الوطن أولاً… والبيعة عهدٌ في الأعناق: من بني عروس إلى سبتة ذاكرة الجهاد ومسؤولية الأجيال

العرائش أنفو
الوطن أولاً… والبيعة عهدٌ في الأعناق: من بني عروس إلى سبتة ذاكرة الجهاد ومسؤولية الأجيال
بقلم: محمد أعبيدو
هناك أوطان نعيش فيها، وهناك أوطان تعيش فينا.والمغرب بالنسبة إليّ ليس مجرد حدود جغرافية أو اسم على خارطة، وإنما هو تاريخ وذاكرة وهوية وروح، وهو أرض احتضنت أجدادنا، ودماء رجال ونساء دافعوا عنها، وعهدٌ يتوارثه الأبناء عن الآباء والأجداد.
ومن هذا الإيمان أكتب اليوم، لا باعتباري مؤرخاً يصدر أحكاماً نهائية على الماضي، وإنما باعتباري مغربياً يعتز بجذوره، وينتمي إلى قبيلة بني عروس، ويحمل في وجدانه ذاكرة عائلية مرتبطة برجال من أهل الشرف والجهاد والمقاومة.
من بني عروس… حيث تتحول الذاكرة إلى مسؤولية
أعتز بانحداري من قبيلة بني عروس، هذه الأرض التي ارتبط اسمها في الذاكرة المغربية بالشرف والعلم والوطنية، وأعتز بما توارثته عائلتي من أخبار عن أجدادي، وفي مقدمتهم مولاي عبد الله العروسي، الذي ارتبط اسمه، في الذاكرة العائلية، بالمقاومة والتحرير في شمال المغرب، وبمواجهة الوجود الإسباني.
كما أعتز بذكر جدي عبد الله المجاهد الطردني، الذي ارتبط اسمه بملحمة وادي المخازن، تلك المعركة الكبرى التي شكلت محطة بارزة في تاريخ المغرب.
وتروي الذاكرة العائلية كذلك أن أحد أجدادي حاصر مدينة سبتة بخمسة آلاف مقاتل، وكان قريباً من تحقيق هدف استرجاعها، قبل أن تحول عوامل متعددة دون اكتمال تلك المسيرة.
وأنا أورد هذه الذاكرة باعتزاز، مع الإيمان بأن التاريخ مسؤولية، وأن الروايات العائلية ينبغي أن تجد طريقها إلى التوثيق والتحقيق العلمي، حتى يتحول الاعتزاز بالماضي إلى معرفة راسخة للأجيال القادمة.
فالشرف الحقيقي ليس في أن نقول: كان أجدادنا مجاهدين، وإنما في أن نسأل أنفسنا:ماذا قدمنا نحن للوطن؟
من جهاد الأجداد إلى وفاء الأحفاد
كان أجدادنا يعيشون زمناً كانت فيه معارك التحرير تخاض بالسيف والفرس والبندقية.أما نحن فنعيش زمناً آخر.
معركتنا اليوم هي معركة العلم، والتنمية، والاقتصاد، والعدالة، والدبلوماسية، والإعلام، والثقافة، وحماية الذاكرة الوطنية.
إن أعظم وفاء لجهاد الأجداد هو أن نبني وطناً قوياً، عادلاً، آمناً، متقدماً، قادراً على الدفاع عن مصالحه بالحجة والقانون والدبلوماسية، وقادراً في الوقت نفسه على حماية وحدته الوطنية وثوابته التاريخية.فالوطنية ليست صراخاً، وليست تخويناً، وليست عداءً للآخر.الوطنية مسؤولية
الملك والوطن والبيعة الشرعية
وفي قلب هذه الرؤية الوطنية، تقف مكانة أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، بما تمثله مؤسسة إمارة المؤمنين في النظام الدستوري والروحي للمملكة المغربية من مكانة محورية في حفظ ثوابت الأمة ووحدتها واستقرارها.إن البيعة الشرعية في الوجدان المغربي ليست مجرد عبارة تاريخية عابرة، وإنما هي رابطة متجذرة في تاريخ الدولة المغربية، وعهدٌ ومسؤولية ووفاء.وبالنسبة إلينا، نحن أبناء هذا الوطن، فإن احترام البيعة الشرعية ومؤسسة إمارة المؤمنين ليس موقفاً موسمياً، وإنما هو جزء من الذاكرة السياسية والروحية للمملكة.نحن نرى في البيعة الشرعية لأمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، عهداً في أعناقنا، ومسؤولية وطنية وأخلاقية، وامتداداً لتاريخ طويل من الدولة المغربية ومؤسساتها وثوابتها.ومن هنا، فإن الدفاع عن المغرب لا ينفصل عن الدفاع عن وحدته واستقراره ومؤسساته وثوابته الدستورية والوطنية.لكن الوفاء الحقيقي لا يكون بالكلمات وحدها.فالوفاء للوطن وللملك وللبيعة يكون أيضاً بالعمل الصالح، واحترام القانون، وخدمة المواطنين، ومحاربة الفساد، وصون المال العام، والدفاع عن الوحدة الوطنية، وبناء مغرب قوي يليق بتضحيات الأجداد.
سبتة… ذاكرة لم تنطفئ
سبتة ليست مجرد اسم في الأخبار.إنها جزء من ذاكرة مغربية طويلة، وحاضرة في الوعي التاريخي والجغرافي للمملكة لكن استحضار هذه القضية لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب كراهية ضد الشعب الإسباني.
إسبانيا جارة، والشعب الإسباني شعب جار، والجوار يمكن أن يكون جسراً للتعاون لا سبباً دائماً للصراع.نحن نريد علاقات مغربية إسبانية تقوم على الاحترام المتبادل، والندية، والمصالح المشتركة، وحسن الجوار. لكن حسن الجوار لا يعني نسيان التاريخ. والتعاون لا يعني التخلي عن الذاكرة.والسلام لا يعني التنازل عن القضايا الوطنية.
إن قضية سبتة ومليلية والجزر المغربية تحتاج إلى نفس طويل، وإلى بحث تاريخي وأكاديمي رصين، وإلى عمل دبلوماسي هادئ ومتواصل، وإلى خطاب وطني مسؤول يضع مصالح المغرب في مقدمة الأولويات.
لا أبيع وطني،أقولها بكل وضوح:لن أبيع وطني.لن أبيع تاريخ أجدادي.لن أساوم على انتمائي.لن أستبدل المغرب بمصلحة عابرة.لكن الوطنية الحقيقية تقتضي أيضاً ألا نحول الاختلاف إلى تخوين، وألا نضع ملايين المغاربة المقيمين بالخارج في خانة واحدة.فالمغربي الذي يعيش في إسبانيا ليس بالضرورة خائناً، ومن يحمل جنسية أجنبية ليس بالضرورة عميلاً، ومن يختلف معنا في الرأي ليس بالضرورة عدواً للوطن.الولاء لا يقاس بمكان الإقامة ولا بجواز السفر وحده، وإنما بالمواقف والسلوك والعمل والمسؤولية.ومن حق الإنسان أن يعيش حيث يريد وأن يحمل الجنسية التي يسمح بها القانون، لكن من واجبه أيضاً أن يتحمل مسؤولية كلماته ومواقفه عندما يتعلق الأمر بقضايا وطنه.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نحول الوطنية إلى محكمة تفتيش في ضمائر الناس.فالخيانة، إن وجدت، تُقاس بالأفعال والوقائع، لا بالأصل أو الإقامة أو الجنسية.المغرب لا يحتاج إلى كراهية الآخرين،أنا مغربي وأفتخر،جبلي وأفتخر.من بني عروس وأفتخر.لكنني أيضاً إنسان من بني البشر،وحبي للمغرب لا يعني أن أكره الإسباني،واعتزازي بجبالة لا يعني أن أنتقص من أبناء المناطق الأخرى،وتمسكي بتاريخ أجدادي لا يعني أن أرفض تاريخ الآخرين.إن الإنسان الواثق من هويته لا يحتاج إلى إهانة هوية غيره،ولهذا فإنني أؤمن بمغرب قوي، متسامح، منفتح، معتز بثقافته، واثق من تاريخه، وقادر على بناء علاقات محترمة مع جميع الشعوب. إسبانيا جارة… والمصالح أولاً،الدول لا تبني علاقاتها على العواطف وحدها،كل دولة تبحث عن مصالحها، والمغرب أيضاً له مصالحه الاستراتيجية، وله أمنه القومي، وله قضاياه الوطنية، ولهذا يجب أن تكون علاقات المغرب الخارجية قائمة على قاعدة واضحة: الصداقة نعم، التعاون نعم، الاحترام نعم، لكن المصلحة الوطنية أولاً.أما العلاقات مع الجزائر وفرنسا وإسبانيا وغيرها، فينبغي أن تُدار وفق رؤية استراتيجية مغربية مستقلة، بعيداً عن الانفعال وردود الفعل.فلا صداقة دائمة بلا مصالح مشتركة، ولا خصومة دائمة بلا تغير في الظروف.
والدولة الحكيمة هي التي تعرف متى تتعاون، ومتى تفاوض، ومتى تختلف، ومتى تدافع بحزم عن مصالحها.
إلى الشباب المغربي: لا تفقدوا الإيمان بالوطن،أيها الشباب المغربي،لا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن المغرب بلا مستقبل.نعم، هناك مشاكل،نعم، هناك فوارق اجتماعية،نعم، هناك بطالة وتحديات اقتصادية ومظاهر فساد تحتاج إلى الإصلاح،لكن إصلاح الوطن لا يكون بكراهية الوطن،وانتقاد المسؤولين لا يعني هدم الدولة.
والمطالبة بالحقوق لا تعني التخلي عن الانتماء،كونوا مواطنين أحراراً، اسألوا، ناقشوا، انتقدوا، طالبوا بحقوقكم، حاسبوا المسؤولين، ولكن لا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم حب المغرب،فالوطن ليس مسؤولاً عن أخطاء بعض أبنائه، والوطن أكبر من حكوماته، وأكبر من أحزابه، وأكبر من أفراده.
رسالة إلى أبناء المهجر
وأقول لأبناء المغرب المقيمين في إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وسائر أنحاء العالم:أنتم سفراء المغرب في العالم،كونوا أوفياء لجذوركم،احترموا البلدان التي احتضنتكم، وفي الوقت نفسه لا تنسوا الأرض التي خرجتم منها،يمكن للمغربي أن يكون مواطناً ناجحاً في بلد أجنبي، وأن يكون في الوقت ذاته محباً لوطنه الأم،لاتناقض بين الانفتاح على العالم والوفاء للمغرب،رسالة إلى المختلفين،لن أبني وطنيتي على كراهية من يختلف معي،قد أختلف معك في السياسة،قد أختلف معك في التاريخ،قد أختلف معك في تقييم علاقة المغرب بإسبانيا أو فرنسا أو الجزائر،لكنني لن أحول الاختلاف إلى عداوة شخصية،المغرب يتسع للجميع، والاختلاف إذا أُدير بالحكمة يمكن أن يكون قوة لا ضعفاً،أما التخوين الجماعي، فهو يضعف الجبهة الداخلية أكثر مما يقويها.المعركة الحقيقية اليوم،إذا كان أجدادنا قد حاربوا بالسلاح، فإن علينا اليوم أن نحارب الجهل بالعلم، والفقر بالتنمية، والبطالة بالاستثمار، والتهميش بالعدالة المجالية، والفساد بالقانون، والتطرف بالوعي، والتضليل بالإعلام المهني.نريد جيلاً يعرف تاريخ المغرب، لكنه لا يعيش أسيراً للماضي.نريد جيلاً يحب وطنه، لكنه لا يغلق عقله.نريد جيلاً يحترم الملك ومؤسسة إمارة المؤمنين وثوابت المملكة، ويعرف في الوقت نفسه أن خدمة الوطن مسؤولية يومية.نريد مغرباً قوياً لا يحتاج إلى الصراخ كي يثبت قوته.
نداء إلى الضمير المغربي
من بني عروس، من أرض جبالة، ومن ذاكرة أجداد ارتبطت حياتهم بالجهاد والدفاع عن الوطن، أوجه نداءً إلى كل مغربي:لا تجعلوا الخلافات الصغيرة تقتل القضايا الكبرى.لا تسمحوا للمصالح الشخصية أن تتقدم على المصلحة الوطنية.لا تسمحوا للمتاجرين بالقضايا الوطنية أن يحولوا حب المغرب إلى تجارة.لا تجعلوا أبناء الوطن أعداء لبعضهم.إن أقوى سلاح للمغرب ليس فقط في حدوده وجيشه ومؤسساته، وإنما أيضاً في وحدة شعبه، وثقة أبنائه، وعدالة مؤسساته، وقوة اقتصاده، ووعي شبابه.الوطن أولاً.
أنا محمد أعبيدو.أعتز بأجدادي.أعتز ببني عروس.أعتز بجبالة.أعتز بتاريخ المغرب.وأعتز ببلادي تحت راية أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.وأحمل في وجداني تقديساً واحتراماً للبيعة الشرعية التي تشكل جزءاً أصيلاً من تاريخ الدولة المغربية، وأعتبرها عهداً في أعناقنا ومسؤولية تتطلب الوفاءوالعمل وخدمة الوطن.لكن أعظم وفاء للملك والوطن والبيعة ليس كثرة الكلام، وإنما أن نكون مواطنين صالحين، وأن نعمل من أجل مغرب أفضل، وأن نحترم القانون، وأن نحارب الفساد، وأن نحافظ على الوحدة الوطنية، وأن نربي أبناءنا على حب الوطن لا على كراهية الآخرين.إنني لا أريد مغرباً يعيش على أمجاد الماضي فقط.أريد مغرباً يصنع أمجاد المستقبل.لا أريد وطنية تقوم على التخوين.أريد وطنية تقوم على المسؤولية.لا أريد علاقات دولية يحكمها الانفعال.أريد دبلوماسية مغربية قوية، ذكية، مستقلة، تحترم الأصدقاء وتحمي المصالح.ولا أريد أن تكون سبتة ومليلية مجرد شعار يتكرر في المناسبات، بل أريد أن تبقى قضيتنا حاضرة في الذاكرة الوطنية، وفي البحث العلمي، وفي الدبلوماسية، وفي الحوار الدولي، بروح مسؤولة ووسائل سلمية وقانونية.لقد ترك لنا الأجداد وطناً.والسؤال اليوم ليس: ماذا فعل الأجداد من أجلنا؟ بل السؤال الذي يجب أن يوقظ ضمائرنا هو:ماذا سنفعل نحن من أجل المغرب؟فالأوطان لا يحميها الكلام وحده. تحميها الوحدة.يحميها العدل. يحميها العلم. تحميها التنمية. تحميها المؤسسات. يحميها الوعي. يحميها الوفاء. ويحميها قبل كل شيء حب صادق لا يحتاج إلى مزايدة ولا إلى تخوين.ومن هنا أقولها من أعماق القلب: مغربي وأفتخر.جبلي وأفتخر من بني عروس وأفتخر.وفِيٌّ لوطني، معتز بتاريخ أجدادي، مؤمن بوحدة بلادي وثوابتها، ومتشبث ببيعتنا الشرعية لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
وإذا كان التاريخ قد علمنا شيئاً، فهو أن الأوطان تمر عليها المحن، وتتغير الوجوه، وتتبدل المصالح، لكن يبقى الوطن.لذلك، في زمن تتغير فيه التحالفات والمصالح، يبقى نداؤنا ثابتاً:الوطن أولاً…والبيعة عهدٌ في الأعناق…
والمغرب فوق كل مصلحة…والمغرب أولاً وأخيراً.
