هل تلتقط الجهات الوصية على الثقافة بالقصر الكبير صرخة “بيان الإنقاذ”

العرائش أنفو
هل تلتقط الجهات الوصية على الثقافة بالقصر الكبير صرخة “بيان الإنقاذ”
أطلقت فعاليات ثقافية وفنية بمدينة القصر الكبير بيانا جماعيا وصفته بـ “بيان إنقاذ”، دقت من خلاله ناقوس الخطر حول ما اعتبرته “ركودا غير مسبوق” يخيم على المشهد الثقافي بالمدينة، مطالبة بتدخل عاجل لفتح الفضاءات الثقافية المغلقة وإنهاء حالة الجمود.
البيان الذي وقعته جمعيات مسرحية وموسيقية وتربوية وفرق فنية مستقلة، عبر عن قلق عميق إزاء تدهور البنية الثقافية بالمدينة، مشيرا إلى أربع نقط سوداء رئيسية:
1. دار الثقافة محمد الخمار الكنوني: القلب النابض سابقا للحركة الثقافية. 2. المركب الثقافي عبد السلام عامر: المشروع الذي طال انتظاره ولم ير النور بعد. 3. المركز الثقافي البلدي: الذي علقت أنشطته منذ مدة. 4. مكتبة عبد السلام احسيسين: المغلقة رغم حاجة الشباب والطلبة الماسة إليها.
واعتبر الموقعون أن استمرار إغلاق هذه الفضاءات يحرم آلاف الشباب والأطفال من حقهم الدستوري في الثقافة، ويهدد التماسك المجتمعي ويدفع المدينة نحو فراغ ثقافي خطير.
مدينة أنجبت الشعراء بلا فضاء للشعر
القصر الكبير ليست مدينة عادية في الخارطة الثقافية المغربية. هي حاضرة تاريخية أنجبت قامات مثل الشاعر الرائد محمد الخمار الكنوني الذي تحمل دار الثقافة اسمه، والموسيقار الخالد عبد السلام عامر الذي يحمل المركب الثقافي الجديد اسمه.
دار الثقافة نفسها، التي افتتحت نهاية نونبر 2013، عرفت منذ انطلاقها حراكا ثقافيا وزخما فنيا كبيرا وساهمت بشكل مباشر في النهوض بالشأن الثقافي المحلي. لكنها سرعان ما تحولت، بحسب فعاليات محلية، إلى بناية مهجورة ومليئة بالقمامة، وسط تبادل للاتهامات حول المسؤولية.
السلطات المحلية سبق أن بررت الإغلاق بكون البناية “آيلة للسقوط” وأن المشكل في أساسها الذي يعود لعهد الاستعمار الإسباني، مقترحة إما الهدم وإعادة البناء أو إنجاز دعامات بقيمة 4 ملايين درهم. وهو تبرير يرفضه الفاعلون الثقافيون الذين يعتبرونه “إجحافا يشعر المواطن القصري بالإحباط والرفض لهذا التعامل غير المقبول”.
لماذا وصلنا إلى هذا الركود؟ قراءة في الأسباب العميقة
الركود الحالي ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة تراكمات بنيوية:
1. أزمة بنية تحتية وتدبير:
إغلاق دار الثقافة بسبب عيوب تقنية، وتأخر المركب الثقافي لسنوات رغم برمجته، يكشف عن غياب الصيانة الاستباقية والافتقار للدراسات التقنية الجادة قبل البناء، ثم غياب رؤية لتدبير هذه الفضاءات بعد تشييدها.
2. تضارب الاختصاصات وغياب الإرادة:
تتوزع مسؤولية الفضاءات بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل، والمجلس الجماعي، والمجتمع المدني، مما يخلق حالة من “تقاذف المسؤوليات”. كل طرف يؤكد أن المرفق “يتبع جماعة القصر الكبير وليست ضمن مسؤوليتهم”، والنتيجة أن الفضاء يبقى مغلقا.
3. غياب سياسة ثقافية تشاركية:
الأنشطة الثقافية ظلت موسمية ومناسباتية، مرتبطة بمهرجانات، بدل أن تكون سياسة يومية مستدامة. الفاعل الثقافي المحلي تحول من شريك في القرار إلى مجرد مستهلك لقاعة يطلب ترخيصها بشق الأنفس. وهو ما نبه إليه البيان المفتوح الذي طالب سابقا “بالتعجيل بإغلاق المعلمة والبداية بالأشغال فيها” في إطار المقاربة التشاركية.
4. تهميش الكفاءات المحلية:
القصر الكبير تتوفر على عشرات الفرق المسرحية، ومجموعات موسيقية، وتشكيليين، ومبدعين شباب، لكن غياب فضاء للتدريب والعرض دفع الكثيرين للهجرة نحو طنجة والعرائش والقنيطرة، أو التوقف نهائيا.
كيف نكسر الجمود؟ خارطة طريق للإنقاذ
تجاوز الوضع يتطلب أكثر من مجرد فتح الأبواب، بل يتطلب إرادة سياسية حقيقية:
أولا: حلول استعجالية:
• فتح تحقيق تقني شفاف حول وضعية دار الثقافة ونشر نتائجه للرأي العام، مع جدول زمني واضح للإصلاح أو إعادة البناء. • الفتح الفوري لمكتبة عبد السلام احسيسين والمركز الثقافي البلدي، ولو بشكل جزئي، لضمان استمرارية الأنشطة. • التسريع بإخراج المركب الثقافي عبد السلام عامر إلى حيز الوجود وربطه بالتزامات زمنية ومالية.
ثانيا: حلول هيكلية:
• إحداث مجلس ثقافي محلي: يضم الجماعة والمديرية الإقليمية للثقافة والمجتمع المدني والفنانين، يتولى برمجة وتدبير الفضاءات بشكل تشاركي وديمقراطي. • اعتماد مبدأ التدبير المفوض الجمعوي: تمكين الجمعيات الجادة من تسيير الفضاءات بتعاقد واضح ودعم سنوي، بدل منطق “المقاربة الأمنية” في منح التراخيص. • إنشاء صندوق محلي لدعم الإبداع: من ميزانية الجماعة وشراكات مع القطاع الخاص، لدعم إنتاجات الشباب في المسرح والسينما والموسيقى. • برمجة ثقافية للقرب: نقل الأنشطة للأحياء والمدارس والحدائق العمومية مؤقتا، في انتظار فتح القاعات، حتى لا يبقى الطفل القصري رهينة الجدران المغلقة.
إن الثقافة في القصر الكبير، كما يقول البيان، “لم تكن مجرد مبنى؛ بل كانت مدرسة مفتوحة تحتضن المسرحيين والموسيقيين والتشكيليين”. وإنقاذها اليوم هو إنقاذ لذاكرة المدينة ومستقبل أبنائها.
فهل ستلتقط الجهات الوصية صرخة “بيان الإنقاذ” قبل أن يتحول الركود المؤقت إلى موت سريري للثقافة؟
