لا دخل لي بالسياسة: انعكاس لواقع خطير ومأساة مجتمعية

العرائش أنفو
لا دخل لي بالسياسة: انعكاس لواقع خطير ومأساة مجتمعية
عبارة “لا دخل لي بالسياسة” تتردد في كثير من الأوساط وتصدر عن مختلف الشرائح الاجتماعية، وكأنها تبرير لانسحاب تام من كل ما يتعلق بالحياة العامة، ومن ثم الهروب من المسؤولية المجتمعية والوطنية. هذه الجملة، رغم بساطتها، تحمل في طياتها مضامين خطيرة تؤثر على الدولة والمجتمع بشكل عام. دعونا نحلل هذا الموضوع بشكل أكثر عمقًا.
السياسة ليست مجرد مصطلح
السياسة ليست مجرد مصطلح يُستخدم في المناقشات الفكرية أو الحوارات بين المتخصصين. إنها في الواقع الإطار الذي يحدد مصير الشعوب والدول. كيف تُدار الدولة؟ كيف تُصنع القوانين التي تحكم حياتك اليومية؟ كيف تُحدد السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على فرص عملك ومستقبل أبنائك؟ كل هذه الأمور هي نتائج لقرارات سياسية، سواء كنت متابعًا لها أو غير مكترث. لذا، عندما يقول شخص “لا دخل لي بالسياسة”، فهو ببساطة يتخلى عن حقه في التأثير على ما يحدد مستقبل حياته وحياة أطفاله.
هل الوطن مجرد مشهد أنت تزينه؟
من المأساوي أن نرى بعض الأفراد ينظرون إلى الوطن كأنه كيان ضخم لا يحتاج منهم سوى أن يكونوا مجرد جزء من المشهد، وكأنهم هنا فقط لملء الفراغ. هذه النظرة تُفرغ مفهوم المواطنة من محتواه الأساسي. فالوطن ليس مجرد مكان للعيش، بل هو منظومة من القيم والحقوق والواجبات التي يجب أن تُحترم وتُدافع عنها. وهذا يتطلب مشاركة فعالة في السياسة، لأنها الأداة التي تُمكّن المواطن من تحقيق التغيير الإيجابي والدفاع عن حقوقه.
من ينصب السياسيين؟
السياسيون في الديمقراطيات هم انعكاس لإرادة الشعب، والمواطنون هم من ينتخبونهم. وإن لم يكن لك دور في اختيارهم أو محاسبتهم، فأنت تتنازل عن أحد أهم حقوقك كمواطن. ليس فقط ذلك، بل تترك المجال لغيرك لتحديد مصيرك. السياسة ليست حكرًا على النخب أو أصحاب السلطة، بل هي حق لكل فرد. وأنت كمواطن مسؤول عن أن تكون مشاركًا واعيًا، لأن تجاهلك أو انسحابك يعني أن الآخرين سيقررون عنك.
السياسة ستتدخل فيك حتى وإن تجاهلتها
حتى إذا كنت ترى أن السياسة لا تعنيك ولا تهتم بها، تأكد أن السياسة ستؤثر فيك. القرارات التي تُتخذ في قمة السلطة قد تمس حياتك بطرق مباشرة وغير مباشرة: من خلال الضرائب التي تدفعها، نوعية التعليم الذي يحصل عليه أبناؤك، وحتى القوانين التي تؤثر على حريتك الشخصية. السياسة كما الطبيعة، لا تعرف الفراغ. وإن لم تتدخل فيها، ستتدخل هي فيك، وغالبًا بطرق لا ترضيك.
السياسة والوطنية: علاقة متلازمة
ترديد شعارات الوطنية أو حب الوطن دون الاهتمام بالسياسة هو ترديد أجوف لا معنى له. كيف يمكن أن تدعي حب الوطن إذا لم تهتم بما يحدث في ساحته السياسية؟ الوطن ليس مجرد جغرافيا أو علم يُرفع في المناسبات، بل هو كيان يجب أن يُدافع عنه بوعي سياسي وبمشاركة فعالة في صنع القرارات التي تحكم مصيره.
الخاتمة: السياسة مسؤولية الجميع
لا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم أو يتحسن دون أن يكون لأفراده دور فعال في السياسة. الانسحاب من المشهد السياسي هو انسحاب من كل ما له علاقة بالوطن والمستقبل. السياسة ليست مجالاً للنخب فقط، بل هي حق وواجب على كل مواطن. إذا كنت ترغب في أن تكون لك كلمة في مستقبل وطنك وفي حياة أبنائك، يجب أن تكون جزءًا من العملية السياسية
