الضحية والمناضل والتنظيم : حين ينتصر الإنسان على الحسابات

العرائش أنفو
الضحية والمناضل والتنظيم : حين ينتصر الإنسان على الحسابات
آمنة مراد
عضوة تيار اليسار الجديد المتجدد
أود بادئ دي بدء ، وقبل الخوض في سبب تضامني المطلق مع الرفيق العلمي الحروني فيما تعرض له من حيف بخصوص طرده من الحزب الإشتراكي الموحد . هذه الكلمة التي تحمل في دلالات أحرفها الكثير من العنف و الأذى الغير إنساني، وقبل الخوض في الأمر لا بد من عرض الكرولونوجيا التي تظهر الحضور القوي الذي سجله له التاريخ في الوقوف إلى جانبنا كضحايا القروض الصغرى وباقي الحراكات في إقليم ورزازات ،والتي أبان فيها عن حنكة الآداء وعمقه الإنساني وحسه التضامني.
بمبدئية قل نظيرها ، والتي كانت السبب المباشر في انخراطنا دون تردد في الحزب الإشتراكي الموحد،
ومن خلال ذاك التجاذب وخوضنا لغمار التجربة ، اكتشفنا بأن السياسة لا تقاس فقط بطبيعة المواقف، بل حتى بمعدن البشر. فحين يصبح الصمت أسهل من التضامن، تكتسب المساندة الإنسانية معنى أخلاقياً عميقاً يتجاوز كل الحسابات التنظيمية. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الشهادة وفاءً لرفيق اختار أن يقف إلى جانبنا في وقتٍ عزّ فيه الموقف النبيل في التجارب السياسية القاسية.في الوقت الذي لا تبرز فقط مواقف التنظيمات والمؤسسات، بل تنكشف أيضاً القيمة الأخلاقية للأفراد داخلها. فحين يجد الإنسان نفسه في قلب محنة ثقيلة، محاصراً بالاتهامات والضغط النفسي والاجتماعي والقضائي، يصبح للمواقف الإنسانية معنى يتجاوز بكثير حدود الاصطفاف السياسي أو الانتماء التنظيمي.
لقد كان الرفيق العلمي الحروني ، بالنسبة لنا، أكثر من مجرد مناضل داخل تنظيم سياسي. كان صوتاً إنسانياً في زمن الصمت، وسنداً حقيقياً في مرحلة كانت التهم الثقيلة تُطوّقنا من كل الجهات، وكان الخوف فيها أكبر من قدرة الكثيرين على الاقتراب.
فتح لنا بيته قبل أن يفتح لنا المنابربدئا، واحتضن ملفنا بصدق نادر بعيداً عن الحسابات الضيقة. نظم ندوات فكرية وصحفية للتعريف بقضيتنا، وساهم في خلق نقاش عمومي يتيح الاستماع إلى روايتنا في مواجهة سيل الاتهامات والأحكام الجاهزة. كما انخرط في دعمنا على المستوى القضائي، مؤمناً بأن الدفاع عن الحق في المحاكمة العادلة وقرينة البراءة جزء أساسي من أي ممارسة ديمقراطية تحترم الإنسان.
ولم يكتفِ بذلك، بل بادر أيضاً إلى تنظيم قافلة وطنية للتعريف بالملف، واضعاً جهده وإمكاناته وعلاقاته في خدمة قضية كان الاقتراب منها آنذاك مكلفاً على المستويين السياسي والشخصي.
إن الضحية لا تتذكر كثيراً التوازنات التنظيمية أو لغة البيانات الرسمية، بقدر ما تتذكر أولئك الذين امتلكوا شجاعة الحضور حين اختار الآخرون الصمت أو المسافة. لذلك، فإن قيمة التضامن في وعي الضحايا تتجاوز أحياناً كل الانتماءات، لأنها ترتبط باستعادة الإحساس بالكرامة وسط لحظة قاسية من العزلة والانكسار.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في معنى التنظيم السياسي ووظيفته الأخلاقية. فالأحزاب ليست فقط قوانين ومساطر وهيكلة تنظيمية، بل يفترض أن تكون أيضاً فضاءات لإنتاج قيم التعاطف والوفاء والمسؤولية الإنسانية. لأن السياسة، حين تفقد بعدها الإنساني، تتحول إلى ممارسة جافة فاقدة للروح.
قد تختلف المواقف والتقديرات داخل أي تنظيم، وقد تتباين القراءات والقرارات، لكن ما يبقى في ذاكرة الناس ليس دائماً طبيعة الخلافات، بل الطريقة التي تصرف بها الأفراد في لحظات الاختبار الأخلاقي.
لهذا، فإن الامتنان لهذا الرفيق ليس مجرد وفاء لمساندة عابرة، بل اعتراف بقيمة إنسانية نادرة: أن يظل الإنسان وفياً لقناعاته الأخلاقية حتى عندما يصبح ذلك مكلفاً. وفي زمن تتراجع فيه فضيلة التضامن أمام حسابات كثيرة، تظل مثل هذه المواقف جزءاً من الذاكرة التي لا تُنسى.
