ads980-90 after header
الإشهار 1

المغرب وإسبانيا… عندما تعود الذاكرة الاستعمارية من بوابة الأزمة

الإشهار 2

العرائش أنفو
المغرب وإسبانيا… عندما تعود الذاكرة الاستعمارية من بوابة الأزمة

بقلم: محمد اعبيدو

ليست كل الأزمات الدبلوماسية تُقاس بحجم الكلمات التي تصدر عن وزارات الخارجية، ولا بعدد التصريحات التي تتبادلها العواصم. فبعض الأزمات أعمق من ذلك بكثير، لأنها تمس الذاكرة والكرامة والسيادة وصورة الآخر في وجدان الشعوب. ولذلك، فإن التطورات الأخيرة في العلاقات المغربية الإسبانية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد خلاف عابر حول الهجرة أو سبتة أو تصريحات انتخابية داخل إسبانيا، وإنما باعتبارها لحظة سياسية دقيقة تعيد إلى الواجهة سؤالاً أكبر: هل استطاعت الشراكة المغربية الإسبانية أن تتجاوز فعلاً إرث الماضي، أم أن الماضي الاستعماري لا يزال كامناً تحت سطح الحاضر، ينتظر لحظة سياسية مناسبة ليعود إلى الواجهة؟
هذا هو السؤال الحقيقي.
لقد اختار المغرب، بإرادة سيادية واضحة، منذ سنوات، أن يبني مع إسبانيا علاقة تقوم على حسن الجوار والحوار السياسي والتعاون الاقتصادي والأمني والتنسيق في قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة. وكان الإعلان المشترك المغربي الإسباني في 7 أبريل 2022 محطة أساسية في هذا المسار، بعدما فتحت الرباط ومدريد صفحة جديدة عنوانها الاحترام المتبادل والثقة والحوار والشراكة. وكانت النتائج ملموسة بالفعل؛ فقد أصبحت إسبانيا الشريك الاقتصادي الأول للمغرب، وأصبح المغرب شريكاً تجارياً رئيسياً لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، كما تطور التعاون الأمني والهجروي بصورة كبيرة.
لكن العلاقات الدولية لا تُبنى بالاقتصاد وحده.
فالدول يمكن أن تتبادل السلع والمصالح، لكنها لا تستطيع أن تتبادل الذاكرة.
والذاكرة المغربية تجاه إسبانيا ليست ذاكرة تجارية فقط؛ إنها أيضاً ذاكرة تاريخ طويل من الاستعمار والمقاومة والحروب والاحتلال وتقسيم المجال والنفوذ في شمال المغرب، ثم قضية الصحراء وسبتة ومليلية والجزر المحتلة. وهنا تكمن حساسية اللحظة، لأن ما يبدو في الظاهر خلافاً سياسياً عابراً قد يلامس في العمق طبقات تاريخية لم تُغلق ملفاتها بصورة نهائية.ه
لقد كان المغرب واضحاً في تعاونه مع إسبانيا في مجال الهجرة، وأسهم التعاون الأمني بين البلدين في إنقاذ أرواح وتفكيك شبكات إجرامية وإرهابية، وأصبح هذا التعاون نموذجاً مهماً في المنطقة. لكن الأحداث التي عرفتها الحدود خلال الأزمة الأخيرة، وما رافقها من اتهامات متبادلة، ثم استمرار السجال السياسي والإعلامي داخل إسبانيا، تجعل من الضروري طرح الأسئلة بعيداً عن الانفعال: هل أصبحت الهجرة ملفاً انتخابياً؟ وهل تحولت الحدود إلى مادة للمزايدات الحزبية؟ وهل أصبحت المملكة المغربية تُستدعى في النقاش السياسي الإسباني باعتبارها شريكاً عندما تكون الحاجة إلى التعاون قائمة، وخصماً عندما تقترب الاستحقاقات الانتخابية؟
إذا كان الجواب نعم، فإن ذلك لا يهدد المغرب وحده، وإنما يهدد جوهر الشراكة نفسها.
فالمغرب يمكن أن يكون شريكاً، ويمكن أن يكون جاراً، ويمكن أن يكون حليفاً في مكافحة الإرهاب والهجرة والجريمة المنظمة، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى مادة انتخابية داخل إسبانيا، ولا إلى كبش فداء لتصفية الحسابات السياسية الداخلية.
فالانتخابات الإسبانية شأن إسباني، والتنافس بين الأحزاب الإسبانية مشروع، لكن جعل المغرب عنواناً للصراع الداخلي، وتحويله إلى متهم دائم، أو استعماله لتفسير إخفاقات سياسية داخلية، أمر آخر.
الجوار الجغرافي قدر، لكن تحويل الجوار إلى علاقة ثقة يحتاج إلى شجاعة سياسية. وإذا غابت هذه الشجاعة، فإن الجغرافيا نفسها قد تتحول من جسر إلى مصدر دائم للتوتر.
وفي خضم هذه الأزمة، جاء التطور البرلماني الإسباني المتعلق بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين وُلدوا في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية ولأحفادهم، وهو تطور لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد ملف قانوني تقني، بالنظر إلى حمولة القضية التاريخية والسياسية.
فالمسألة تفتح من جديد سؤال الماضي الاستعماري الإسباني، وتطرح تساؤلات حول كيفية تعامل الدولة الاستعمارية السابقة مع إرث المرحلة التي كانت خلالها أجزاء من الأراضي المغربية خاضعة لإدارتها.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: هل يمكن فصل هذا التشريع عن النزاع حول الصحراء؟ وهل يمكن للبرلمان الإسباني أن يتعامل مع إرث المرحلة الاستعمارية باعتباره ملفاً قانونياً داخلياً محضاً، دون أن تكون لذلك انعكاسات سياسية على علاقات إسبانيا مع المغرب؟
هذه ليست أسئلة عاطفية، بل أسئلة سياسية وقانونية وتاريخية.
فالذاكرة الاستعمارية ليست صفحة يمكن تمزيقها وإلقاؤها في سلة النسيان.
لقد عرف المغرب الاستعمار الإسباني في أجزاء واسعة من شماله، من الريف إلى مناطق جبالة، وارتبط الوجود الإسباني في المنطقة بتاريخ طويل من المواجهات والمقاومة والتضحيات. وفي الذاكرة المغربية أسماء وأحداث لا تزال حاضرة: عبد الكريم الخطابي، وحرب الريف، والقبائل والمدن التي عاشت الاحتلال والمقاومة، وسبتة ومليلية، والجزر المحتلة، ثم الصحراء المغربية وإرث الإدارة الإسبانية.
كل هذه الملفات لا يمكن دفنها تحت عنوان “الشراكة الاقتصادية”.
فالشعوب لا تنسى تاريخها، والدول التي تريد بناء المستقبل عليها أن تكون شجاعة في مواجهة الماضي.
ومن هنا أيضاً يجب إعادة النظر في طريقة التعامل مع سبتة.
فاختزال سبتة في الهجرة أو الأمن أو المعابر الحدودية يختزل قضية تاريخية وجغرافية وسيادية أكبر. وبالنسبة إلى المغرب، فإن سبتة ومليلية والجزر المحتلة ليست مجرد نقاط على الخريطة، وإنما هي جزء من ذاكرة وطنية ممتدة.
ولهذا فإن أي أزمة حول الهجرة في سبتة لا ينبغي أن تُستخدم لإعادة تعريف جوهر العلاقة بين البلدين.
الهجرة ملف قابل للتفاوض، أما الذاكرة والسيادة فهما من صميم وجدان الدول.
ومع ذلك، فإن الدفاع عن الذاكرة والسيادة لا يعني الدعوة إلى القطيعة مع إسبانيا، ولا يعني تحويل الخلافات السياسية إلى عداء بين الشعبين.
فالمغرب وإسبانيا جاران، والتاريخ والجغرافيا والمصالح الاقتصادية والبشرية تجعل الانفصال بينهما غير ممكن وغير عقلاني. هناك ملايين الروابط الإنسانية، ومغاربة يعيشون في إسبانيا، وإسبان يعيشون في المغرب، وهناك تجارة واستثمارات وسياحة وأمن وهجرة وعائلات ومصالح مشتركة.
والإحصاءات الإسبانية تؤكد حجم الحضور المغربي، إذ كان المغاربة في مقدمة الجنسيات الأصل التي حصل مواطنوها على الجنسية الإسبانية خلال سنة 2025، بما مجموعه 42,114 حالة.
وهذا يعني أن العلاقات بين الشعبين أعمق بكثير من الخلافات السياسية العابرة.
لكن الشراكة الحقيقية لا تعني أن يتنازل طرف عن ذاكرته، ولا أن يقبل طرف بأن يتحول إلى متهم دائم.
الشراكة الحقيقية هي أن يحترم كل طرف كرامة الآخر وسيادته وذاكرته ومصالحه.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى العقل الإسباني كما إلى العقل المغربي: المغرب ليس عدواً لإسبانيا، وإسبانيا ليست عدواً للمغرب.
المغرب لا يحتاج إلى عدو إسباني كي يؤكد مغربيته، وإسبانيا لا تحتاج إلى عدو مغربي كي توحد بيتها السياسي.
لقد آن الأوان لأن تتوقف بعض النخب السياسية والإعلامية عن النظر إلى المغرب باعتباره صندوقاً انتخابياً جاهزاً لإنتاج الخوف.
فالخوف لا يبني الجسور، والشعبوية لا تصنع الأمن، والاتهام لا يصنع الثقة، والذاكرة عندما تُستعمل كسلاح سياسي تتحول من جسر لفهم التاريخ إلى وقود للصراع.
إن الخروج من هذا النفق لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات النارية، وإنما يحتاج إلى شجاعة سياسية حقيقية.
يحتاج أولاً إلى إعادة تفعيل الحوار المغربي الإسباني على أعلى مستوى، ويحتاج ثانياً إلى فصل الملفات: الهجرة عن الانتخابات، والأمن عن المزايدات، والتجارة عن الخلافات السياسية، والذاكرة التاريخية عن الاستخدام الحزبي الظرفي.
كما يحتاج إلى حوار صريح حول الإرث الاستعماري الإسباني في المغرب، ليس بهدف فتح جراح الماضي، وإنما بهدف فهمه ومعالجته، لأن المصالحة مع التاريخ لا تعني إعادة إنتاج الصراع، بل تعني منع التاريخ من أن يتحول إلى أداة جديدة للصراع.
وربما حان الوقت لطرح فكرة أكثر طموحاً: ميثاق مغربي إسباني جديد لحسن الجوار والذاكرة المشتركة، ميثاق لا يقتصر على الأمن والهجرة والتجارة، وإنما يقوم على احترام السيادة والوحدة الترابية لكل طرف، وعدم استعمال المغرب في الحملات الانتخابية الإسبانية، وعدم توظيف الهجرة كسلاح سياسي، وفتح حوار تاريخي حول الإرث الاستعماري، وحماية الذاكرة المغربية والإسبانية من التزييف، وتطوير التعاون الثقافي والتربوي بين الشعبين، وتشجيع الحوار بين المدن والمجتمعات المدنية، وحماية الجالية المغربية في إسبانيا وتعزيز اندماجها مع احترام هويتها، وبناء آليات دائمة لمعالجة الأزمات قبل تحولها إلى أزمات دبلوماسية، وجعل الملفات التاريخية والسيادية موضوعاً للحوار السياسي الهادئ والمسؤول بدل تحويلها إلى مصدر دائم للتوتر.
إن المغرب لا يطالب إسبانيا بأن تنسى تاريخها، بل يطلب منها أن تقرأه بصدق.
والمغرب نفسه لا ينبغي أن يعيش أسيراً للماضي.
لكن هناك فرقاً بين أن نعيش أسرى للتاريخ، وبين أن نحترم التاريخ ونستخلص منه دروس المستقبل.
لقد انتهى زمن الاستعمار المباشر، لكن آثار الاستعمار لا تختفي بمجرد خروج الجيوش. إنها تبقى في الحدود، وفي الخرائط، وفي الأرشيف، وفي الذاكرة، وفي اللغة، وفي العلاقات بين الدول.
ولهذا فإن المصالحة الحقيقية مع الماضي لا تكون بالصمت عنه، وإنما بفهمه والاعتراف بحساسيته وعدم تحويله إلى أداة جديدة للصراع.
وإلى المغاربة، ينبغي أن نقول بوضوح: لا تجعلوا الخلاف مع بعض السياسيين الإسبان يتحول إلى كراهية للشعب الإسباني، فالشعوب ليست دائماً مسؤولة عن مواقف حكوماتها، وإسبانيا ليست كتلة سياسية واحدة.
وفي المقابل، لا ينبغي أن نسمح لأي خطاب سياسي أو إعلامي أن يمس كرامة المغرب أو سيادته أو تاريخه.
وإلى الإسبان، ينبغي أن تصل رسالة أخرى لا تقل وضوحاً: المغرب ليس عدواً على الضفة الجنوبية. المغرب جار، وشريك، وذاكرة تاريخية، وبوابة نحو إفريقيا، وقوة إقليمية لها مصالحها وكرامتها وحساسيتها التاريخية.
والجار الذي تريدون منه أن يحمي حدودكم، وأن يتعاون معكم في مواجهة الإرهاب والجريمة والهجرة، يستحق في المقابل أن يُعامل كشريك كامل الكرامة، لا كمتهم دائم.
إن المغرب وإسبانيا أمام خيارين واضحين: إما أن يسمحا للخلافات الصغيرة والمزايدات الانتخابية والذاكرة غير المعالجة بأن تحول الجوار إلى توتر دائم، وإما أن يمتلكا الشجاعة السياسية الكافية لتحويل هذا الجوار إلى واحدة من أهم الشراكات الاستراتيجية في المتوسط.
الخيار الثاني ممكن، بل هو ضرورة.
لكن ذلك يتطلب قاعدة بسيطة وعميقة: لا شراكة حقيقية بلا احترام، ولا احترام حقيقياً بلا ذاكرة، ولا ذاكرة سليمة بلا مصارحة، ولا مستقبل مشترك بلا ثقة.
إن المغرب لا يريد حرباً مع إسبانيا، ولا يريد قطيعة مع الشعب الإسباني، ولا يريد إغلاق أبواب التعاون.
إنما يريد علاقة ندية، متوازنة، واضحة، تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الكبرى:
الجغرافيا لا تتغير، والتاريخ لا يموت، والشعوب لا تنسى.
لكن الشعوب العاقلة لا تجعل ذاكرتها سبباً للحرب، بل تجعلها جسراً نحو السلام.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس أن نعود إلى الماضي، وإنما أن نمتلك الشجاعة الكافية كي لا يسمح لنا الماضي بأن نُفسد المستقبل.
فالمغرب وإسبانيا أمام مفترق طرق: إما شراكة ناضجة تتسع للاختلاف وتحترم الذاكرة والسيادة، وإما نفق مظلم تتراكم فيه الهواجس، وتتحول فيه كل أزمة صغيرة إلى أزمة ثقة كبيرة.
والتاريخ، في النهاية، لا يرحم الدول التي تعرف الحقيقة ثم تختار تجاهلها.

ads after content
الإشهار 3
شاهد أيضا
الإشهار 4
تعليقات الزوار
جاري التحميل ...
الإشهار 5