ads980-90 after header
الإشهار 1

عودة الطريد .. عبد الإله حسيسن !

الإشهار 2

العرائش أنفو

عودة الطريد .. عبد الإله حسيسن !

بقلم : عبد القادر العفسي

ليست السياسة بابا يفتح بالمفتاح ، ثم يغلق بالمزاج ! السياسة ، في معناها الأعمق ، ذاكرة تتحرك ، ومصالحُ تتبدل ، وتحالفات تعود من حيث ظن الجميع أنها اندثرت ، لذلك فإن عودة عبد الإله حسيسن إلى المشهد السياسي بالعرائش ليست مجرد انتقال من ضفة حزبية إلى أخرى ، ولا مجرد التفاف انتخابي حول اسم نزار بركة ، إنها لحظة تكشف أن ما يسمى داخل التنظيمات بالإقصاء لا ينجح دائما في إعدام الأثر ، وأن من يدفع إلى الهامش قد يعود ذات يوم حاملا معه أسئلة الهامش كلها إلى قلب المركز.

عاد حسيسن إلى السياسة من بابها المفتوح ، من بوابة حزب الاستقلال ، داعما ترشح نزار بركة ، وفي لحظة بدت فيها عودته ، وفق ما راج من قراءات سياسية ، دفعة فارقة في موازين الصراع الداخلي ، وعنصرا مؤثرا في صعود بركة بأغلبية واسعة ، لكن الأهم من النتيجة العددية هو ما كشفته هذه العودة من حقيقة عادة ما تحاول التنظيمات السياسية إخفاءها : أن القوة الحقيقية لا تقاس دائما بعدد المقاعد ، ولا بحجم اللافتات ، ولا بوفرة الخطابات ، بل بقدرة الفاعل السياسي على تحريك الذاكرة ، واستعادة الثقة ، وربط الحاضر بما عجزت القيادات الجديدة عن دفنه من ماضي التنظيم .
فالرجل الذي قضى أكثر من ثلاثة عقود في حزب التجمع الوطني للأحرار لم يكن عابرا في تجربة حزبية قصيرة ، ولم يكن اسما طارئاً على هندسة النفوذ المحلي ، ثلاثون سنة وأكثر تكفي لكي يصبح الإنسان جزءا من ذاكرة المكان ، ولكي يعرف كيف تبنى الولاءات ، وكيف تتشكل شبكات التأثير ، وكيف تتحول السياسة من مشروع عمومي إلى سوق رمزية يتنافس فيها من يملكون الخطاب ومن يملكون مفاتيح الوصول إلى الناس ، ولذلك فإن إبعاده ، كما تروي بعض القراءات والتقارير المتداولة ، لم يكن بلا كلفة ، خصوصا إذا كان سبب التوتر مرتبطا بتشكله داخل التنظيم في صورة مقاومة لبعض التعبيرات المتحالفة مع السلطة أو لبعض الممارسات التي ينظر إليها بوصفها خلطا بين السياسة وتجارة العقار والنفوذ …

وهنا ينبغي الحذر من تحويل الرواية السياسية إلى حكم قضائي ، فليس كل ما يقال حقيقة نهائية ، وليس كل اتهام دليلا ، غير أن وظيفة التحليل ليست ترديد البلاغات الرسمية ، بل مساءلة ما تخفيه اللغة الحزبية حين تستعمل كلمات مثل الانضباط و المصلحة التنظيمية ، و إعادة الهيكلة لتغطية صراع أعمق حول من يملك حق الكلام ، ومن يحدد حدود المسموح ، ومن يقرر متى يصبح الاختلاف خيانة ، ومتى تتحول الطاعة إلى فضيلة سياسية .
في كل تنظيم حزبي ، توجد سلطة معلنة وسلطة صامتة ، السلطة المعلنة تسكن في الهياكل والقرارات والمؤتمرات ، أما السلطة الصامتة فتتحرك في الكواليس ، في توزيع الاعتراف ، وفي منح الشرعية ، وفي صناعة صورة السياسي المقبول والسياسي المزعج ! السياسي المقبول هو من يتكلم داخل السقف ، أما المزعج فهو من يسأل عمّن صنع السقف ، ولماذا ارتفع فوق رؤوس الناس ، ومن المستفيد من بقائه منخفضا على فئة ومرتفعاً على فئة أخرى .

من هذه الزاوية ، فإن قصة عبد الإله حسيسن لا تخص شخصا واحداً فقط ، بل تضع أمام المجتمع سؤالا أكبر : هل تريد الأحزاب مناضلين أم مجرد منفذين ؟ هل تقبل الاختلاف بوصفه مصدرا للتصحيح ، أم لا تتذكر قيمة المناضل إلا عندما تحتاج إلى رصيده الشعبي ؟ وهل تستطيع التنظيمات أن تفرق بين النقد الذي يحميها من الانحراف ، والتمرد الذي يهدد وجودها ؟ إن الحزب الذي يطرد كل صوت مستقل قد يربح هدوءا مؤقتا ، لكنه يخسر بالتدريج القدرة على رؤية عيوبه ، أما الحزب الذي يحتمل النقد ، فإنه لا ينجو من الصراع ، لكنه يخرج منه أكثر نضجا وأقل خوفا من نفسه .
لقد ظنت بعض النخب أن الزمن يعمل لمصلحتها ، وأن إبعاد الرجل سيجعله خبرا قديما ، وأن الذاكرة الانتخابية قصيرة ، وأن الناخب لا يحتفظ إلا بصورة اللحظة الأخيرة ! لكن التاريخ السياسي لا يسير دائما في الطريق الذي ترسمه مكاتب التنظيم ، أحيانا يعود من أقصته الجماعة في اللحظة التي تكتشف فيها الجماعة أنها أقصت جزءا من قوتها ، وأحيانا تتحول محاولة محو الاسم إلى تمرين مجاني على تخليده ، فالمنع قد يصنع الغياب ، لكنه لا يصنع النسيان ، بل قد يمنح الغائب فرصة لأن يقرأ خارج الرواية التي كانت المؤسسة تفرضها عليه .

لذلك، فإن عودة حسيسن إلى العرائش من باب أوسع ليست عودة جسد إلى مكان ، بل عودة سؤال إلى مدينة ، عودة تذكر الذين ترزقوا من السياسة ، أو استفادوا من قربهم من مراكز القرار ، بأن التاريخ لا يحفظ دائما أسماء المتقدمين في الصفوف الأولى ، بل يحفظ أيضا أولئك الذين وقفوا في الجهة الصعبة ، حيث لا تصفيق ولا ضمانات ولا مقاعد مضمونة ! والتاريخ ، في تطوره القاسي ، كثيرا ما يتحرك من الجهة السيئة فيه ، من الخلاف الذي جرى قمعه ، ومن الصوت الذي اعتبر نشازا ، ومن الشخص الذي قيل إن زمنه انتهى .
إن العبرة هنا ليست في أن حسيسن انتقل من حزب إلى حزب ، فالأحزاب ليست طوائف مغلقة ، والسياسي ليس أسيرا لاسم تنظيمي إلى الأبد ، العبرة في أن السياسة ، حين تفقد معناها العمومي ، تتحول إلى ملكية خاصة تتوارثها مجموعات ضيقة ، وحينها تصبح العودة نوعا من استرداد الحق في المجال العام ، لا أحد يملك المدينة ، ولا يملك الحزب ، ولا يملك حق احتكار المستقبل ، ومن يعتقد أن التنظيم حديقة خاصة ، وأن المناضلين عمال موسميون يستدعون وقت الحاجة ثم يرمى بهم خارج السياج ، إنما يراهن على ذاكرة الناس ، وهي رهان خاسر مهما طال الزمن .

لقد كشفت هذه العودة أيضا هشاشة الصورة التي تحاول بعض النخب تسويقها عن الاستقرار السياسي ، فالاستقرار ليس غياب الأصوات المعارضة داخل التنظيم ، وليس صمت القواعد ، وليس تصفيق المؤتمرات ، الاستقرار الحقيقي هو قدرة المؤسسات على امتصاص الاختلاف دون تحويله إلى عداوة ، وعلى معالجة تضارب المصالح دون دفنه تحت شعارات الوحدة ، وعلى حماية القرار السياسي من أن يصبح تابعا لمنطق العقار والامتياز والوساطة ، أما حين يختزل الحزب في شبكة مصالح ، فإن كل عودة لشخصية مستقلة تصبح زلزالا ، لأن الزلزال لا يصنعه العائد وحده ، بل تصنعه التصدعات الموجودة تحت الأرض !
ولعل أقوى ما في عودة عبد الإله حسيسن أنها أعادت ترتيب السؤال ! لم يعد السؤال : لماذا غاب ؟ بل صار : لماذا كان غيابه ضروريا في نظر من أبعدوه ؟ ولم يعد السؤال : إلى أي حزب عاد ؟ ولم يعد السؤال : هل انتهى نفوذه ؟ بل صار : كيف أمكن لشخص قيل إن تأثيره تراجع أن يظهر فجأة باعتباره عاملا حاسما في معركة داخلية كبرى ؟ ،هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خطب خشبية ، بل إلى شجاعة سياسية ، شجاعة الاعتراف بأن التنظيمات لا تتطهر بإخفاء خلافاتها ، وأن المجتمع لا يخدع طويلا بالصور المصقولة ، وأن الدولة نفسها لا تستفيد من أحزاب تتحول إلى واجهات بلا حياة داخلية ، الدولة القوية لا تخاف من السياسة الحقيقية ، الذي يخاف منها هو من يريد دولة بلا مساءلة ، وأحزابا بلا قواعد ، ومجتمعا بلا ذاكرة .

إن عبد الإله حسيسن، في عودته ، لا يحمل فقط اسمه وسنواته الطويلة في العمل الحزبي ، إنه يحمل معه معنى أوسع : أن السياسة قد تطرد أبناءها ، لكنها لا تضمن اختفاءهم ، وأن التنظيم قد يملك قرار الإبعاد ، لكنه لا يملك قرار النسيان ، وأن من يراهن على أن الناس لا ترى إلا ما يعرض عليها ، يكتشف متأخرا أن المجتمع يقرأ ما بين السطور ، ويقارن بين الخطاب والممارسة ، ويعرف جيدا من كان يملك الشجاعة حين كان الصمت أكثر ربحا .
لقد عاد الطريد ، لا ليستجدي مكانا في الصف ، بل ليذكر الصف بأن المكان ليس ملكا لأحد ، عاد لا ليطلب اعتذارا من الماضي ، بل ليضع الحاضر أمام مرآته ، عاد ليقول ، بالفعل لا بالشعار ، إن السياسة التي تبنى على الإقصاء لا تنتج إلا عودة أقوى للمقصيين ، وإن من يظن أن التاريخ يسير دائما في الجهة التي يصفق لها المنتصرون لم يفهم التاريخ بعد ، فالتاريخ قد يتأخر ، وقد يلتوي ، وقد يبدو في لحظة ما خادما لأصحاب القوة ، لكنه يعود في النهاية ليسأل السؤال الذي تخشاه كل سلطة : من كان على حق ، ومن كان فقط يملك المنصة ؟

وعندما يصل هذا السؤال إلى العرائش ، فإنه لا يطرق باب حزب بعينه فقط ، بل يطرق أبواب الدولة والمجتمع معا ، يذكر الدولة بأن السياسة لا تدار إلى الأبد بمنطق التحكم ! ويذكر المجتمع بأن الصمت ليس حيادا دائما ، ويذكر الأحزاب بأن المناضل الذي يقصى اليوم قد يصبح غدا مفتاحا لفهم ما عجزت القيادة عن فهمه ، تلك هي المفارقة التي لا يريد تجار السياسة أن يروها : أن الطريد قد يعود ، وأن العائد قد يفتح الطريق ، وأن الذين ظنوا أنهم يكتبون نهاية الآخرين قد يكونون من حيث لا يشعرون ، قد كتبوا الفصل الأول من عودتهم ! .

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5