دار الشعر بمراكش تفتح حوارا شعريا وموسيقيا وتشكيليا
في فعاليات الدورة التاسعة ل "أبجديات وموسيقى"الوديع وشيكار وفرساوي يتحاورون في عرض شعري وفني حي

العرائش أنفو
دار الشعر بمراكش تفتح حوارا شعريا وموسيقيا وتشكيليا
في فعاليات الدورة التاسعة ل “أبجديات وموسيقى”الوديع وشيكار وفرساوي يتحاورون في عرض شعري وفني حي في فضاء المكتبة الجامعية الرقمية

“أيها الكونُ تمهَّلْ/ علَّنا/ نهرب منَّا إليك”
صلاح الوديع
هكذا افتتح الفنان والخطاط الحروفي لحسن فرساوي، فضاء اللوحة الحية أمام جمهور ورواد الدار، في مقام الحوار الشعري الفني، وفي مفتتح فعاليات الدورة التاسعة لبرنامج “أبجديات وموسيقى”، والذي نظمته دار الشعر بمراكش بتنسيق مع المكتبة الجامعية الرقمية، وضمن ملتقى “ثلاثية حوار الفنون” مساء السبت (20 يونيو) الماضي. وشهدت الفعاليات حضور ومشاركة: الشاعر صلاح الوديع والموسيقي حسن شيكار والفنان والخطاط لحسن فرساوي، ضمن برمجة سبق لدار الشعر بمراكش أن وضعت جذاذتها التأسيسية ضمن فعاليات مهرجان الشعر المغربي في دورته الأولى (2018).
ولم يكن فضاء اللوحة، والتي شكلت الانطلاقة الفعلية لحوار شعري وموسيقي وتشكيلي، إلا نسجا لهذه الحوارية المجازية. بدأ الفنان لحسن فرساوي، مستدعيا مقولة خوان ميرو “أحاول تطبيق الألوان على اللوحات مثل الألوان التي تشكل القصائد والعلامات التي تصنع الموسيقى”، وحين أوشكت أنامل الفنان أن تبدأ تخطيطات اللوحة.. بدأ، حسن شيكار، في توزيع مقامات نبض القلب على آلة العود، بعضا من نبض “جراح الصدر العاري” للشاعر صلاح الوديع. كان المقام الأول “واصل معي” (1990)، والتي كانت “الألبوم” الأول للتعاون المشترك.. ليبدأ بعدها، الشاعر صلاح الوديع، مقام الشعر..



في أبجديات وموسيقى، تسعى دار الشعر بمراكش، بتنسيق مع المكتبة الجامعية الرقمية، أن تخط حوارية ثلاثية الفنون.. في أن يصبح الشعر تلك “الرؤيا الموغلة في استبصار المطلق، واستدعاء الجمال من عالم التخفي..”، أو كما قال الشاعر رامبو: “أريد أن أكون شاعرا، وأعمل لأصير رائيا، فالأمر يتعلق بالوصول إلى المجهول”. الشاعر صلاح الوديع، وفي مقام أول، قرأ “كتبت أحبك”: “كتبت أحبك/ آه لو تدري/ أي طعم للوجع/ كتبت أحبك واختفت/ لم تدر أن عيونها/ سكنت هنالك/ حيث جرح القلب والكبد/ اتسع/ هذا الفؤاد /تناثرت أشلاؤه/ وبقيت أجمع / من شظاياه الحصى/ حتى اجتمع/ (…)/أنت ريقي/ أنت ريقي ورحيقي/ وزفيري وشهيقي/ أنت تحميني من البرد/ وتطفئ كالداليات … حريقي/ كالمرايا أنت لي/ كلما حدقت في إحدى زواياها/ اكتشفت حياتي/ ووجدت على البعد… طريقي/ ضُمَّني حتى تدق عظامي/ ويفوح كما المسك رحيقي/ ضمني، إنك نور حياتي/ ورغيف الخبز في كتفي/ لا تقل لي… حين أرتاح بين يديك: أفيقي/ شقيق الروح أنت/فيا أيها الناس دعوا لي شقيقي”.
على خشبة المكتبة الجامعية الرقمية، تواصلت الفعاليات، من كلمة الباحث مصطفى لعريصة، مدير المكتبة الجامعية الرقمية، وهو يؤشر على مجازات حوارية ثلاثية الفنون، الى النص المفتوح للشاعر عبدالحق ميفراني، مفتتحا بكلمة دار الشعر بمراكش، مقام الرؤى في حوار شعري وموسيقي وتشكيلي. أليست “كتابة الشعر هي نفسها ابتهاج، لأنه في الكتابة تتولد العودة إلى الوطن، أو الى المكتبة، حيث فردوس بورخيس المفقود”. وهكذا، تحول الشعر غناء، كما يفعل الفنان حسن شيكار، وأصبح الشعر “فن الحروفيات”، كما يفعل الفنان لحسن فرساوي، وتكلف الشاعر صلاح الوديع بتقديم النشيد الأبدي النوراني، والشدوُ المشتركُ، لشاعر: “جراح الصدر العاري”، “لا زال في القلب شيء يستحق الانتباه”، “لئلا تنثرها الريح”، و”إليك”..
“حبيبي يا سيدا”، أغنية أنتجت (2018)، كانت المقام الثاني للفنان حسن شيكار، أحد إشراقات المجموعة الغنائية الرائدة “ألوان” وهي تضيء مشاعل القصيدة. بعدها قدم الشاعر صلاح الوديع مقاطع من “نشيد المرايا” 2005 : “هذا زمان الحديث فيا أيها السامري – تكلمْ/ فأنت لسان المجرهْ/ أعِرها لسانكْ/ تكلمْ فأنت سدى الذاكراتْ/ أعِرها بيانكْ/ تكلمْ هو الله يصغي/ ولله قلب بحجم المدى/ فلا تترك القلب يذوي نوى أو صدى/ تصرف كقلب يدق على قبة الله فجرا/ تجمَّلْ تحمَّلْ تماهَ تشددْ تمن تألقْ تفتقْ تحملْ أنينا يعود إليكَ تباعاً/ وأنتَ الأميرُ يتوجه ُزمهرير الغيابْ/ تَرقرقْ فما كل ضوءٍ سراب ْ/ تذكر حفيف الدجىَ بارداً والضبابْ/ تذكر طويلا فما أعنف الذاكرهْ/ تذكر فما أروع الومضة العابره (…)”.
واصل الفنان المراكشي، المقيم في وجع الأبجدية.. لحسن فرساوي أحد أبرز الأسماء في تحرير الحرف العربي من القواعد الهندسية التقليدية ودمجه في أعمال تجريدية معاصرة. والمتوج بجائزة محمد السادس لفن الحروفية التكريمية لعام 2023، “هندسة” اللوحة في حوار عميق مع الخط العربي، وأمام جمهور اندهش من لحظة الولادة أمامه. كان اللقاء مفتوحا وفيه كل شيء حي.. حيوات قصائد الحب والوطن والوجع للشاعر صلاح الوديع، أغاني حسن شيكار، وحروفيات لحسن فرساوي..حيث فضاء النور والخلاص الروحي..
المقام الثالث والأخير، افتتحه الفنان حسن شيكار بأغنية “أنت ريقي” أنتجت سنة 2020، ليصرخ بعدها الشاعر صلاح الوديع بقصيدته “بَرَابِرَةْ…”، والتي نشرتها أحد الجرائد المغربية يومها في الصفحة الأولى (2002)، مستعيدا صوت الشاعر وهو يدين “همجية التقتيل والحروب والإبادة”: “يأتون بالـمُدى ويغرسونها على الجراح الغائرهْ/ ويحصدون القمح والرؤوس/ ويوغلون خنجر الظلام في صميم الخاصرهْ/ برابرهْ/ يأتون من جحور الليل كالوحوش الكاسرهْ/ ويأخذون الخبز والحليب من فم الأطفال/ ويسحبون في حديدهم رجالنا/ كما الجياد النافره/ برابره/ ويقتلون أشجع الفتيان/ وأجمل النساء/ ويحرقون الزرع، يتلفون الضرعَ/ يسحقون الياسمين والجماجم العزلاء/ يسرقون الشمس والشتاء/ برابره/ (…) / يا آدمَ الحقيقهْ!/ يا آدم الخليقهْ!/ الذئب جاء يعتلي مجنزرات الليل الكاسرهْ/”.

تندرج الدورة الحالية، من البرنامج الشعري والثقافي والفني “أبجديات وموسيقى”، ضمن التنسيق الثقافي المشترك الذي يجمع دار الشعر بمراكش والمكتبة الرقمية الجامعية التابعة لجامعة القاضي عياض؛ وضمن فعاليات ملتقى ثلاثية الفنون وفاء لروح الفنان المغربي الكبير سعيد الشرايبي. واختتم المقام الثالث الحروفي، فنان الحروفيات والتشكيلي الفنان لحسن فرساوي، والذي ظل وفيا للشعر، مند بدايات تجربته المتفردة مع أجيال وحساسيات الشعر المغربي الجديد، نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات من القرن الماضي، وكانت اللوحة والتي استمدت مقطعا شعريا من أحد نصوص الشاعر صلاح الوديع، سر الإهداء وختم اللقاء، الذي امتد في حوار ممتد بصبيب الشعر والشدو والتشكيل.. في سعي حثيث للانفتاح على أسئلة وقضايا تهم مجالات الإبداع والنقد ضمن تقاطعات مع قضايا ترتبط بالشعر وحوارية الفنون.
