ads980-90 after header
الإشهار 1

التصوف المغربي… بين عمق الجذور وأسئلة النفوذ

الإشهار 2

العرائش أنفو

التصوف المغربي… بين عمق الجذور وأسئلة النفوذ

في المغرب، لم يكن التصوف يومًا ظاهرة عابرة، بل كان روحًا تؤطر المجتمع، وتُهذّب الإنسان، وتربط الأرض بالسماء. من جبال الشمال، حيث أشرقت أنوار مولانا عبد السلام بن مشيش رضى الله عنه ، إلى الآفاق التي حمل إليها تلميذه ووارث سره سيدنا أبو الحسن الشاذلي رضى الله عنه رسالة التزكية، تكرّست الطريقة الشاذلية كأحد أعمدة الهوية الروحية للمغرب: صفاء، تواضع، وعمق لا يحتاج إلى ضجيج.
غير أن المشهد الصوفي اليوم لم يعد بسيطًا كما كان.
تداخلت فيه التحولات، وتقاطعت داخله الأسئلة، حتى أصبح موضوعًا للنقاش العام، لا من زاوية الروح فقط، بل من زاوية النفوذ والتمثّل والصورة.

رسالة تُوقظ الأسئلة

في قلب هذا الجدل، برزت رسالة منسوبة إلى أحمد التوفيق وزير الاوقاف والشؤونالإسلامية، موجّهة إلى أحد رموز الطريقة البودشيشية القادرية، تحمل نبرة قلق واضحة من “بداية مرض الطريق”.
رسالة لا تُقرأ فقط كتحذير إداري، بل كتشخيص روحي عميق لما يمكن أن يصيب الزوايا حين تدخلها:
صراعات الوراثة
تنافس الإخوة
تغليب الحسابات العائلية على الاستحقاق الروحي
وتذهب الرسالة أبعد من ذلك، حين تُحذّر من ممارسات أو تصورات تُفهم على أنها انزلاق نحو ما لا يليق بجوهر التصوف، مؤكدة أن الطريق لا يقوم إلا على الذكر الصافي والتوحيد الخالص.

حين يدخل الخارج على الخط

لكن ما جعل النقاش أكثر حساسية، هو الإشارة إلى اهتمام بعض الأوساط في فرنسا بما يجري داخل هذه الطريقة، بل والحديث عن تهديد بنشر معطيات قد تضر بصورتها.
هنا يبرز السؤال الذي يطرحه كثيرون:
لماذا هذا الاهتمام تحديدًا؟
الجواب لا يُختزل في نظرية واحدة، بل يتوزع بين عدة عوامل:
وجود جالية مسلمة كبيرة في فرنسا تبحث عن خطاب ديني متوازن
حضور بعض الزوايا الصوفية في الفضاء الأوروبي من خلال الندوات والأنشطة
تقديم التصوف كجسر للحوار الثقافي والديني
لكن، في المقابل، يظل التخوف قائمًا:
هل يبقى التصوف، حين يدخل هذه الدوائر، محافظًا على صفائه؟
أم يصبح عرضة للتأويل، وربما للتوظيف؟
أصالة هادئة… وحضور صاخب
في مقابل هذا الحضور الدولي لبعض الطرق، يطرح سؤال آخر نفسه بإلحاح:
لماذا تبدو الطرق الصوفية المغربية الأصيلة، وعلى رأسها الطريقة الشاذلية، أقل ظهورًا في هذا المشهد؟
الجواب قد يكون بسيطًا وعميقًا في آن واحد:
لأن الأصالة لا تبحث دائمًا عن الواجهة.
ولأن بعض المدارس الروحية تفضّل العمق على الانتشار، والجوهر على الصورة.
لكن في زمن أصبحت فيه الصورة جزءًا من التأثير، يتحول هذا الاختيار إلى تحدٍّ:
كيف نحافظ على الأصالة… دون أن نغيب عن العصر؟

التصوف… بين الرسالة والتحول

إن الطريقة البودشيشية القادرية، رغم ارتباطها بسلسلة روحية تعود إلى عبد القادر الجيلاني، المولود ودفين بغداد بالعراق قد أصبحت جزءًا من الواقع المغربي، بتجاربها وتحدياتها.
لكن النقاش حولها اليوم يعكس شيئًا أعمق من مجرد خلاف داخلي:
إنه يعكس تحول التصوف نفسه في زمن العولمة.
فهل يبقى التصوف طريقًا للتزكية؟
أم يتحول إلى فضاء للتنافس الرمزي؟
هل يظل شأنًا روحيًا خالصًا؟
أم يدخل ضمن توازنات المجتمع والسياسة والصورة؟
الخلاصة… نداء إلى الضمير
التصوف المغربي ليس في خطر لأنه متنوع،
بل قد يكون في خطر حين يفقد بوصلته.
وحين يُنبّه أهل الطريق إلى خللٍ ما،
فذلك ليس ضعفًا… بل قوة.
القضية اليوم ليست: أي الطرق أولى؟
ولا من المؤسس وأين وُلد؟
بل القضية الأعمق هي:
هل ما زال التصوف يؤدي رسالته؟
إذا بقي التصوف وفاءً للذكر، والتواضع، والتزكية،
فلا خوف عليه… مهما تعددت الطرق.
أما إذا دخلته الأنانيات، واختلطت فيه المصالح،
فإن أخطر ما يهدده… لن يكون الخارج،
بل ما يتسلل إليه من الداخل.
وهنا، يصبح السؤال موجّهًا إلى الجميع:
هل نحمي الطريق… أم نختلف عليه؟

بقلم محمد اعبيدو

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5