عندما يصبح البحر آخر أمل… مأساة جيل يهاجر من الحياة قبل أن يصل إليها

العرائش أنفو
عندما يصبح البحر آخر أمل… مأساة جيل يهاجر من الحياة قبل أن يصل إليها
بقلم: محمد اعبيدو
لم يعد البحر بالنسبة إلى آلاف المراهقين والشباب المغاربة مجرد فضاء أزرق يفصل بين ضفتين، بل تحول إلى بوابة للأحلام المؤجلة، وإلى امتحان قاسٍ بين الحياة والموت. فمن قوارب الهجرة السرية التي عُرفت بـ”قوارب الموت”، إلى محاولات السباحة نحو سبتة المحتلة، تتكرر المأساة بالوجوه نفسها، وبالدموع نفسها، وبالأحلام نفسها التي تنتهي في كثير من الأحيان بجثة لفظتها الأمواج، أو بشاب مفقود لا يعرف أهله أين انتهى به المصير.
إنها ليست مجرد حوادث غرق متفرقة، بل مأساة إنسانية تتكرر حتى أصبحت جزءًا من المشهد اليومي، وكأن المجتمع اعتاد رؤية شبابه يرحلون إلى المجهول دون أن يتوقف ليسأل: لماذا يختار مراهق في السادسة عشرة أو السابعة عشرة أن يغامر بحياته؟ وما الذي يدفع شابًا إلى اعتبار الموت في البحر أقل قسوة من البقاء في وطنه؟
هذه الأسئلة ليست بالنسبة إليّ مجرد مادة للكتابة، بل هي جزء من واقع عشته عن قرب. فمن أفراد عائلتي، ومن أبناء الأحياء الشعبية التي لا تزال عائلتي تقطن بها بمدينة العرائش، رأيت كيف يكبر الأطفال وهم يحملون حلمًا واحدًا: الوصول إلى أوروبا، مهما كان الثمن.
كنت دائمًا أخاطب أحد المراهقين من أفراد عائلتي قائلاً: فكر في والدتك التي ستبكيك إن غرقت، وفكر في مستقبلك الذي قد تصنعه هنا في المغرب إذا اجتهدت وآمنت بنفسك. لا تجعل البحر يقرر مصيرك، ولا تمنح الأمواج حق كتابة نهاية حياتك. كنت أحاول أن أزرع فيه أملاً بديلاً عن الوهم، وأن أقنعه بأن النجاح لا يولد دائمًا على الضفة الأخرى، بل قد يبدأ من هنا إذا توفرت الإرادة والفرصة.
لكن كيف يمكن للكلمات وحدها أن تنتصر على واقع قاسٍ؟
حين يعيش الشاب في بيئة يطوقها الفقر، وتغيب عنها فرص الشغل، ويعاني فيها من الهدر المدرسي، وتغيب فضاءات الثقافة والرياضة والتأطير، ويشاهد يوميًا صور الرفاهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح حلم الهجرة أكثر إغراءً من أي خطاب عن الصبر أو الوطنية.
إن أخطر ما يقتل هؤلاء الشباب ليس الفقر وحده، بل فقدان الأمل. فالإنسان يستطيع أن يتحمل ضيق العيش، لكنه لا يستطيع أن يعيش بلا أفق.
وحين تغيب مؤسسات التنشئة والتأطير، أو يصبح حضورها محدودًا، وحين يتراجع دور المجتمع المدني في احتضان الشباب والاستماع إليهم، يجد المراهق نفسه وحيدًا أمام عالم افتراضي يصنع له أوهامًا وردية عن الحياة في أوروبا، بينما يخفي عنه صور الاستغلال، والتشرد، والعنصرية، والوحدة، والموت في عرض البحر.
إن الهجرة ليست دائمًا بحثًا عن المال، بل هي في كثير من الأحيان صرخة استغاثة من واقع يشعر فيه الإنسان بأنه غير مرئي، وغير مسموع، وغير قادر على تحقيق ذاته.
ولهذا فإن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تتم فقط عبر تشديد المراقبة الأمنية أو منع القوارب من الإبحار، لأن القارب الحقيقي الذي يجب إيقافه هو قارب اليأس.
فالشاب الذي يفكر في السباحة عشرات الكيلومترات نحو سبتة المحتلة يعلم مسبقًا أن احتمال موته كبير، ومع ذلك يقفز إلى البحر. وهذه الحقيقة وحدها تكشف حجم اليأس الذي يسكن النفوس.
إن المطلوب اليوم رؤية وطنية شاملة تجعل من الشباب أولوية حقيقية، لا شعارًا موسميًا. رؤية تقوم على الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في الحجر، وعلى بناء مدارس جاذبة، ومراكز للتكوين، وفضاءات ثقافية ورياضية، وبرامج للدعم النفسي والاجتماعي، ومبادرات لخلق فرص العمل وريادة الأعمال، حتى يشعر الشاب بأن له مكانًا في وطنه.
كما أن الأسرة مطالبة بأن تكون أكثر قربًا من أبنائها، وأن تستمع إلى مخاوفهم وأحلامهم قبل أن تستمع إلى خبر اختفائهم في البحر. والمدرسة مطالبة بأن تعيد الأمل، والإعلام مسؤول عن تقديم صورة متوازنة للهجرة، تكشف مخاطرها كما تعرض قصص النجاح داخل الوطن. أما المجتمع المدني، فعليه أن يعود إلى رسالته الأساسية في مرافقة الشباب وتأطيرهم، لا أن يكتفي بأنشطة موسمية محدودة الأثر.
إن إنقاذ شاب واحد من الموت في البحر لا يعني فقط إنقاذ حياة فرد، بل يعني حماية أسرة كاملة من الحزن، وحماية وطن من خسارة أحد أبنائه.
ولعل أكثر المشاهد قسوة هي تلك الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن عند الأبواب، بينما يعود البحر وحده، حاملاً أخبارًا لا تُحتمل. أم تنتظر اتصالًا لن يأتي، وأب يحدق في الأفق لعل ابنه يعود، وإخوة يكبرون على ذكرى غائب لا قبر له ولا وداع.
إن البحر لا يبتلع الأجساد فقط، بل يبتلع الأحلام، ويبتلع مستقبل الوطن حين يفقد أجمل سنوات شبابه.
ولذلك، فإن معركة الهجرة غير النظامية ليست معركة حدود، بل معركة كرامة وعدالة وأمل. إنها معركة من أجل أن يشعر كل طفل وكل مراهق وكل شاب بأن وطنه لا يطلب منه التضحية بحياته، بل يمنحه فرصة ليعيشها بكرامة.
فالأوطان العظيمة ليست تلك التي تمنع أبناءها من الرحيل بالقوة، وإنما تلك التي تمنحهم ألف سبب للبقاء.
وعندما يصبح البقاء حلمًا جميلًا، لن يعود البحر طريقًا إلى المستقبل، بل سيعود كما كان دائمًا… مساحة للحياة، لا مقبرة للأحلام.
