذاكرة جماعية، تحمل في أصواتها ومفرداتها آثار قرون من التفاعل الحضاري.
وحماية هذا الموروث اللامادي مسؤولية ثقافية وطنية، تستوجب جمع مفرداته وتوثيق خصوصياته وتشجيع الدراسات الأكاديمية المتعلقة به.
خامساً: بني عروس وجبل العلم… العمق الروحي لبلاد جبالة
لا يمكن الحديث عن تاريخ جبالة دون التوقف عند قبيلة بني عروس وجبل العلم، ذلك المجال الذي يحتضن ضريح مولانا القطب عبد السلام بن مشيش، رضي الله عنه، أحد أعلام التصوف المغربي والإسلامي.
لقد شكلت هذه الربوع مركزاً للإشعاع العلمي والروحي، وارتبطت بالتراث الشاذلي الذي امتد تأثيره إلى أقطار واسعة من العالم الإسلامي.
وكانت الزوايا والكتاتيب القرآنية والمدارس العلمية في بلاد جبالة فضاءات لحفظ المعرفة والتربية الروحية والتضامن الاجتماعي.
وفي هذه البيئة تفاعلت تقاليد العلم والتصوف والانتساب الشريف مع الموروث المغربي الأصيل والتأثيرات الحضارية الوافدة.
ولذلك، فإن جبل العلم ليس مجرد موقع جغرافي، بل معلم من معالم الذاكرة الروحية للمملكة المغربية، وشاهد على مساهمة شمال المغرب في بناء الشخصية الدينية والحضارية للأمة.
إن جبالة التي احتضنت الذاكرة الأندلسية هي نفسها التي حافظت على تقاليد العلم والاعتدال والتسامح، وأسهمت في ترسيخ الانتماء الوطني والدفاع عن المقدسات والثوابت المغربية.
سادساً: لماذا الاعتراف بمأساة اليهود والتردد في الاعتذار للمسلمين؟
هنا نصل إلى جوهر القضية الأخلاقية والتاريخية.
لقد اعتمدت إسبانيا سنة 2015 القانون رقم 12/2015، الذي أتاح لليهود السفارديم المنحدرين من أصول إسبانية مساراً استثنائياً للحصول على الجنسية الإسبانية، وفق شروط وإجراءات محددة، في إطار معالجة المظلمة التاريخية المرتبطة بطردهم سنة 1492.
وقد رافقت هذه المبادرة خطوات وخطابات رسمية للتصالح مع الذاكرة اليهودية السفاردية والاعتراف بما تعرض له أصحابها من ظلم تاريخي.
ونحن، من منطلق إيماننا بقيم الأخوة الإنسانية والتسامح والتعايش، نعتبر إنصاف الذاكرة اليهودية خطوة حضارية تستحق التقدير.
فاليهود الذين طُردوا من الأندلس كانوا ضحايا اضطهاد ديني لا يمكن تبريره، ومن حق أحفادهم أن تحظى ذاكرتهم بالاحترام والإنصاف.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:
لماذا لم يمتد المنطق الأخلاقي نفسه إلى المسلمين الأندلسيين والموريسكيين الذين تعرضوا بدورهم للاضطهاد والطرد؟
هل كانت دموع الأم اليهودية التي غادرت بيتها سنة 1492 أصدق من دموع الأم المسلمة التي اقتُلعت من أرضها؟
هل كان فقدان الوطن مأساة عندما تعلق الأمر باليهود، ثم أصبح مجرد حدث تاريخي عندما تعلق الأمر بالمسلمين؟
هل تتغير قيمة الكرامة الإنسانية بتغير العقيدة؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف اليهود، ولا تنتقص من حقوقهم، ولا تدعو إلى التراجع عن أي مبادرة لإنصافهم.
بل إنها تنطلق من المبدأ الأخلاقي نفسه الذي استندت إليه إسبانيا في مصالحتها مع الذاكرة السفاردية.
ومن باب الدقة التاريخية والقانونية، فإن القضية لا تتعلق بوجود اعتذار إسباني رسمي شامل لكل اليهود يقابله رفض قانوني صريح للاعتذار للمسلمين، وإنما بالتفاوت الواضح بين المبادرات الرسمية والقانونية المخصصة للذاكرة السفاردية، وغياب مبادرة مماثلة في مستوى الاعتراف والإنصاف تجاه المسلمين الأندلسيين والموريسكيين.
وهذا التفاوت يستحق نقاشاً جاداً.
فالعدالة التاريخية لا ينبغي أن تكون انتقائية، والمصالحة مع الماضي لا تكتمل عندما يُعترف بجرح وتُترك جراح أخرى مفتوحة.
إن الاعتذار الحقيقي لا ينبغي أن تكون له ديانة، والكرامة الإنسانية لا يجوز أن تخضع لمعايير مزدوجة.
سابعاً: جبالة لا تطلب الجنسية الإسبانية… فالمغرب وطننا وليس بديلاً مؤقتاً
من الضروري أن تفهم إسبانيا، وأن يفهم الرأي العام الأوروبي، أن أبناء جبالة المغاربة لا يطرحون هذه القضية بحثاً عن الجنسية الإسبانية.
فنحن لا نعتبر المغرب أرض لجوء مؤقتة استقر فيها أجدادنا في انتظار العودة إلى الأندلس.
المغرب وطننا، وتاريخه تاريخنا، وسيادته سيادتنا، وكرامته من كرامتنا.
إن الجنسية المغربية ليست تعويضاً عن جنسية مفقودة، بل انتماء وطني أصيل نعتز به.
ولا نحتاج إلى جواز سفر إسباني حتى نعبر عن اعتزازنا بالميراث الأندلسي الذي أصبح جزءاً من الحضارة المغربية.
ما نريده من إسبانيا ليس أن تمنحنا جنسيتها، وإنما أن تمتلك شجاعة الاعتذار.
نريد اعترافاً رسمياً بأن المسلمين الأندلسيين تعرضوا لاضطهاد ديني وطرد جماعي، وأن ما جرى لهم يمثل صفحة مؤلمة من التاريخ الإسباني تستحق الإدانة الأخلاقية الواضحة.
نريد أن يُدرَّس هذا التاريخ للأجيال الإسبانية الجديدة بعيداً عن التبرير والانتقائية.
ونريد أن تحظى الذاكرة الإسلامية الأندلسية بالمكانة نفسها التي تستحقها سائر مكونات التراث الإنساني لإسبانيا.
فالمغربي الحر لا يحتاج إلى جنسية أجنبية لكي يستعيد كرامة أجداده؛ إنه يحتاج إلى اعتراف تاريخي يعيد الحقيقة إلى مكانها الصحيح
ثامناً: من طرد الأندلسيين إلى استعمار جبالة… جرحان في ذاكرة واحدة
لا تتوقف مسؤولية إسبانيا التاريخية عند ما جرى في الأندلس.
فبعد قرون من طرد المسلمين من شبه الجزيرة الإيبيرية، عاد الوجود العسكري والسياسي الإسباني ليفرض نفسه على أجزاء واسعة من شمال المغرب.
وبموجب ترتيبات الحماية سنة 1912، خضعت مناطق من شمال المملكة المغربية للإدارة الاستعمارية الإسبانية، بما شمل مجالات واسعة من الريف وبلاد جبالة.
وهكذا وجدت المنطقة نفسها أمام مرحلة جديدة من الهيمنة الأجنبية، لم تكن مجرد إدارة سياسية عابرة، بل نظاماً استعمارياً مسّ السيادة الوطنية وأثر في حياة السكان وبنياتهم الاجتماعية والاقتصادية.
لقد عرفت مناطق الشمال المغربي المقاومة والانتفاضات والمواجهات العسكرية، وقدم أبناؤها تضحيات دفاعاً عن الأرض والحرية.
ولم تكن قبائل جبالة بعيدة عن هذه التحولات، فقد عاشت بدورها تداعيات الوجود الاستعماري الإسباني، وشهد مجالها الجغرافي مواجهات وحركات مقاومة ارتبطت بتاريخ التحرر الوطني.
إن التاريخ الذي يستحق الاعتراف ليس فقط تاريخ القصور الأندلسية والموسيقى والعمارة والتبادل الحضاري، وإنما أيضاً تاريخ الاحتلال والمقاومة والضحايا.
فكيف يمكن الحديث عن مصالحة مغربية إسبانية عميقة دون مواجهة هذه الصفحات بشجاعة؟
وكيف يمكن الاحتفاء بروابط الجوار والصداقة، بينما تبقى جراح الاستعمار خارج الاعتراف الرسمي الواضح؟
إننا لا نحمل الشعب الإسباني المعاصر مسؤولية شخصية عن أفعال أجيال سابقة، لكننا نعتبر أن المؤسسات الديمقراطية الحديثة تملك مسؤولية أخلاقية في مراجعة الماضي، والاعتراف بالمظالم، وفتح أرشيفها أمام الحقيقة التاريخية.
تاسعاً: المقاومة المغربية… من أحمد الريسوني إلى محمد بن عبد الكريم الخطابي
لم تكن مقاومة الاستعمار الإسباني في شمال المغرب حدثاً هامشياً، بل كانت إحدى الصفحات البارزة في التاريخ الوطني المغربي.
فقد ارتبطت مقاومة الريف باسم المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي قاد واحدة من أهم حركات التحرر المناهضة للاستعمار خلال القرن العشرين.
كما ارتبطت المقاومة في المجال الجبلي الغربي بأسماء وشخصيات متعددة، من أبرزها الشريف أحمد الريسوني، الذي شكل حضوره السياسي والعسكري جزءاً من تاريخ الصراع المعقد مع التوسع الاستعماري الإسباني.
وعرفت مناطق جبالة والريف مواجهات ومقاومات محلية، شاركت فيها قبائل وجماعات دافعت عن أرضها وعن استقلال قرارها.
ولعل معركة أنوال سنة 1921 تظل من أبرز المحطات التي كشفت قدرة المقاومة المغربية على مواجهة قوة استعمارية حديثة.
كما شهدت حرب الريف استعمال القوات الإسبانية للأسلحة الكيميائية، وهي صفحة خطيرة من التاريخ الاستعماري تستوجب مزيداً من البحث وفتح الأرشيف والاعتراف بمسؤوليات الماضي.
ولا ينبغي أن يظل النقاش بشأن هذه الوقائع محصوراً في الأوساط الأكاديمية أو الجمعيات الحقوقية.
إنها قضية ذاكرة وطنية وإنسانية، تستحق معالجة مؤسساتية قائمة على الحقيقة والتوثيق والإنصاف.
فالاعتراف بضحايا الاستعمار ليس إهانة لإسبانيا الحديثة، بل فرصة لكي تؤكد قطيعتها الأخلاقية مع ممارسات الماضي.
عاشراً: اعتذاران تاريخيان… لا جوازات سفر ولا امتيازات
إننا نعتقد أن الوقت قد حان لفتح نقاش مغربي إسباني مسؤول حول ملفين تاريخيين مترابطين في الذاكرة، وإن اختلفت سياقاتهما وأزمنتهما.
الأول يتعلق بالمظالم التي تعرض لها المسلمون الأندلسيون والموريسكيون، وما صاحبها من اضطهاد ديني وتنصير قسري وطرد واقتلاع من الوطن.
أما الثاني فيتعلق بالماضي الاستعماري الإسباني في شمال المغرب، وما خلفه من انتهاكات وتضحيات وجراح في الذاكرة الجماعية لسكان الريف وجبالة.
إن المطلوب ليس إصدار قوانين تمنح الجنسية الإسبانية لأبناء هذه المناطق، ولا تقديم امتيازات فردية مقابل الصمت عن الماضي.
المطلوب هو الاعتراف الرسمي والاعتذار الأخلاقي والتاريخي، وفتح صفحة جديدة من العلاقات القائمة على الاحترام المتبادل.
ومن هذا المنطلق، فإننا ندعو إلى:
1. اعتذار رسمي إسباني عن اضطهاد المسلمين الأندلسيين وطرد الموريسكيين، والاعتراف بأن ما تعرضوا له يمثل مظلمة تاريخية لا يمكن تبريرها باختلاف الظروف السياسية والدينية لتلك المرحلة.
2. اعتذار رسمي عن الممارسات الاستعمارية الإسبانية في شمال المغرب، مع الاعتراف بمعاناة السكان المدنيين والتضحيات التي قدمتها قبائل الريف وجبالة في سبيل الحرية والاستقلال.
3. فتح الأرشيف الاستعماري الإسباني أمام الباحثين المغاربة، وتسهيل الوصول إلى الوثائق المتعلقة بالعمليات العسكرية والانتهاكات التي شهدتها مناطق الشمال.
4. إحداث لجنة علمية مغربية إسبانية مشتركة تضم مؤرخين وباحثين في القانون والأنثروبولوجيا واللسانيات، تتولى دراسة الهجرات الأندلسية والماضي الاستعماري، وتوثيق الذاكرة المشتركة وفق منهجية علمية مستقلة.
5. إدراج التاريخ الحقيقي للمسلمين الأندلسيين والموريسكيين في البرامج التعليمية والثقافية الإسبانية، بما يضمن تعريف الأجيال الجديدة بمختلف مكونات التاريخ الأندلسي دون انتقائية دينية.
6. إطلاق برنامج مشترك لحماية التراث الأندلسي في بلاد جبالة، يشمل المخطوطات والوثائق والأنساب التاريخية والموروث الشفهي واللهجة والعمران والعادات والتقاليد.
7. تخليد ذاكرة ضحايا الاستعمار الإسباني في شمال المغرب من خلال مبادرات علمية وثقافية وتذكارية مشتركة، مع دراسة المطالب المرتبطة بجبر الأضرار التاريخية على أساس التوثيق والمسؤولية والعدالة.
إن هذه المقترحات لا تستهدف إضعاف العلاقات المغربية الإسبانية، بل تسعى إلى منحها أساساً أكثر صدقاً وصلابة. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على المجاملات وحدها، ولا تستمر بتجاهل الذاكرة، وإنما تقوى حين تقوم على الاعتراف المتبادل واحترام الحقيقة.
حادي عشر: نحو مصالحة تاريخية قائمة على الحقيقة
إن المصالحة الحقيقية لا تعني محاكمة الحاضر بجرائم الماضي، ولا تحميل الأجيال الجديدة مسؤولية أفعال لم ترتكبها، بل تعني امتلاك الشجاعة للنظر إلى التاريخ كما وقع، بكل ما يحمله من إنجازات ومآسٍ.
فإسبانيا الحديثة ليست إسبانيا القرون الوسطى، كما أن المغرب المعاصر ليس مغرب الماضي. غير أن الدول والمجتمعات التي تحترم نفسها لا تتنكر لذاكرتها، ولا تنتقي من التاريخ ما يخدم صورتها وتخفي ما يزعجها.
إن الاعتراف بمأساة المسلمين الأندلسيين والموريسكيين لا ينتقص من قيمة التراث الإسباني، بل يحرره من القراءات الأحادية التي تختزل الأندلس في العمارة والفنون، وتتجاهل ما رافق سقوطها من اضطهاد واقتلاع.
كما أن الاعتراف بجرائم الاستعمار في شمال المغرب لا يعني إدانة الشعب الإسباني المعاصر، بل يعبّر عن احترام الضحايا وعن مسؤولية المؤسسات في مواجهة ماضيها.
ومن حق أبناء جبالة، وسائر المغاربة، أن يروا تاريخ مناطقهم موثقاً ومحفوظاً ومقدماً للأجيال بعيداً عن التهميش أو الاختزال.
فجبالة ليست هامشاً جغرافياً، ولا مجرد منطقة حدودية، بل فضاء تاريخي أسهم في حماية المغرب، واحتضان الذاكرة الأندلسية، وإنتاج المعرفة، ومقاومة التوسع الأجنبي.
خاتمة: لسنا طلاب جنسية… نحن أصحاب حق في الذاكرة والكرامة
إن أبناء جبالة المغاربة لا يطلبون من إسبانيا أن تعيد إليهم وطناً، لأن وطنهم هو المغرب، ولا يطلبون منها جواز سفر، لأن هويتهم المغربية راسخة لا تحتاج إلى إثبات.
إنهم يطلبون شيئاً أبسط وأعمق: الاعتراف بالحقيقة.
يريدون أن يُقال بوضوح إن المسلمين الأندلسيين والموريسكيين تعرضوا للاضطهاد والطرد، وإن ضحايا الاستعمار الإسباني في شمال المغرب يستحقون الإنصاف والاحترام، وإن الذاكرة لا ينبغي أن تُدار بمنطق الانتقاء.
إن الاعتذار لا يغيّر الماضي، لكنه يغيّر طريقة الحاضر في فهمه. والاعتراف لا يعيد الضحايا إلى بيوتهم، لكنه يعيد إليهم مكانتهم في الذاكرة الإنسانية.
لقد آن الأوان لكي تنتقل العلاقات المغربية الإسبانية من إدارة الملفات الظرفية إلى بناء مصالحة تاريخية حقيقية، تقوم على الصراحة والاحترام والإنصاف.
فالمغرب لا يمد يده إلى إسبانيا من موقع الضعف، ولا يفتح صفحات الماضي بدافع الانتقام، بل من موقع الثقة في تاريخه واعتزازه بهويته ورغبته في بناء مستقبل أفضل.
لسنا طلاب جنسية إسبانية، ولا نبحث عن امتيازات فردية.
نحن أصحاب حق في الاعتراف، وأصحاب ذاكرة تستحق الاحترام، وأبناء وطن يرفض أن تُختزل تضحياته أو تُنسى جراحه.
ومن أراد صداقة حقيقية بين المغرب وإسبانيا، فعليه أن يدرك أن الصداقة لا تقوم على الصمت، بل على الحقيقة؛ ولا تُبنى على النسيان، بل على ذاكرة عادلة تحفظ كرامة الجميع.
