ads980-90 after header
الإشهار 1

“ما أنا إلا بشر”حين كان عبد الوهاب الدكالي يغني… فيصمت الزمن

الإشهار 2

“ما أنا إلا بشر”

حين كان عبد الوهاب الدكالي يغني… فيصمت الزمن

بقلم: سعيد ودغيري حسني

في زمنٍ كانت فيه الأغنية العربية
تولد من رحم الإحساس
لا من ضجيج الأسواق
ظهر صوت مغربي مختلف
صوت لا يشبه أحدا
ولا يستطيع أحد أن يشبهه

ظهر عبد الوهاب الدكالي
فبدت الأغنية المغربية وكأنها تعثر أخيرا
على سفيرها الكبير
ذلك الفنان الذي حمل المغرب في حنجرته
وحمل دفءَ المدن العتيقة
ورائحة الياسمين
وصوت البحر
وحزن العاشقين

لم يكن مجرد مطرب
بل كان مدرسة كاملة
في الرقي والاختيار والهيبة الفنية
وحين كان يقف على المسرح
كان يشبه أميرا أندلسيا
ضاع بين الأزمنة
ثم عاد ليذكر الناس
أن الفن أخلاق أيضا

منذ ستينيات القرن الماضي
بدأ اسمه يعلو عربيا
ليس بالصخب
ولا بالإعلانات
بل بالأغنيات التي دخلت البيوت
دون استئذان
واستقرت في القلوب
كأنها جزء من ذاكرة الناس

غنى “مرسول الحب”
فصار العشق أكثر أناقة
وغنى “كان يا ما كان”
فاستيقظ الحنين في أعين العابرين
أما “النظرة”
فكانت قصيدة كاملة تمشي على إيقاع الموسيقى
وحين صدح بـ “حبيب الجماهير”
كان الجمهور يرد عليه بالمحبة ذاتها
لأنه لم يكن فنانا متكلفا
بل قريبا من الناس
يشبههم
ويشبه أحلامهم البسيطة

لكن الأغنية التي ظلت تلاحقه كقدر جميل
هي “ما أنا إلا بشر”
تلك الأغنية التي لم تكن مجرد لحن ناجح
بل اعتراف إنساني عميق
لفنان يعرف أن الشهرة لا تلغي هشاشة القلب
ولا تمنع الإنسان من الانكسار والحنين والألم

“ما أنا إلا بشر عندي قلب ونظر”
جملة واحدة
اختصرت فلسفة فنان كبير
عرف كيف يبقى متواضعا
وسط عالم يغير البشر بسرعة الضوء

وكان قربه من القصر الملكي
في عهد المغفور له
الحسن الثاني
دليلا على قيمته الفنية والوطنية
فقد كان من الفنانين الذين يحظون بالتقدير الكبير
ويشاركون في المناسبات الوطنية والرسمية
لأن صوته لم يكن مجرد وسيلة للترفيه
بل كان صورة من صور المغرب الجميل
المثقف
والهادئ
والمتشبث بأصالته

لقد أحب الملك الحسن الثاني الفن الراقي
وكان يعرف قيمة الأصوات التي تمثل المغرب بكرامة
ولهذا ظل عبد الوهاب الدكالي
واحدا من الأسماء اللامعة
التي حملت الأغنية المغربية إلى العالم العربي
بكل احترام وهيبة

وفي مصر
لم يكن حضوره عاديا
فقد دخل الساحة الفنية العربية
بثقة الفنان الحقيقي
وتعامل مع كبار الموسيقيين والمخرجين
وشارك في السينما أيضا
ليثبت أن الفنان المغربي
قادر على منافسة الأسماء العربية الكبرى

ظهر في أفلام سينمائية
وغنى على مسارح القاهرة
وكان الجمهور المصري
ينظر إليه بإعجاب
لأنه جاء بفن مختلف
لا يقلد أحدا
ولا يذوب في الآخرين

لقد حافظ على هويته المغربية
حتى وهو يغني للعرب جميعا
فكان حين يؤدي
تشعر أن فاس والرباط والدار البيضاء وطنجة
كلها تغني معه

كان أنيقا في اختياراته
أنيقا في صمته
وأنيقا حتى في غيابه الإعلامي
لم يكن من أولئك الذين يطاردون الأضواء
بل كانت الأضواء هي التي تبحث عنه

وحين نعود اليوم إلى أغانيه
نشعر بحزن جميل
حزن يشبه اللقاء الأخير
مع زمن كانت فيه الكلمة تحترم المستمع
وكان فيه اللحن يسافر ببطء
ليمنح القلب فرصة كاملة للشعور

رحل عبد الوهاب الدكالي
لكن الأصوات الكبيرة لا تموت
لأنها ببساطة
تتحول إلى ذاكرة جماعية
وإلى جزء من وجدان الشعوب

سيبقى “مرسول الحب”
يحمل رسائله بين العشاق
وستبقى “كان يا ما كان”
تفتح أبواب الذكريات
وستظل “النظرة”
ترتعش في أعماق الطرب العربي
أما “ما أنا إلا بشر”
فستبقى مرآة فنان كبير
اختار أن يكون إنسانا قبل أن يكون نجما

وهكذا هم العظماء
يرحلون بأجسادهم
لكنهم يتركون أصواتهم
معلقة بين الأرض والسماء
كأنها دعاء جميل
لا ينتهي أبدا

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5