ads980-90 after header
الإشهار 1

سيرة الأشياء / عن قهوتي

الإشهار 2

العرائش أنفو

سيرة الأشياء / عن قهوتي

لا أصنع القهوة…أنا أهيئ لها الطريق إليّ.
أختار البن كما يختار شاعرٌ كلمته الأولى،
وأتركه يبوح برائحته قبل أن يلامس الماء.
ثم أرفعه في إبريقي النحاسي،
ذلك الرفيق القديم
القادم من الأناضول،
يحمل في معدنه
دفءَ البيوت التركية،
و الذي لا يعرف العجلة،
ويؤمن أن الأشياء الجميلة
تحتاج إلى نارٍ هادئة وقلبٍ يصبر.

وللقهوة أمزجةٌ أيضًا.
مرةً ترتدي عباءة القرفة،
وتعلّق القرنفل على كتفيها،
وتضع في شعرها نجمةً من اليانسون،
وتخبئ في قلبها حبةً من العلك.
ومرةً تنزع كل زينتها،
وتأتي بثوب البن وحده،
لأن الجمال في بعض الأيام
يكتفي بأن يكون بسيطًا.
وأحيانًا أشربها
من نوى التمر المحمّص،
فأشعر أن النخيل
تعلم هو الآخر
كيف يصير قهوة.

ولدي مع الفناجين حكايةٌ أخرى.
لا أقتنيها لأنها جميلة،
بل لأنها تحفظ الأمكنة.
فنجانٌ من الأندلس،
كلما احتضن القهوة
فاحت رائحةُ زهر النارنج،
وسمعتُ الماء
يجري في قنوات الحمراء،
وأيقنتُ أن الحضارات قد تغيب،
لكنها تترك أثرها في فنجان.
وفنجانٌ من اليونان،
كلما لامستُه
سمعتُ الأسئلة القديمة
تمشي بين الأعمدة،
وكأن سقراط وأفلاطون
ما زالا يتحاوران على مائدةٍ صغيرة.
وفنجانٌ من باريس،
يحمل في خزفه شيئًا من المطر،
وشيئًا من المقاهي
التي تعلّمت فيها الكتب
أن تجلس بين الناس.
وفناجين من فخار آسفي،
من ذلك الطين الذي تعلّم
أن يحتفظ بدفء اليدين،
قبل أن يحتفظ بحرارة القهوة.
قد تبدو متواضعة…
لكنها تشبه البيوت الأولى،
وتشبه الأيدي
التي تصنع الأشياء بمحبةٍ لا تُرى.
كلُّ فنجان مدينة،
وكلُّ مدينة ذاكرة،
وكلُّ ذاكرة ترتشفني
قبل أن أرتشفها.

ولا تأتي القهوة بالطريقة نفسها أبدًا.
مرة ترافقها قطعةُ شوكولاتة،
وفي بعض المرات
حلوى تعرف أن المرارة
لا تكتمل إلا بقليلٍ من الحلاوة.
وأجلس أنا…
مرةً وحيدةً معها،
فنصير حديثًا طويلًا
لا يسمعه أحد.
ومرةً بين الأهل والأصدقاء،
فتصبح القهوة
لغةً لا تحتاج إلى مترجم،
ويغدو الفنجان
سببًا آخر لأن يطول اللقاء.

وعلى الطاولة يبقى كتابي.
وقبل أن أفتح الصفحة الأولى،
أترك للموسيقى
أن تجد مقعدًا إلى جوارنا.
مرةً يأتي البيانو خفيفًا
كأنامله على الماء،
ومرةً يمرُّ العود
محمّلًا برائحة الشرق،
فأكتشف
أن القهوة أيضًا
تُحسن الإصغاء.
فلا أعرف
من يقرأني أكثر:
الكتاب…أم القهوة… أم المقطوعة الموسيقية

لكنني أعلم
أن أجمل الصفحات كُتبت
وبجانبها فنجانٌ دافئ،
وكتابٌ مفتوح،
وموسيقى هادئة
لا تطلب من الصمت
إلا أن يكتمل.
وأن كثيرًا من الأفكار
خرجت من بخار القهوة
قبل أن تستقر بين السطور.
لهذا…
كلما سألني أحدهم
عن عادتي الأثيرة،
لا أقول: إنني أحب القهوة.
بل أقول: أحب ذلك الطقس
الذي يبدأ بحفنةِ بن،
وإبريقٍ نحاسي،
وفنجانٍ يحمل مدينة،
وكتابٍ ينتظر،
ونوتات موسيقية
تعرف متى تصمت،
ومتى تملأ المكان.

وينتهي…
بقلبٍ صار أكثر هدوءًا
مما كان.

سميرة خمال
الدار البيضاء، 23 يوليوز 2026

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5