قريباً .. مَصَحّةُ القُصُور الرُّوحي

قريباً .. مَصَحّةُ القُصُور الرُّوحي
بقلم: هشام الحداد
غريبٌ أمرُ هاته الرّوح، فَبِمجرّد المُفارقة الدنيوية للجسد تصبح الجُثّةُ هامدةً يَسْتَعْجِلُها الأحْياء إلى التُّراب مُسْتسلمين لِلْبَنْذ الثاني من القانون المَحْتُوم (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)”سورة طه الآية55″. وهذا لكي يعلمَ العبدُ ابتداءً أن معنى الإنسان فيه لا يكاد يُبِينُ بلا نَفْخَة الرُّوح من الحي الذي لا يموت (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)”سورة ص”، وليُسَلِّم ثانيا أن دخول الروح وخروجها لا اختيار له فيه قطعا (فَلَوْلا إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)”سورة الواقعة الآيتان86 و87″، ولكي يُوقِنَ الأحياءُ انتهاءً أن بداية الرحلة إلى الآخرة تبدأ بتوديع الروح للجسد عَلَّهُم يَلْتَفِتُون إلى ما وراء الخبر مِنْ أنّهم سائرون إلى الله اضطرارا وقد أُمِروا أن يسيروا إليه اختيارا (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ)”سورة الزُّمرالآية54″. وما يزيد التَّأَمُّلَ عَجَباً لِأمْرِ الرّوح أنّها بِمُجَرّدِ وُلُوجِ عالَمِ البَرْزَخِ القَبْرِيّ المَحْجُوبِ عن أَنْظَارِ الأَحْيَاءِ تَجِدُهَا تَشْتَاقُ إلى فُرَصِ التَّطَهُّرِ والتَّزْكِيّةِ التي لا أمل فيها بعد توديع نُزلاء الدار الفانية (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) “سورة المؤمنون”.
ولأنّ نافِخَ الأرواحِ في الأجساد عليمٌ خبيرٌ بِتَقَلُّبِها وتَفَلُّتِهَا وابْتِلَائِها بالشّهوات والأَهْوَاء والمَلَذّات في زُخْرُفِها وزينتها لم تكنْ لِتَكْفِيَها حِصَصُ التَّزْكِية اليَوْمِيّة لِعِلاجِ قُصُورِها وجَبْرِ ضَعْفِهَا واسْتِرْجَاعِ عَافِيَتِهَا وقوّةِ مَنَاعَتِها فَتَفضّل عليها الحَنَّان المَنّان بِالمصَحّة السّنَوِيّة لِدخول العناية المركزّة (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)”سورة البقرة 183/184″ طلباً للإنقاذ من أمراض الروح المُسْتَعْصِية ولإحْيَاء أمل التُّقَى والعَفَافِ في القلوب المُسْتَغْنِية.
فالرّوح كَالمَاسَّةِ النَّفِيسَة ذَاتِ الغِشاء البِلَّوْرِي الرَّفيع، بِدَاخِلها نورٌ يُضْفِي على الجوارح مُسْحَة الطُّهْرِ الفِطْري، غِشاؤُها شَدِيدُ الحَسَاسِيّة إذا ما اعْتَلَاهُ غُبَارُ الدَّنَسِ فإنّه يحتاج حينئذ إلى تَطْهير أَنِيق وصَوْنٍ دقيق، لِأنّ انْقِطاعَ الأَنْوَار بسبب أَسْتَارِ ظَاهِرِ الأَدْنَاسِ وَحُجُبِ بَاطِنِ الأَنْجَاسِ يُبْطِل مَفْعُولَ شُعَاعِ اللُّبِّ المُتَوَهِّج، مِمَّا يَفْتَحُ البَابَ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ لِمُغَامَرَةِ التَّيْهِ في ظُلُمَات المَعيشَة الضَّنْك (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)”سورة طه الآية124″
سَتُحَاوِلُ النَّفْسُ الأَمّارَةُ أَنْ تُبَرِّرَ لَكَ كُلَّ الأَفْعَالِ الدَّنِيئَةِ وتُبَرْهِنُ لَكَ بِالدَّلِيلِ المَعْتُوهِ أَنّهَا بَرِيئَةٌ فَتُصَدِّقُهَا وَتَمْضِي عَلِيلاً بِأَوْرَامِ الفِسْقِ المُدَمِّرَةِ لِلْفِطْرَةِ السّوِيّةِ والمَاسِخَةِ لِنَقَاءِ الطَّوِيّة.
فَتَقَدّمْ يا عَلِيلَ الرُّوحِ إلى مَصَحَّةِ القُصُورِ الرُّوحِي “رمضان”.. لا شُروطَ للدُّخُول إِلَيْها سِوى نِيَةٍ خَالِصَةٍ بِتَغْيِيرِ الحَالِ وَأَمَلِ السَّعَادَةِ في المَآل، مَصَحَّةٌ فِيها شِفَاءُ المُفَرِّطِين في جَنْبِ الرّحْمَن وَالمَصْرُوعِينَ بِمَدَاخِلِ الشّيْطَانِ وُالمُهْمِلِينَ لِخِطَامِ النَّفْسِ وَلِجَامِهَا عَنِ الطُّغْيَان.
مصحة رمضان لِكل صائم توّاق لرضى الغفور ولكل مُحبٍّ لِنُور اليقظة القلبيّة بِبَصِيرَة التَّجرد من الشهوات الدَّنِيَّةِ .. هي فرصة ذهبيّة للتّمَرُّد على قانون الغاب الذي تَعَلَّمَتْهُ أحْشَاءُ النفس الأمّارة بالسّوء، ولبعْث رسائل التغيير إلى كل الخلايا النّابضة بأسرار الحياة الخاضعة ابْتِدَاءً لِسِرِّ التوحيد.
مَفَاتيحُها انْقِطاعٌ عن اسْتِحْكَامِ الشّهوات وصَبْرٌ على مُقَاومَةِ وَخْزِ سَيِّئِ العادات، مَرَاهِمُها كَلِمَاتُ تَسْبِيحٍ وَتَكْبِير، واستغفار وَتَحْمِيد.. وَشَرَابُهَا صَلَوَاتُ العُرُوجِ إلى السَّمَاء وتَرَاوِيحُ الفَجْرِ النَّسِيم والعِشاء العَتيم.. وَحِمْيَتُهَا أَعْمَالُ الخَيْرِ والسَّبْقُ إلى رَسْمِ البَسْمَةِ على ثَغْرِ السّائل والمَحْروم واليتيم.. وَعَمَلِيَّتُها القَيْصَرِيّةُ تَوْبَةٌ نَصُوحٌ تُخَلِّص السّابحَ في مائِها الحَيَوِيِّ مِنْ سَلَاسِلِ الكَبَائِرِ المُغْرِقَةِ فِي الهَوانِ، أَشْرَاطُهَا دَمَعَاتُ النّدَمِ وَالإِقْلَاعُ والعَهْدُ بِالثَّبَاتِ في الأَمْرِ والعَزِيمَةِ على الرُّشْد.
نَقَاهَتُهَا خُلْوَةٌ فَريدَة، وَأَدْعِيَةٌ سَدِيدَة وَسَجْدَاتٌ حَمِيدَة، وَتَدَبُّرُ آياتٍ مَجِيدَة، في عَشْرِهَا الأَوَاخِر، وَإِكْسِيُرها السَّمَاوِي المُطِيلُ للأَعْمار لَيْلَةٌ وما أدراك مَا هِي، تُضَاعف أوقاتَ التَّعَبّدِ لله، وَتُعِدُّ الصَّحَائِفَ لِلتَّبَاهِي (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر)”سورة القدر الآية3.
مَحَاذِيرُهَا فِسْقٌ وَصَخَبٌ وَإِصْرَارٌ على ذنْبٍ بلَغَ العَنَان، واسْتِهْتَارٌ بِآفَاتِ اللِّسَانِ والجَنَانِ، وغَضُّ الطَّرْف عَنْ مَظَالِم النّاس المُهَدِّدَةِ بالإفلاس.
وَرْدَتَا شِفَائِها فَرْحَتَانِ إِحْدَاهُمَا قُبَيْلَ الإِفْطَارِ انْتِشَاءً بِنَجَاحِ يَوْمِ الصيام وَالانْتِصَارِ المُحَقَّقِ عَلَى الفُجُور والطُّغْيان، وَثانِيهما يَوْمَ اللِّقَاءِ الكَبير عِنْدَ ندَاءِ مَوْكِبِ الصائمين مِنْ بَابِ الرَّيَّان.
حَتَّى إِذا أَتْمَمْتَ الأَيّام بِسَلام وَهَمَمْتَ بِالخُروج من المصحة المُبارَكة بَادَرَكَ الكِرَامُ الكَاتِبُونَ بِشَهَادة كُتِبَ عَلَيْها “غُفِرَ له ما تقدّم من ذنبه”. فهنيئا لك.
